سورة المائدة | ح 942 | 24| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يشرح النص دلالات قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل حين أمرهم بدخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم.
- •رفض بنو إسرائيل أمر الله ونبيه بدخول الأرض المقدسة بحجة وجود قوم جبارين فيها.
- •قالوا: "لن ندخلها حتى يخرجوا منها"، ثم قالوا: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون".
- •وقف رجلان فقط من بني إسرائيل مع موسى، وهما من "الذين يخافون أنعم الله عليهما".
- •حاول الرجلان إقناع القوم بدخول الأرض والتوكل على الله لكن دون فائدة.
- •يستدل النص أن ادعاء الحق التاريخي لليهود في فلسطين باطل لأنهم نقضوا العهد ورفضوا أمر الله.
- •الحق التاريخي للأرض يكون لمن وحد الله وأقام كتابه ولم يحرفه ونصر الله ورسوله.
- •مات موسى عليه السلام قرب الأرض المقدسة ودفن عند الكثيب الأحمر كما أخبر النبي محمد في حديث صحيح.
مقدمة الدرس وتلاوة آية أمر موسى لقومه بدخول الأرض المقدسة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى على لسان سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
﴿يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]
النعم التي ذكّر بها موسى قومه قبل أمرهم بدخول الأرض المقدسة
بعد ما بيّن [موسى عليه السلام] لهم النعم التي أنعم الله عليهم بها: نعمة الحرية، ونعمة التمكن في الأرض، ونعمة الانتصار، ونعمة الهداية والوحي والكتاب، ونعمة التفضيل على العالمين.
في الآية التي قبلها [قال تعالى]:
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَآءَ﴾ [المائدة: 20]
[فذكر] الوحي والكتاب والهداية، ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ [وهو] تمكينٌ في الأرض، ﴿وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [المائدة: 20]، [وهو] النصر والتفضيل وهكذا والنجاة.
شكر النعم يكون بالعمل والطاعة لا بالتقاعس والإعراض
يا قوم ادخلوا، إذن فشكر النعم يكون بالعمل. ادخلوا؛ أمرٌ وتكليف.
﴿ٱدْخُلُوا ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]
أمرٌ وتحذيرٌ من مخالفة الأمر. فإذ بالأمر لم يُنفَّذ؛ ادخلوا، قالوا له: لسنا داخلين. ربنا كتبها لكم، فهل قالوا: لا نريد ذلك؟ أنتم هكذا سترتدون على أدباركم؟ قالوا: هذا أفضل. قال [موسى عليه السلام]: لو ارتددتم على أدباركم ستنقلبوا خاسرين. قالوا: ليس لنا تدخل، اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا جالسين. هكذا؟
تفريط بني إسرائيل في العهد وسقوط حقهم التاريخي في الأرض المقدسة
إذن، فهذا الوعد وهذا الكتاب الذي كتب لهم، فرّطوا فيه. فلما فرّطوا فيه لم يكونوا من أهله. هذا على الأقدمين، فما بالك بالمحدثين؟
إذا كان هذا أصلًا على مَن نزل الوحي وهم يرونه وفي وسطهم، أبوا وتدابروا وأدبروا فانقلبوا خاسرين.
إذن لا يوجد حق تاريخي في فلسطين. الحق التاريخي لمن وحّد الله، ولمن أقام كتابه فلم يحرفه، ولمن نصر الله ورسوله في نفسه، ولمن قام بالعهد. فإذا أبوا أن يقوموا بالعهد فقد خرجوا عنه وانتهى الأمر.
حكمة تكرار قصص موسى في القرآن لبيان المفاهيم إلى يوم القيامة
لكن التدليس والتلبيس ما زال مستمرًا. ولذلك نتعجب لِما خصص الله سبحانه وتعالى قصص سيدنا موسى وكرره هذا التكرار في كتابه؛ لأن المنازعات ستكون حول هذه المفاهيم إلى يوم القيامة.
ولذلك وضّح وبيَّن وكرر وأعاد وزاد ونبَّه، وقل في ذلك ما تريد، حتى يجعل لنا هداية نسير بها إلى يوم الدين.
﴿يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]
رفض بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة والفرق بينهم وبين أصحاب النبي
﴿قَالُوا يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: 22]
لم يقولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. لم يقولوا: نعم. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:
﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]
والله لو أردت أن تخوض بنا بحار الرمال لخضناها معك. لم يقلها أحد منهم [من بني إسرائيل].
فانظر الفرق بين ناس بادرت وسارعت وفرّت إلى الله [وهم أصحاب النبي ﷺ]، وناس تقول له: يا موسى إن فيها قومًا جبارين، وإنا لن ندخلها.
معنى لن ندخلها وجبن بني إسرائيل عن طاعة أمر الله
فمن الذي رفض؟ من الذي نقض؟ من الذي أبى؟ لن ندخلها. و"لن" هذه يقول عنها الزمخشري أنها للتأبيد، فالصحيح أنها للمستقبل.
لن ندخلها يعني على رقبتنا ندخلها، لسنا سندخلها في المستقبل، هكذا لسنا داخليها.
﴿لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة: 22]
يعني هناك جُبن وفي عدم طاعة لربنا.
﴿فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ﴾ [المائدة: 22]
ولكن هذا وطنهم [أي وطن الجبارين].
المقدسات لا تُمنع عن أحد ومن منعها استحق الإزالة
ولكنهم [أي الجبارين] حينئذ لم يقيموا شرع الله ولا يعرفون شيئًا عن وحدانيته. وطنهم! ما الذي يخرجهم منه؟ مجموعة الجبارين هؤلاء، من الذي سيخرجهم منه؟
القضية أن هذه مقدسات ينبغي ألا يُمنع عنها أحد؛ لأنها مقدسة عنده. فإذا منعها هؤلاء الجبارون ومنعوا الناس من الوصول إليها استحقوا الإزالة، فأذن الله في إزالتهم.
فأداة الإزالة [وهم بنو إسرائيل] أبت وقالت: أبدًا لن ندخلها، أبدًا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، لن ندخلها.
سقوط الحق الشرعي والتاريخي لبني إسرائيل بسبب رفضهم أمر الله
إذن فليس هناك في الحقيقة لا عهد ولا حق تاريخي ولا حق شرعي ولا شيء انعقد. لقد أراد الله لهم الخير ولم يريدوه لأنفسهم.
﴿قَالُوا يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ﴾ [المائدة: 22]
ولذلك حُرِموا منها ولم يدخلوها في حياة موسى [عليه السلام].
وفاة موسى عليه السلام قرب الأرض المقدسة ورؤية النبي لقبره
حتى إن موسى [عليه السلام] قد مات على رمية حجر من الأرض المقدسة، ودُفِن حيث مات؛ فإن الأنبياء تُدفن حيث ماتت.
ورآه النبي ﷺ، رأى قبره في ليلة الإسراء والمعراج وقال:
«رأيت موسى قائمًا يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر» أخرجه البخاري
يعني في ذلك مكانٌ مرتفع لونه أحمر، والكثيب يعني تلّة مرتفعة، وعندها قبر سيدنا موسى. والنبي ﷺ كُشِفَ له أن موسى يصلي في قبره.
نصيحة الرجلين المؤمنين لقومهما بدخول الأرض والتوكل على الله
﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]
﴿قَالُوا يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]
قاعدة يُؤخَذ من هذا: أن العهد لم ينعقد وأن الحق لم يُستَوفَ.
دلالة ذكر رجلين فقط على قلة المؤمنين في بني إسرائيل
قال رجلان، ومعنى هذا وأقل الجمع عند العرب ثلاثة، فلماذا قال رجلان؟ لكي يبين لك أنه حتى لم تصل جماعة منهم. ما هي الجماعة؟ أقلها ثلاثة، أي أنه حتى الجماعة لم تصل، إنهما رجلان فقط.
إذن وماذا يفعل موسى [عليه السلام]؟ إنه لا توجد جماعة أمامه ليتحدث معها. إن هؤلاء كل القوم وكانوا كثيرين؛ لأنه عندما اختار منهم، اختار سبعين رجلًا لميقاتنا، يعني اختار سبعين شخصًا. يقول: كانوا كثيرٌ، في هذه الأمة ليس فيها إلا رجلان كانا يخافان [الله].
حكمة إطلاق وصف الخوف في الآية وشموله لمعانٍ متعددة
ثم ماذا قال؟ قال: رجلان من الذين يخافون. يخافون؛ حكمة بليغة أنه أطلق القول "يخافون" ولم يقل يخافون ماذا. يعني لم يقل: رجلان يخافان الله، أو من الذين يخافون الله.
هذان الرجلان من أين؟ من الذين يخافون ماذا؟ أو [يخافون على] الأمة، ولا يخافون من مغبة المعصية.
نحن دائمًا نُدخل أنفسنا في مشاكل يا إخواننا، كلما لم نطع [أمر الله كما لم يطيعوا] سيدنا موسى، كلما جاءتنا مشاكل. يخافون أي شيء؟ جعلها مطلقة.
شمول خوف الرجلين المؤمنين من الله وعلى الأمة ومن عاقبة المعصية
يخافون؛ من الممكن أن يكونوا خائفين من ربنا، ربما هذا شيء من التقوى!
﴿أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: 23]
إذن كانوا خائفين من كل هذا: خائفين من الله، وخائفين على الأمة، وخائفين من عاقبة المعصية.
﴿ٱدْخُلُوا عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]
ولكن لا توجد فائدة، لا هذه الموعظة نفعت ولا غيرها نفع.
إنزال بني إسرائيل نصيحة الرجلين منزلة العدم وتوجيه الكلام لموسى وربه فقط
﴿قَالُوا يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]
فما معنى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون؟ فلماذا لم يقولوا له: اذهب أنت وربك والرجلان اللذان قالا نعم؟ لماذا؟ هذا معناه أنهم قد أنزلوا النصيحة منزلة العدم، أي أنهم لم يسمعوا هذان الرجلان، أي أنهم أغلقوا آذانهم إلى درجة أنهم لم يروا أن هناك رجلَين.
ولذلك عندما وجهوا الكلام إلى سيدنا موسى، وجهوه إليه ولإلهه: أنت وربك. طيب والرجلان؟ وهارون؟ لا يرونه. هم يرون الهرب لا الطلب.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
