سورة المائدة | ح 1040 | 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1040 | 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • الله تعالى يحكي في سورة المائدة عن طائفة أقرب المختلفين معنا مودة ورحمة يقولون: "وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق".
  • من استمع إلى كتاب الله فانشرح صدره للإيمان يوفقه الله، ومن استكبر ورفض الحق فهو في خطر في الدنيا والآخرة.
  • القوم الصالحون في الدنيا هم مستجابو الدعوة، وفي الآخرة مآلهم الجنة وظل عرش الرحمن.
  • جمع العلماء الصفات التي توجب ظل العرش يوم القيامة فوجدوها نحو تسعين صفة.
  • ألف الشيخ الغماري كتاب "تمام المنة في الصفات الموجبة للجنة" وجمع فيه نحو مائتي صفة.
  • من صفات القوم الصالحين: التبسم في وجه الأخ، ومعاملة الناس بخلق حسن، وكف الأذى، ومنيحة العنز.
  • كذلك من صفاتهم: إعارة الكتب للمنفعة، وإهداء الناس، والتساهل في النقدين كقبول الأوراق النقدية المستعملة.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تلاوة آية سورة المائدة عن الطائفة الأقرب مودة للمسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يحكي عن هذه الطائفة من المختلفين معنا ممن هم أقرب إلينا مودة ورحمة من غيرهم:

﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [المائدة: 84]

انشراح الصدر للإيمان عند سماع كلمة الحق والوحي الإلهي

يعني في حقيقة الأمر أن من استمع إلى كتاب الله وإلى كلمة الحق وإلى الوحي، فانشرح صدره لها؛ لأنه لا يريد إلا الله، وانشرح صدره للإيمان بسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.

وانشرح صدره لهذه المعاني العليا التي تقول إن الكبر قبيح وإن التواضع خلق صحيح، وتقول إن الإيمان أمر ممدوح وإن عبادة الله سبحانه وتعالى أمر مطلوب، وتقول إن أضداد هذا من الكفران والعصيان أمر مقدوح.

تعجب المؤمنين ممن لم يسلك طريق الإيمان وعاقبة الاستكبار

هذا الصنف من الناس يوفقه الله سبحانه وتعالى، ولذلك هم يتعجبون ممن لم يسلك ذلك الطريق، طريق الإيمان.

﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ [المائدة: 84]

لأننا إذا لم نؤمن واستكبرنا وتركنا العبادة وقست قلوبنا فهي كالحجارة أو أشد قسوة، ورفضنا ما جاءنا من الحق، كان ذلك خطرًا علينا في الدنيا بعدم التوفيق، وفي الآخرة بالحساب ثم العذاب.

طمع المؤمنين في أن يحشرهم الله مع القوم الصالحين ومنفعة ذلك

﴿وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [المائدة: 84]

وهذا شأن المؤمنين، أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين. فإذا عدّهم وحشرهم مع القوم الصالحين فإن هذا يعود عليهم بالمنفعة في الدنيا وفي الآخرة.

وغاية المراد من رب العباد في الدنيا هو أن تكون مستجاب الدعوة، ولذلك كان من دعاء الصالحين بكلام مختصر مفيد: اللهم اجعلني مستجاب الدعوة.

معنى دعاء اللهم اجعلني مستجاب الدعوة وشموله لخيري الدنيا والآخرة

ماذا يعني هذا [الدعاء بأن يكون مستجاب الدعوة]؟ أنه دعا بخير الدنيا والآخرة؛ لأن الله إذا استجاب له وجعله مستجاب الدعوة ودعا بسعة الرزق في الدنيا استُجيب له، أو بأن يقينا الله سبحانه وتعالى شر المرض استُجيب له، أو بأن يهدينا الله سبحانه وتعالى فيمن هدى استُجيب له.

وهكذا فهي كلمة جامعة مانعة لطيفة رقيقة رائقة فائقة، وهي أن تدعو ربك أن تكون مستجاب الدعاء، وبذلك تحوز الدنيا وما فيها، وكلما دعوت بخير الدنيا والآخرة أجاب الله لك.

صفات القوم الصالحين في الآخرة ومآلهم إلى الجنة وظل العرش

هذه واحدة من صفات القوم الصالحين [في الدنيا وهي استجابة الدعاء]، والأخرى في الآخرة؛ فإن القوم الصالحين مآلهم الجنة، ومآلهم في الموقف العظيم ظلُّ عرش الرحمن سبحانه وتعالى.

ويقف في ظل عرش الرحمن، كما أفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحو تسعين صفة. تسعين صفة! يعني سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، المعروفين السبعة هؤلاء، لكن عندما تتبع العلماء موارد الحديث النبوي في الصفات التي تستوجب ظل العرش، وجدوها كثيرة؛ فأحدهم جمع سبعين صفة بدلًا من السبعة، وآخر جمع تسعين صفة بالتتبع هكذا.

رغبة سالكي طريق الحق في معرفة صفات أهل ظل العرش ومصادرها

فيحلو لبعض الناس من سالكي طريق الحق والراغبين في أن يكونوا من القوم الصالحين - والقوم الصالحون هؤلاء من صفاتهم أن ربنا يظلهم في عرشه يوم لا ظل إلا ظله - أن يعرفوا هذه الصفات التي تستوجب الوقوف في ظل عرش الرحمن.

ولذلك يسألون: أين سنجدها؟ نريد أن نجمع ونجلس لنجمع من جديد. فقال لك: في شرح الموطأ للشيخ الزرقاني تجد أنه عندما تعرض للحديث شرحًا وحكاية عن ظل الرحمن، جمع الصفات التي قال عنها الناس أنهم قد وجدوها أو استنبطوها من الحديث النبوي الشريف، والتي تصل إلى نحو تسعين صفة من هذه الصفات.

كتاب تمام المنة للشيخ الغماري في الصفات الموجبة للجنة وحديث الأربعين خصلة

وقد ألّف شيخنا الشيخ عبد الله الغماري كتابًا أسماه «تمام المنّة في الصفات الموجبة للجنة»، وذلك شرحًا لحديث:

قال رسول الله ﷺ: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، العامل بواحدة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها أدخله الله بها الجنة»

أربعين صفة! فلما جمع من الحديث الصفات التي أرشد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصديق موعودها يدخلك الجنة، وجد نحو مائتين صفة، واسترشد أيضًا بالتسعين التي ذكرها الشيخ الزرقاني الذي جمعهم لظل العرش.

كيف تكون من القوم الصالحين بتطبيق صفاتهم كالتبسم وحسن الخلق

عندما تكون لديك همة السؤال: أريد أن أكون من القوم الصالحين، ماذا أفعل؟ قم بقراءة هذه الصفات وحاول أن تطبقها.

ومن هذه الصفات: التبسم في وجه أخيك صدقة، فيجب أن تكون دائمًا وأنت تمشي أن تفعل هكذا [تبتسم]، تجعل فمك بجانب أذنيك؛ لأن هناك من ينطق الواو [أي يعبس]، وآخر [يبتسم]. التبسم في وجه أخيك صدقة، ولو أن تخالق الناس بخلق حسن، ولو أن تكف أذاك عن الناس. كل هذا من صفات القوم الصالحين.

منيحة العنز وإعارة الأشياء من صفات القوم الصالحين الموجبة للجنة

ومنها أيضًا منيحة العنز، أي أن تعطي عنزتك أو شاتك التي هي نعجتك لجارك ليحلبها ويعيدها إليك في نهاية اليوم.

أنت نقصتَ ماذا؟ نقصتَ بعض الغنمات؟ لا، لم تنقص شيئًا! هو فقط أخذها قرضًا وأخذ منها كوزًا من اللبن ثم أعادها إليك. ما الذي فعلته؟ لأنك لم تتكلف شيئًا، وفي نفس الوقت نفعت غيرك.

تخيل إذن وأنت تعطي كتابًا عارية لكي يستفيد أخوك منه ويقرأه! تخيل لو أنك أعطيت هدية لشخص!

التساهل في النقدين من صفات القوم الصالحين وأخلاق التجار قديمًا

من صفات القوم الصالحين الذين يستوجبون الجنة - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - التساهل في النقدين، يعني الأموال والأوراق النقدية، وذلك عندما تقدمها لقوم فلا تقول لهم: لا، ابحث لي عن عشرة جنيهات غيرها، بل تأخذها ولو كانت ممزقة قليلًا، ثم تذهب بعد ذلك لتستبدلها من البنك.

وقديمًا كان عندنا خلقًا في مصر القاهرة أن المحلات التجارية لا تردك أبدًا عندما تعطيها أي شيء من الورق، تأخذه منك، وفي نهاية اليوم يذهبون في اليوم التالي بالأوراق القديمة ليستبدلوها من البنك.

اندثار خلق التساهل في المعاملات المالية وختام الحديث عن صفات الصالحين

وشاهدنا ونحن صغار أن الناس أصبحت تنسى هذه الأشياء [أي خلق التساهل في النقدين]، أن هناك محلات لا تعطيك إلا جديدًا، تأخذ كل الورق القديم وتعطيك جديدًا فقط، الباقي أو كذا إلى آخره.

كل هذه الأخلاق من صفات القوم الصالحين الذين أرشد الله إليهم.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.