سورة المائدة | ح 1046 |89| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1046 |89| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • اليمين المنعقد يشترط فيه النية وأن يكون بأسماء الله تعالى أو صفاته.
  • الحلف بغير الله كالكعبة أو المصحف أو النبي لا ينعقد يمينًا عند الجمهور وهو في دائرة اللغو.
  • ذهب الإمام الجويني إلى أن الحلف بغير الله مكروه قطعًا وليس حرامًا أو شركًا.
  • استند الجويني في حكمه على حديث "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" وهو صحيح أخرجه مسلم.
  • حديث "من حلف بغير الله فقد أشرك" ضعيف السند فلا يُحتج به.
  • استدل أيضًا بحديث النبي "أفلح وأبيه إن صدق" المخرج في صحيح مسلم.
  • انفرد الإمام أحمد بالقول بانعقاد اليمين بالنبي محمد لأنه أحد ركني الشهادتين.
  • الجمهور على أن الحلف بغير الله مكروه سواء كان بالنبي أو بغيره من المقدسات.
  • لا ينبغي تكفير أو تبديع من يحلف بغير الله لأن هذا ما استقر عليه أمر جماهير المسلمين.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة في آية كفارة الأيمان وشروط انعقاد اليمين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله، وفي سورة المائدة وعند قوله تعالى:

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ﴾ [المائدة: 89]

تكلم العلماء عن اليمين الذي ينعقد، فقالوا:

أولًا: لا بد فيه من النية، وهذا هو الفرق بين اليمين المنعقد ويمين اللغو، هو النية.

ثانيًا: لا بد أن يكون باسم من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفاته، وإلا لا ينعقد.

حكم الحلف بغير الله كالكعبة والمصحف وعدم انعقاد اليمين به

هل هناك من يحلف بشيء غير الله؟ قالوا: نعم، هناك كثيرون يفعلون ذلك للهروب من انعقاد اليمين، وليؤكدوا لك أنهم يقولون شيئًا عزيزًا جدًا عليهم.

يقوم يقول لك: وبيت الله، وبيت الله، والكعبة، والمصحف. قالوا: لا ينعقد اليمين [بهذه الأشياء]، فيصبح هذا [الحلف] عندما لم ينعقد خرج من كونه يمينًا منعقدًا يكون عليه كفارة إلى دائرة اللغو.

قالوا: لكن يعني ليس عليه شيء [من الكفارة]. قال: والمصحف، قال: والكعبة، قال: وسيدنا الإمام الشافعي، هذا حدث. طيب والحسين، قال: سيد الكل، أصبح والنبي عليه الصلاة والسلام حدث أو لم يحدث أو كذا إلى آخره.

حكم الحلف بالنبي عند الإمام الجويني وبيان أنه مكروه قطعاً

حسنًا، والنبي كذا، أنا أقول لك ها أنت لا تصدقني، حسنًا والنبي حدث كذا، فما حكمه؟ قال الإمام الجويني: إنه مكروه قطعًا، فيكون الحلف بغير الله مكروهًا قطعًا.

لماذا قال الإمام الجويني إنه مكروه قطعًا؟ لأنّ هناك أشخاصًا يسألونه: هل هو حرام؟ هذا رقم واحد، فأجابهم: لا، ليس حرامًا، إنما مكروه.

وهناك أشخاص يسألون: هل هو شرك؟ فقال لهم: لا، ليس شركًا، إنه مكروه.

سبب سؤال الناس عن حرمة الحلف بغير الله ووجود حديثين في المسألة

عجبًا، وما الذي يجعل هؤلاء الناس يطرحون مثل هذه الأسئلة؟ لابد أن هناك شيئًا دفعهم لأن يقولوا هذا حرام، وبعضهم قال هو هذا شرك، من أين أتوا بها؟ لماذا خطر في بالهم هكذا؟

قال: نعم، هم معذورون، خطر في بالهم هكذا لأن عندنا حديثين عن سيدنا المصطفى يجب أن نعرف معناهما، فيسألونه عن معناهما.

الحديث الأول الذي جعل الذي يقول: يا فضيلة الإمام الجويني، هل هذا حرام؟ الذي هو الحديث:

قال رسول الله ﷺ: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» رواه مسلم

يعني النبي يقول لنا ماذا؟ لا تحلفوا بغير الله.

الجويني يجيب أن النهي عن الحلف بغير الله للكراهة لا للتحريم

طيب، هذا النهي من النبي يجعل المسألة حرامًا يا فضيلة الإمام أم مكروهة؟ فأجاب قائلًا: مكروهة قطعًا، هي مكروهة قطعًا.

وهذا الحديث صحيح أم ما حقيقة روايته؟ أخرجه مسلم، إذن صحيح.

حسنًا، وما الذي يجعله يقول له هذا شرك أو ليس بشرك؟ لا بد أن هناك شيئًا أو حديثًا آخر. قال:

«من حلف بغير الله فقد أشرك» رواه أبو داود

هذا حديث. قال إنه فضيلة الإيمان: من حلف بغير الله فقد أشرك، هذا حديث، أليس كذلك؟ ما القصة؟ أخرجه أبو داود.

تضعيف حديث من حلف بغير الله فقد أشرك وترجيح حديث مسلم

قال [الإمام الجويني]: أقول لهم: لا، هذا [الحديث] ضعيف من ناحية السند، ضعيف فلا يُحتج به مقابل حديث:

«من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» رواه مسلم

هذا هو الصحيح. أما حديث «من حلف بغير الله فقد أشرك» ففيه ضعف، فدعوه.

حديث أفلح وأبيه إن صدق ودلالته على جواز الحلف بغير الله

حسنًا، وما الأمر الثاني يا فضيلة الإمام؟ قال: هناك أشياء تخالف هذا الحديث [حديث النهي عن الحلف بغير الله]، توجد أمور تتعارض مع هذا الحديث، وهي ما أخرجه مسلم عندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبَل رجل قال: لا أزيد على ذلك ولا أنقص يا رسول الله، أي أنه سيصلي الصلوات الخمس فقط، وسيصوم رمضان فقط، وسيحج إلى البيت فقط، وهكذا إلى آخره.

فقال الرسول ﷺ:

«أفلح وأبيه إن صدق» رواه مسلم

كان النبي يُقسم بماذا؟ بوالد الرجل الأعرابي، هذا على سبيل ما كانت عليه العرب من ذلك.

بيان أن فعل النبي للحلف بغير الله مرة واحدة يدل على الكراهة لا التحريم

حسنًا، لماذا يفعل ذلك النبي ﷺ؟ لكي يُبين لنا أنه ليس حرامًا أن يقولها مرة واحدة، فيوضح لنا الجواز ويقول لنا: لا تقولوا أنتم هكذا، لكي يُبين الأدب الذي سنسير عليه دائمًا.

النبي ﷺ كان يفعل هكذا؛ عندما ينهانا عن شيء ويأتي فاعلًا له مرة واحدة، فمعنى ذلك أنه مباح لكن الأفضل تركه، فيكون مكروهًا.

فالنبي ﷺ قال - وهذا أخرجه مسلم وهو حديث قوي -:

«أفلح وأبيه إن صدق» رواه مسلم

رأي الإمام أحمد بن حنبل في انعقاد اليمين بالحلف بالنبي ﷺ

حسنًا، إذا كان الحلف بغير الله فماذا يكون؟ إنه مكروه قطعًا، هذا بداية كلام الإمام الجويني سيد الشافعية.

قال أحمد [بن حنبل]: لا، أنا لدي كلام آخر، لدي كلام آخر يا فضيلة الإمام أحمد بن حنبل الإمام الكبير. قال: أظن أنه نعم، والمصحف والكعبة والعرش العظيم وجبريل وما إلى ذلك، يعني أيضًا مكروهًا.

لكن الحلف بالنبي ﷺ ينعقد اليمين [عند الإمام أحمد] لعلو شأن مقامه صلى الله عليه وسلم. والله، الحلف بالنبي ينعقد باليمين، الإمام من الذي يقول؟ إمام أحمد بن حنبل.

حجة الإمام أحمد في انعقاد اليمين بالنبي لكونه أحد ركني الشهادتين

له ما هو وجهة نظرك [يا إمام أحمد]؟ بينما نحن جالسون نذكر الأدلة، والشيخ الجويني يقول مكروه قطعًا - والجويني جاء بعد الإمام أحمد طبعًا -.

قال [الإمام أحمد]: لأنه أحد أركان الشهادتين، لا يدخل الإنسان الإسلام إلا بهما: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول [الله]، أحد ركني الشهادتين، فتنعقد اليمين بهما دون ما سواهما.

يعني لو قلت: وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى، أبدًا لا يصح. لماذا؟ لأنه ليس أحد أركان الشهادتين. فمن هما الركنان اللذان يشكلان الشهادتين؟ الله ورسوله ﷺ.

سيدنا الإمام أحمد تفرد بهذا [الرأي].

رأي الجمهور في كراهة الحلف بغير الله سواء بالنبي أو بغيره من المقدسات

يعني الجمهور كما يقول الإمام الجويني أن الحلف بغير الله مكروه، سواء كان بالنبي ﷺ أو بغير ذلك من المقدسات؛ كالمصحف والعرش، ومثلًا الملَك من الملائكة، ونبي من الأنبياء، وأي شيء من هذه المقدسات العظيمة.

لكن كل هذا يكون مكروهًا طيبًا، هذا ما استقر عليه أمر جماهير المسلمين.

التحذير من تكفير من يحلف بالنبي والاقتداء بفهم السلف الصالح

فينبغي علينا أن نعلم هذا لكي لا يأتي أحد ويقول لك: والنبي، ويقول لك: قُلْ لا إله إلا الله، أنت أشركت، أنت كفرت، أنت فعلت كذا وكذا. هذا بعض الشيء زائد عن اللزوم.

لماذا لا يصلح هذا [التكفير]؟ لأن السلف كانوا هكذا [لم يكفّروا من حلف بغير الله]، نحن نريد أن نكون مثل السلف، الخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كله الشر في ابتداع من خلف.

فتقف عند المثال الذي تركه لنا هؤلاء الأولياء في فهمهم للكتاب والسنة.

خلاصة أقسام اليمين بين المنعقد وغير المنعقد والمختلف فيه

إذ هناك يمين ينعقد وهناك يمين لا ينعقد باتفاق، وهناك يمين اختلف فيه العلماء بين انعقاده وبين عدم انعقاده، وهو الحلف بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

فإذا سرت مع رأي الجمهور فهذا حسن وجيد، فلتسر مع هكذا وقُلْ وهو مكروه قطعًا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.