سورة المائدة | ح 1047 |89| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 1047 |89| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يبين الله في سورة المائدة أنه لا يؤاخذ باللغو في اليمين، بل بما عُقد عليه.
  • جعل الله كفارة لليمين المنعقد ليكون مخرجاً للإنسان إذا حلف ثم رأى البر في غيره.
  • الكفارة فيها تخيير ابتداءً وترتيب انتهاءً، فيجب استنفاد الخيارات الأولى قبل الانتقال للثانية.
  • الخيارات الأولى ثلاثة: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الإنسان أهله، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.
  • تختلف تكلفة الإطعام بين الناس حسب مستوى معيشتهم، بينما الكسوة والعتق أعلى تكلفة.
  • في حال عدم القدرة على الوفاء بالخيارات الأولى، ينتقل المكلف إلى الصيام ثلاثة أيام.
  • الفقدان قد يكون حسياً كعدم وجود فقراء أو رقاب، وقد يكون شرعياً كعدم امتلاك المال الكافي.
  • ينصح بعدم الإكثار من الحلف لتجنب الوقوع في المضايق ابتداءً.
  • الحكمة من هذا التشريع ألا يكون اليمين عائقاً عن فعل البر والخير.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة في كفارة اليمين المنعقد من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ﴾ [المائدة: 89]

وقد جعل الله سبحانه وتعالى بإزاء اليمين المنعقد كفارةَ اليمين؛ حتى لا نجعل الله عُرضةً لأيماننا.

هدي النبي ﷺ في التكفير عن اليمين إذا رأى البر في غيره

وكان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُعلّمنا، إذا حلف على شيء ثم رأى البرَّ في غيره، كفَّر عن يمينه وفعل الذي هو بِرّ.

فلو أن أحدنا قال: والله لن أذهب إلى الإسكندرية، وعقد اليمين على ألّا يسافر هذه السفرة، ثم رأى الخير في سفره والبرَّ في هذا الانتقال؛ فليُكفِّر عن يمينه ويذهب.

معنى عدم جعل الله عرضة للأيمان والحث على التكفير وفعل البر

وهذا معنى قوله [تعالى]:

﴿وَلَا تَجْعَلُوا ٱللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا﴾ [البقرة: 224]

فأنتم الآن لا تريدون أن تفعلوا البرَّ لأنكم حلفتم. فلماذا لا تُكفِّروا إذن؟ بعد عقد اليمين أوجد الله لنا فسحةً وأوجد بابًا مفتوحًا نستطيع أن ندخل منه؛ من أجل أن نفعل البرَّ ونُكفِّر عن اليمين.

كفارة اليمين فيها التخيير ابتداءً والترتيب انتهاءً بين درجتين

والكفارة التي هي لليمين فيها التخيير ابتداءً والترتيب انتهاءً. التخيير ابتداءً والترتيب انتهاءً، يعني أنه [سبحانه وتعالى] قسَّمها إلى درجتين يجب أن أُراعيَ الدرجتين، فلا أذهب إلى الدرجة الثانية إلا إذا استنفدتُ كلَّ جهدي في الدرجة الأولى.

وفي الدرجة الأولى جعلها لي على الاختيار: ثلاث خصال، ثلاث صفات. إذن هو أعطاني حقيبتين: حقيبة فيها ثلاثُ كراساتٍ، وحقيبةٌ فيها كراسةٌ واحدة.

وجوب البدء بالحقيبة الأولى قبل الانتقال إلى الثانية في الكفارة

يجب عليَّ الذهاب إلى الحقيبة رقم واحد أولًا، ولا أذهب إلى الثانية إلا بعد أن أذهب إلى واحد [الحقيبة الأولى] ولم أستطع التعامل مع أيٍّ من هذه الكراسات ولا أوامرها؛ أذهب إلى رقم اثنين [الحقيبة الثانية].

وهذا معناه أنها على التخيير ابتداءً وعلى الترتيب انتهاءً.

خيارات الكفارة الثلاثة في الحقيبة الأولى: الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة

حسنًا، أين التخيير ابتداءً؟ قال [تعالى]:

﴿فَكَفَّـٰرَتُهُٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]

الخيار الثاني: كسوتهم، أو الخيار الثالث: تحرير رقبة. كلهم موضوعين في شنطة واحدة [الحقيبة الأولى]. متخيَّل؟ الذي تريده [تختاره منها].

فيكون أمامك أن تُطعم عشرة مساكين، وإذا لم تجد العشرة مساكين أو لم ترضَ، أو أنت تريد أن تقوم بكسوتهم، أو إذا كنت تريد أو لم تجد؛ فلتحرر رقبة.

معنى أوسط ما تطعمون أهليكم بين المعتدل والعالي

عندما نأتي لنحسب العشرة مساكين نُطعمهم من أوسط. أوسط تعني ماذا؟ هناك أناس فهموا من "أوسط" أي من الشيء المعتدل؛ يعني انظر ماذا تُطعم أهلك وخذ الوسط منه.

وهناك أناس قالوا: لا، الوسط [يعني] العالي. وكان الأنبياء يُرسَل كل واحد منهم من أواسط قومه؛ أي من العائلة العالية جدًا، ليست العائلة المتوسطة. فالوسط هنا معناه أعلى شيء.

تفصيل ما يجب إطعامه للمساكين من أعلى أنواع الطعام

أنت تُطعم أهلك أعلى شيء. ماذا؟ يجب أن تُطعمهم لحمًا من أعلى نوع، أو طيورًا فيجب أن تكون من أفضل الطيور، وفاكهة أيضًا يجب أن تكون معهم فاكهة، وتُطعمهم كذا. فيجب أن يكون هذا اللحم طبيخ [مطبوخًا].

فتحسب الحساب: افترض أن الأوسط — افترض أي أنها تختلف — فأنت رجل تُقدم من متوسط ما تقدمه لأهلك، الوجبة للشخص تكلف عشرة جنيهات لنفترض.

اختلاف تكلفة الكفارة بحسب مستوى معيشة كل شخص

وشخص آخر متوسط ما يأكله أهله بمائة جنيه؛ لأن الله قد وسَّع عليه رزقه. ولنفترض شخصًا ثالثًا بخمسة جنيهات أو اثنين فقط، وغاية ما يقدمه سندويش فول وبعض المخللات.

فيكون أوسط ما تُطعم به أهلك أنت، فتختلف [الكفارة] من شخص لشخص. إذا مشينا على أساس عشرة جنيهات، فكم تكون الكسوة والطعام لعشرة مساكين؟ ستكون مائة جنيه.

مقارنة تكلفة خيارات الكفارة الثلاثة بالأرقام التقريبية

حسنًا، اذهب اليوم واكسُهم [المساكين العشرة]، فسيكلف كل واحد منهم ما بين ثلاثمائة جنيه إلى أربعمائة جنيه، وبالنسبة للعشرة سيكون المجموع أربعة آلاف.

فالخيار الأول [الإطعام] سيكلفني مائة جنيه، ورقم اثنين [الكسوة] ستكلفني أربعة آلاف جنيه. فاذهب هكذا وأعتق رقبة! هذه الرقبة كانت أحيانًا تساوي مائة دينار، مائة دينار تعني خمسين جنيهًا ذهبيًا.

اليوم أصبح الجنيه الذهبي الآن بألف ومائتي جنيه، في خمسين يعني بستين ألف جنيه.

حرية الاختيار بين خيارات الكفارة الثلاثة في الحقيبة الأولى

إذن بكم تكون الكفارة الأولى [الإطعام]؟ بمائة جنيه. والكفارة الثانية [الكسوة]؟ بأربعة آلاف جنيه. الكفارة الأخيرة [تحرير الرقبة]؟ ستون ألف جنيه.

أعمل أيَّهم؟ قال لك: اعمل أيَّهم [شئت]. حسنًا، أنا معي ستون ألف جنيه أدفعها. ادفع مائة! قال لك: لو دفعت مائة تبرأ ذمتك.

هذا اختيار التخيير ما هو ابتداءً [في] الحقيبة الأولى، تختار منها الذي تريده متى شئت.

اختلاف تعامل الناس مع كفارة اليمين بحسب علاقتهم بالله تعالى

انتبه، الإنسان في تعامله مع الله يكون مختلفًا [من شخص لآخر]. شخص يحزن كثيرًا جدًا لأنه حلف ثم سيرجع في كلامه، فهذا يكون كمن يريد أن يقول: أنا متأسف يا ربنا، وهذا أمر عظيم جدًا.

وهناك شخص آخر لا يهتم، يقول لك: ادفع ستين ألف جنيه. لماذا؟ هي مائة جنيه وانتهى الأمر! فهذا يعتمد على علاقة الإنسان مع [الله تعالى].

فإذا قال لك أحدهم: لا، أنا لديَّ ستين ألفًا، يا رب ربنا يسامحني وسأدفع ستين ألفًا، والآخر يدفع [المائة فقط]؛ فالله سبحانه وتعالى أباح كل هذا. التخيير ابتداءً.

الفرق بين الفقد الحسي والفقد الشرعي في كفارة اليمين

لم أعرف [أي خيار أختار]، ماذا يعني ليس معي أو غير موجود؟ انتبه! الفقد قد يكون حسيًا وقد يكون شرعيًا.

ما هو الفقد الحسي؟ الفقد الحسي هو أن لا يوجد فقراء في بلدي. الفقد الحسي هو أن لا توجد رقاب [للتحرير]؛ فكل الرقاب تحررت بالفعل.

الفقد الشرعي هو أنني لا أملك [المال]. هل تدرك كيف يكون هذا فقدًا شرعيًا؟ إنني لا أملك، مع أنهم [المساكين] موجودون. ها هم المساكين موجودون، والطعام موجود، والكساء موجود، وكل شيء موجود، ولكن أنا الذي ليس معي [المال].

الانتقال إلى الحقيبة الثانية وهي صيام ثلاثة أيام عند العجز

فإذا فقدتُ الأمر حسًا أو شرعًا، أنتقل إلى ماذا؟ إلى المجموعة الثانية [الحقيبة الثانية] وأفتحها وأرى ماذا أراد الله مني.

أراد مني الصيام:

﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]

فمن لم يجد — ماذا؟ قال: وجود حسي أو وجود شرعي — فصيام ثلاثة أيام، فعليك أن تصوم ثلاثة أيام.

لا بد أن يكونوا مُتتابعين أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فإذا جعلتموها متتابعين فهذا أفضل؛ حتى تخرجوا من خلاف العلماء.

الحث على حفظ الأيمان وعدم الحلف بلا حاجة والشكر على فسحة الكفارة

﴿ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُوٓا أَيْمَـٰنَكُمْ﴾ [المائدة: 89]

أي لا تحلفوا! لماذا تُدخلون أنفسكم في المضايق؟ لماذا تحلفون أصلًا؟ افعل الشيء دون حلف؛ إن لم تُرد الذهاب أو المجيء فلا داعي لذلك [للحلف]. إذا أردت أن لا تفعل، افعل هكذا بدون حلف.

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89]

إذن واجب ذلك أن نقول الحمد لله الذي فتحها علينا ولم يُضيِّقها علينا، ولم يُلزمني أن ألتزم باليمين حتى ولو كان صادًّا لي عن البر أو عن الخير أو لمنفعة الناس كذا أو كذا، كما أنه أوجد لي شيئًا أخرج به من هذه الورطة.

فاللهم احفظنا واحفظ إيماننا يا أرحم الراحمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.