سورة المائدة | ح 941 | 20| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •وقف النص عند تفسير قوله تعالى: "يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكًا"، مبينًا نعمة الله على بني إسرائيل بتحريرهم من العبودية.
- •المقصود بقوله "وجعلكم ملوكًا" أي جعل بعضهم ملوكًا، وهو من المجاز المشهور في لغة العرب حيث يطلق الكل ويراد البعض.
- •استشهد النص بأمثلة للمجاز في القرآن منها قوله: "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" مع أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من البحر وليس من النهر.
- •كذلك ورد المجاز في قوله تعالى: "ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى" والمقصود عمى البصيرة لا عمى البصر.
- •نعم الله على بني إسرائيل شملت النبوة والكتاب والمعجزات والنصر وإهلاك فرعون والنجاة، مما يستوجب الشكر، لكن الطغيان كان ديدنهم.
مقدمة الحلقة وتلاوة آية من سورة المائدة عن نعم الله على بني إسرائيل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ﴾ [المائدة: 20]
وهي من غير ياء، يخاطبهم:
﴿يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَآءَ﴾ [المائدة: 20]
هذه واحدة [من النعم]، وذكرناها في حلقةٍ سابقة.
﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: 20]
إذن هذه نعمةٌ كبيرةٌ؛ أن هؤلاء الذين فُرِضَ عليهم الرق والعبودية أصبح منهم ملوكٌ، فينبغي أن يشكروا الله سبحانه وتعالى على أن نقلهم من حالٍ رديٍّ إلى حالٍ مرضيٍّ.
حقيقة العبودية وما فيها من ذل وانحطاط بدرجة الإنسان إلى درجة الأشياء
فـالعبودية فيها نوعٌ من أنواع الذل، وفيها استخدامٌ للعبد، وفيها تقييدٌ له، فلا يجوز له أن يتحرك إلا في مساحة معينة. وفيها أن يتعامل السيد مع العبد على أنه ملكٌ له.
ولذلك ينحط [العبد] من درجة الإنسان حيثما كرمه الله سبحانه وتعالى إلى درجة الأشياء، التي يجوز التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة والوصية وغير ذلك، وتنتقل الملكية من يد إلى يد. وهو أمر تشوَّف الشارع [الحكيم] دائمًا إلى الفكاك منه.
تحول بني إسرائيل من العبودية إلى الملك ووجوب شكر الله على هذه النعمة
فكون هذا [العبد] يصبح ملكًا معناها أن الأمر بيد الله [سبحانه وتعالى]، وأن من كان بالأمس دنيًّا صار الآن عليًّا. إذن يستوجب هذا الفضل وتلك النعمة من عند الله الشكرَ.
ذكَّرهم [موسى عليه السلام] بذلك؛ أخرجهم [الله] من العبودية وصيَّر فيهم ملوكًا:
﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: 20]
أي وجعل منكم ملوكًا.
إطلاق الحكم على الكل وإرادة البعض في لغة العرب وتطبيقه على آية الملوك
وهذا معروف في لغة العرب أن يكون الحكم جاريًا على بعضهم فيُعبَّر عنه بكلهم. الحكم جارٍ على بعضهم؛ لأنه ليس من المعقول أن بني إسرائيل جميعهم كانوا ملوكًا، لا بد أن بعض بني إسرائيل هم الملوك والباقون من بني إسرائيل هم الرعية.
فكان وصف هذه الحال يقتضي أن نقول: وجعل منكم ملوكًا، وجعل منكم يعني وجعل بعضكم، فـ«من» هنا للتبعيض. ولكن النص يقول:
﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: 20]
فإذن يُطلق الكل ويُراد البعض.
المجاز في إطلاق الكل وإرادة البعض مع مثال الإصبع والأذن
وهو من أنواع المجاز المشهور؛ أن نطلق كلمة تعبر عن الكل ولكننا نقصد البعض، أو بعض هذا الشيء. فتقول: وضعت إصبعي في أذني، لكنك لم تضع إصبعك كله في أذنك، إنما هو بالكاد طرف الإصبع.
فأُطلق الإصبع وأُريد طرفه، الطرف جزءًا ولا الجزء من الإصبع، فأُطلق الكل وأُريد البعض.
﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: 20]
الاستدلال بآية رسل الجن والإنس على إطلاق الكل وإرادة البعض
﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130]
فالسؤال: هل هناك رسول ونبي يأتي من الجن؟ والإجابة بإجماع المسلمين: لا، فـالرسالة والنبوة مختصة بالبشر.
حسنًا، إذا كانت مختصة بالبشر، فالله يقول لك: «رسل منكم». قالوا [أهل اللغة]: لا، هذه معناها من بعضكم الذين هم الرسل. واستدلوا بالآية التي معنا:
﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: 20]
يعني جعل بعضكم ملوكًا. «يأتكم» يعني يأتيكم رسلًا من بعضكم، هي «منكم» أي من بعضكم.
الاستدلال بآية خروج اللؤلؤ والمرجان من البحرين على إطلاق الكل وإرادة البعض
قال تعالى في شأن البحر والنهر: النهر هذا ماء عذب، والبحر ماء ملح. والشافعي كان يقول: ماء مالح، اللغة هكذا: ماء ملح. وهذا صحيح، مالح صحيح أيضًا؛ ما دام الشافعي قالها فهو حجة في اللغة.
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن: 22]
من هما، أي من البحر والنهر:
﴿ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]
حسنًا، اللؤلؤ والمرجان هاذان في البحر وليسوا في النهر، فكيف يخرجون منهما؟ قال: «منهما» يعني من بعضهما. اللغة هكذا، والذي لا يعرف لغة لا يعرف المعنى.
شرح آية البرزخ بين البحرين وبيان أن الخروج من أحدهما لا من كليهما
العربي يقول: يخرج من هذا المكان، ويشير [إلى البحر والنهر معًا]، وهو يتحدث عن:
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 20]
فيتحدث عن الحد الفاصل الذي يوجد في سواحلنا في دمياط، السواحل التي تسمى المنطقة بالسد. الآن صنعوا سدًّا هكذا حتى لا تدخل المياه المالحة في المياه العذبة.
حسنًا:
﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 20]
الذي بينهما ليخرج منهما، نعم؛ لأنه يتحدث عن هذه المنطقة، لكنه في الحقيقة ماذا يخرج من أحدهما وهو البحر. هذا أمر مشاهد محسوس.
إطلاق البعض وإرادة الكل في اللغة العربية مع مثال تسمية الركعة
يفهمنا [هذا المثال] كيف كانت تتكلم العرب، وأن عندها إطلاق البعض وإرادة الكل، كما عندها إطلاق الكل وإرادة البعض.
يقول: صليتُ ركعةً، صليتُ ركعةً. ماذا يعني ذلك؟ يعني صليتُ قيامًا، قرأتُ الفاتحة، ثم ركعتُ، ثم قمتُ، ثم سجدتُ، ثم قمتُ، ثم سجدتُ. وكل هذا سميته ماذا؟ ركعة.
إذن أسميته تسميةَ البعض أطلقتها على الكل. وأحيانًا الكل كالإصبع أطلقته على البعض. هكذا في اللغة.
﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [المائدة: 20]
الرد على منكري المجاز في القرآن والاستدلال بآية العمى على وقوعه
فيأتي شخص ويقول لك: لا يوجد مجاز في القرآن؟ نقول: انظر، القرآن مليء بالمجاز. ولذلك لا بد أن نقول بالمجاز؛ لأننا إذا لم نقل بالمجاز لا نفهم الفهم الصحيح.
مثل الآية التالية:
﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾ [الإسراء: 72]
هل معنى ذلك أن من فقد عينيه في الدنيا عينيه اللتين هما حبيبتاه يُحشر يوم القيامة أعمى؟ لا، لكن معنى العمى هنا عمى البصيرة وليس عمى البصر. يُحشر في الآخرة أعمى.
قال [تعالى]:
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه: 125]
تفسير آية العمى بأنه عمى القلب لا البصر والاستدلال بحديث فقد الحبيبتين
هذا يعني إذن أن البصير الذي في الدنيا سمّاه [الله] أعمى؛ لأنه أعمى القلب. «وقد كنت بصيرًا»، قال [تعالى]:
﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 126]
إذن الأعمى [في الآية] ليس هو الأعمى الذي في الدنيا [أي فاقد البصر]، فهذا الأعمى الذي في الدنيا قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم - حيث أنه مؤمن - قال فيه:
قال رسول الله ﷺ: «من ابتلاه الله بفقد حبيبتيه أدخله الله الجنة»
انظر إلى الكلام [الجميل] في الدنيا، أدخله الله الجنة. إذن فـالمجاز واقع في القرآن [الكريم].
تعداد نعم الله على بني إسرائيل ووجوب شكرهم عليها وختام الحلقة
﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [المائدة: 20]
في عصرهم، فآتاهم النبي وحُرِم الآخرون من إتيان النبوة إليهم، وآتاهم الكتاب وحُرِم الآخرون من هداية الكتاب والوحي، وآتاهم بـالمعجزات رأوها وسمعوها وعاشوها مع سيدنا موسى وحُرِم الآخرون من ذلك، وآتاهم بـالنصر وأهلك آل فرعون وجنوده وهم تمتعوا بالنصر وتمتعوا بالنجاة.
فكان ينبغي عليهم أن يشكروا الله وأن يحمدوه، ولكن الطغيان في هذا الأمر كان ديدنًا لهم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
