سورة المائدة | ح 940 | 20 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 940 | 20 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

13 دقيقة
  • يشرح القرآن قصص الأنبياء لنأخذ منها العبر ونقتدي بها في حياتنا، فهو كتاب هداية وحياة وليس مجرد كتاب تاريخ.
  • تظهر الآية "وإذ قال موسى لقومه" ضرورة اتصال القائد بشعبه وعدم انعزاله، وهذا نموذج قيادي يجب اتباعه على كل المستويات.
  • حذف الياء من "يا قوم" وعدم قول "يا قومي" يشير إلى أن العلاقة بين القائد والمرؤوسين ليست علاقة ملكية وتسلط، بل علاقة إرشاد وهداية.
  • يربط موسى عليه السلام نصيحته بذكر نعم الله، مما يجعل الله حاضراً في حياة قومه.
  • التكاليف الشرعية نعمة من الله وليست مشقة، إذ بينت للإنسان البرنامج الواضح للحياة.
  • لولا التكاليف الشرعية لعاش الإنسان في حيرة وضياع، فالله سبحانه بين الطريق الواضح بما أمر به ونهى عنه.
  • الأوامر والنواهي الإلهية رحمة تجعل مسار الإنسان واضحاً في حياته.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة تلاوة آية من سورة المائدة عن نعم الله على بني إسرائيل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 20]

الحكمة من قصص الأنبياء في القرآن هي الاعتبار والاقتداء

هنا يقصّ الله علينا القصص حتى نعتبر بحال الأنبياء السابقين، وفي كل آية يقصّ علينا فيها القصص إنما يوجّه الكلام إلينا حتى نستنبط ونستخرج ونستفيد من حال أولئك الذين رضي الله عنهم.

فعندما يتحدث عن موسى وعيسى وإبراهيم، إنما يتحدث عن أمثلة صالحة، فإنما لنقتدي بها ونأخذ منها أحكامنا وسير حياتنا.

القرآن ليس كتاب تاريخٍ وإنما كتاب موعظةٍ وهدًى وبيانٍ، كتاب حياةٍ.

ضرورة اتصال القائد بشعبه كما فعل موسى عليه السلام مع قومه

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾، حينما نرى شخصًا عظيمًا مثل سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يتكلم لقومه، فنحن نقف عند قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾، مما يعني أنه لا بدّ من اتصال القائد بشعبه.

قال موسى لقومه، فلو انعزل القائد عن شعبه لأي سبب كان، فهناك من اعتزل شعبه من أجل المهابة؛ يكون في هيبة هكذا لا أحد يستطيع الدخول عليه.

الاقتداء بنبي الله موسى في التواصل لا بمن يحتجب عن شعبه للمهابة

فنأتي نحن ونرى في الكتب أن هناك نموذجًا يحتجب عن شعبه لأجل المهابة، ونقرأ في القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ [المائدة: 20].

نتبع من؟ أنتبع صاحب المهابة هذا أم نبي الله موسى؟ بل نتبع نبي الله موسى، ولا بدّ أن نزيل هذا الخاطر [خاطر الاحتجاب للمهابة] من أنفسنا.

علاقة القائد بجماعته على كل المستويات تقتضي التواصل والاتصال

ونرى أن [قوله تعالى] ﴿مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ تبيّن لنا علاقة القائد بجماعته على كل المستويات، فأصبح الأمير والرئيس ومدير العمل والقائد الذي في الجيش، كل هؤلاء أصبح كل شخص منهم إمامًا لجماعة، صغرت الجماعة أو كبرت إلى أن تصل إلى الشعب كله.

القائد مع جنوده لا بدّ أن يتحدث إليهم، لا بدّ أن يحدث اتصال بينهم. فكرة المهابة هذه فكرة غير موجودة هنا، فلنتأملها وحدها، لكن من سنن الأنبياء أن هناك اتصالًا [بين القائد وقومه].

دلالة حذف ياء الملكية في قوله يا قوم وأنها لغة من لغات العرب

خطوة أخرى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ﴾ [المائدة: 20]، هذا المضمون، نحن هنا في أي شيء؟ في فكرة الاتصال. ﴿لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾، ونلاحظ أن آخر الكلمة ميم، وكان المرء ينتظر أنه ينسب هؤلاء إلى نفسه فتكون فيه ياء الملكية مثل "كتابي" أو "ثوبي".

فهناك "ثوب" و"ثوبي"، هذه الياء التي تدل على أن هذا الشيء ملكي، لكننا لم نجد هذه الياء في "يا قومِ"، بل وجدنا الميم عليها كسرة هكذا.

فهل هو يريد أن يقول لهم "يا قومُ" وليس "يا قومي"؟ لم تكن الكسرة لتوجد [لولا أنه] إنه يريد أن يقول لهم "يا قومي" بالياء. إذن ما الذي حذف الياء الآن؟ أين ذهبت؟ قال [العلماء]: هذه لغة، هذه لغة العرب هكذا، إما أن تثبتها أو تحذفها، والاثنان جائزان.

شاهد قرآني على حذف ياء الملكية في نداء هارون لموسى عليهما السلام

﴿يَا ابْنَ أُمَّ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [طه: 94]، وهذه الأم ماذا تحتها؟ كسرة هكذا: "يا ابن أمّي!" هارون يقول لسيدنا موسى:

﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [طه: 94]

حسنًا، أين ذهبت الياء في كلمة "أمّ" هنا؟ لقد قال [العلماء]: هذه لغة [من لغات العرب في حذف ياء المتكلم].

بيان أن حذف الياء في يا قوم ليس فيها مد منفصل لأنها همزة وصل

"يا قومِ"، ولو وصلناها: "يا قومِ اذكروا"، "يا قومِ اذكروا"، ها قد كسرناها هنا، والذي يسمع يمكن أن يسمعها "يا قومي"، لكنها لن تأتي هكذا؛ لأنه لو كان فيها ياء لأخذت الياء مساحتها: "يا قومي اذكروا".

كنا حينها سيكون فيها مدّ منفصل: "يا قومي اذكروا". لا، ما كان ليكون فيها مدّ منفصل؛ لأن هذه همزة وصل وليست همزة قطع: "يا قومِ اذكروا". أصلًا هناك شخص من ورائها يقول إن فيها مدّ، فهو الذي ماذا؟ نردّ عليه.

سبب اختيار حذف الياء في يا قوم ومنهج التدبر في كل لفظة قرآنية

طيب، الياء ذهبت إلى أين؟ لغة [من لغات العرب]. إذن ربما أننا كنا نقول هكذا [بإثبات الياء]، وربما أننا كنا نقول هكذا [بحذفها].

ثم يأتي العلماء إذن، لا يقفون عند هذا؛ لأن هذا [الأمر] ممكن وممكن، خلاص انتهى الكلام. إذن قال [العلماء]: لا، طيب ولماذا اختار "يا قومِ" بدلًا من "يا قومي"؟ ما هذا ممكن وذاك ممكن، فلماذا اخترت هذا؟

انظر الآية، حبّ الوقوف عند كل لفظة قرآنية واستنباط معنى منها، هذا هو منهج القراءة الذي نؤكد عليه. فالأمر يحتاج إلى فكرة، يحتاج إلى تدبّر، تحتاج أن تجلس هكذا متأملًا مع نفسك مع كلمة واحدة.

حذف ياء الملكية يشير إلى أن القوم ليسوا ملكًا للقائد بل منسوبون إليه

الله حذف الياء لأن هذه الياء تدل على ماذا؟ على المِلك. حسنًا، هؤلاء القوم ليسوا مِلكه، هم منسوبون إليه نعم، لكنهم ليسوا مِلكه.

فعندما يحذفها في هذا الموطن، فكأنه يشير إلى أنه:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

ويشير إلى استقلال هؤلاء الناس، وأنهم ليسوا مِلكه وإن كانوا منسوبين إليه، لكن العلاقة التي بيني وبينكم هي علاقة الإمام، علاقة الرئيس، علاقة الناصح، علاقة المرشد، علاقة الهادي، وليست علاقة المالك.

المعنى الإشاري الذوقي في القرآن وظلال التلقي الخاصة بكل قارئ

وهذا المعنى يسمونه معنى إشاري ذوقي، يأتي لبعض الناس ولا يأتي لبعضهم. ليس بالضرورة أن يكون معناها هكذا، يقول لك: أنا أشعر أنها جاءت هنا لأجل ذلك.

الذي هم يسمونها في ظلال القرآن، أي شيء لا يأتي من العلم بقدر ما يأتي من الفنّ والذوق الخاص بالتلقي.

خلاصة الدروس المستفادة من قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ﴾ [المائدة: 20]، أخذنا منها اتصال الرئيس بالمرؤوس، وأخذنا منها أن هذه العلاقة التي بين الرئيس والمرؤوس ليست علاقة عبودية ولا علاقة تسلّط ولا علاقة شيء من هذا القبيل ولا ملكية، وإنما هي علاقة الإمام بالمأمومين والمرشد بالمسترشدين وهكذا إلى آخره.

مضمون نصيحة موسى لقومه بذكر نعمة الله وأن التكليف نعمة من الله

نأتي الآن ثالثًا إلى المضمون، قال لهم ماذا؟ ﴿ٱذْكُرُوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: 20]، أي إنه يربط دائمًا نصيحته بالله، جعل الله حاكمًا في حياتهم، وأنهم لا بدّ أن يذكروا الله سبحانه وتعالى، وأن يذكروا نعمة [الله عليهم].

﴿ٱذْكُرُوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَآءَ﴾ [المائدة: 20]، والنبي يأتي بماذا؟ بالتكليف.

من فضل ربنا عليكم، ما معنى هذا التكليف؟ إلزام ما فيه مشقة، أو طلب ما فيه مشقة. طلب ما فيه مشقة.

التكليف نعمة من الله لأنه بيّن للإنسان طريق الرضا بدل الحيرة

التكليف يعني شيئًا شديدًا؟ لا، تنظر إليه من هذه النظرة، انظر إليه على أنه نعمة. إن الله أنعم عليك لأنه قال لك ماذا تصنع.

لو كان تركك لكنت سوف تحتار وستظل في حيرة، لكنه لم يتركك عبثًا، أعطاك البرنامج الذي يرضى به عنك، وأعطاك إياه بصورة محددة:

ابتعد عن هذه المحرمات: لا تسرق، لا تزنِ، لا تقتل، لا تكذب، لا توجد غيبة، لا توجد نميمة، لا تغتصب، لا تفعل كذا، لا تشرك بالله، يُمنع عليك الأذى والسحر.

صلِّ وصُم وحُجّ واذكر الله وتصدّق، وأحسن سلوكك في البيع والشراء والزواج، افعل ما أُمرت به وانتهِ عما نُهيت عنه.

وضوح الطريق رحمة من الله والتقصير لا يمنع الاستمرار والاستغفار

فبيّن لك، أهذه رحمة أم لا؟ وأصبح الطريق واضحًا والبرنامج واضحًا.

نقصر مع أنفسنا ونكسل ونقول: أستغفر الله، في اليوم التالي ونبكي لأننا فعلنا ذلك [التقصير]، ونستمر في الطريق، لا بأس، ولكن الأمر واضح.

لكن لو كان تركنا في حيرة، نسأل الله السلامة، لما كنا نعرف ماذا [نفعل]، ولكان ازداد الأمر سوءًا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.