سورة المائدة | ح 944 | 26| تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •تفسير قوله تعالى "فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض" يحتمل وقوفاً مختلفة تؤثر في المعنى.
- •المقصود بتحريم الأرض المقدسة على بني إسرائيل ليس منعهم من دخولها، بل نفي أحقيتهم فيها وعدم وجود عهد إلهي لهم بها.
- •التاريخ يثبت أنهم دخلوها لكنهم لم يراعوا نعمة الله وعبدوا الأوثان، وبعض اليهود المتمسكين بالنصوص يرفضون العودة إليها لأنها محرمة عليهم.
- •القضية الفلسطينية مسألة سياسية وليست دينية، والمسلمون لا ينبغي أن يدفعوا ثمن اضطهاد اليهود في أوروبا.
- •الأربعون سنة من التيه تمثل برنامجاً تربوياً لإنشاء جيلين جديدين متحررين من عقلية التخاذل والجبن.
- •القرآن كتاب هداية ينبغي تدبره واستخراج دروسه، وليس مجرد كتاب تاريخي للتلاوة والتبرك.
- •الله سيبدل القوم الفاسقين بآخرين قادرين على تحمل المسؤولية وتنفيذ أمر الله.
مقدمة تلاوة آيات سورة المائدة عن تحريم الأرض المقدسة على بني إسرائيل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى على لسان موسى [عليه السلام]:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ [المائدة: 25]
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ [المائدة: 26]
ذكرنا أن الوقف في هذه الآية قد يكون عند كلمة "عليهم"، وقد يكون عند كلمة "سنة"، ويختلف المعنى حينئذٍ، ولك أن تفعل هذا أو ذاك.
معنى تحريم الأرض المقدسة على بني إسرائيل وعدم أحقيتهم فيها
فإذا كانت الأرض المقدسة محرمة عليهم، هل هي محرمة عليهم فلا يدخلونها؟ أم أنها محرمة عليهم أي أن الله سبحانه وتعالى لم يُنشئ عهدًا ولا وعدًا لهم ولا أحقية لهم في تلك الأرض؟
والتاريخ يثبت أنهم قد دخلوها؛ إذن فالمعنى الثاني هو المتعيّن، وهو أن هؤلاء الناس لا حق لهم هنا [في الأرض المقدسة].
عدم مراعاة بني إسرائيل لنعمة دخول الأرض المقدسة وعبادتهم الأوثان
وبعد ما مكّنهم الله سبحانه وتعالى من العماليق والجبارين وأدخلهم الأرض المقدسة، فإنهم لم يراعوا عبر التاريخ هذه النعمة، بل إنهم افتتحوا معابد للأوثان وعبدوا الوثن.
في التيه عبدوا العجل، وفي الأرض المقدسة عبدوا الوثن. وحينئذٍ نرى في التلمود في الآية رقم مائة وإحدى عشرة أنها محرمة عليكم، فإذا رجعتم ذُبحتم كما تُذبح الغزلان في الغابة.
موقف اليهود المتمسكين بالنصوص من العودة إلى الأرض المقدسة
ولذلك نرى كثيرًا من المتمسكين بالنصوص اليهودية من اليهود لا يعودون إلى هذه الأرض أبدًا، ويقولون: إن الله قد حرّمها علينا حتى يغفر لنا، فإذا دخلناها فقد نقضنا عهده واستوجب علينا القتل.
وكثير منهم يقولون: لا، ليست هذه معنى النصوص، ويؤوّلون كما هو حادث في كل دين.
دقة القرآن في نفي الحق الشرعي والتاريخي لليهود في فلسطين
ولكن هنا يتبيّن لنا دقة القرآن وهو يقول: "محرمة عليهم"، ونأخذ منه عدم وجود عهد تاريخي أو وعد إلهي أو حق شرعي لليهود بالذات في فلسطين.
وتصبح ما هو حاصل الآن مسألة سياسية.
الرد على حجة اضطهاد اليهود في أوروبا ودفع العرب الثمن
الرئيس أوباما، ونحن نرحب به في جامعة القاهرة، ويقول لك: والله أصل اليهود اضطهدوهم في أوروبا. حسنًا، وما شأني أنا؟ هل أنتم تضربون اليهود في أوروبا وتقتلون ستة ملايين بأيديكم في المحرقة ثم أنا الذي يدفع الثمن؟ أمر غريب عجيب!
يعني أنت الآن تقول أن اليهود ليس لهم حق، وأن الذين عليهم أن يدفعوا الثمن هم أوروبا وليس نحن؛ لأنك تقول إنه حقًا حدثت محرقة فظيعة مريعة. ماذا تعني فظيعة ومريعة؟
تاريخ الإسلام في التسامح وعدم التمييز العنصري بين الشعوب
وعلى فكرة، نحن لم نفعلها في تاريخنا؛ بعد أن تمكّنا من الأرض، لم نقتل شعوبًا ولم نُهِن إنسانًا ولم نجعل عنصرية بين السود والبيض أبدًا.
بل إننا ظللنا في تاريخنا نُمَكِّن المماليك العبيد من الحكم. هل رأيتم أمة تجعل عبيدها يحكمونها؟ عبيدها أصبحوا حكامًا لها؛ لأن كفاءتهم تؤهلهم لذلك.
قصة العز بن عبد السلام وبيع المماليك لتمكينهم من الحكم شرعيًا
هذا النهج استمر حتى عهد العز بن عبد السلام الذي قال: يا إخواننا، يعني أنتم عبيد ستجلبون لنا مشكلة فقهية دستورية، فباعهم حتى يمكن لهم الحكم.
فيه أمة فعلت هكذا؟! ولا العبيد في العالم كله يشكون من سوء المعاملة معهم باعتبارهم أشياء، حتى ضجّوا وحصل أننا حررنا العبيد في العالم كله. هل رأيت أمة هكذا حكامها سبعمائة سنة هم العبيد؟
تسامح الإسلام مع اليهود وحمايتهم عبر التاريخ في الأندلس وغيرها
إذن هل هذا كلام؟ نعم، الإسلام هو هكذا. فعندما مسكتم اليهود، هؤلاء اليهود الذين هربوا مع المسلمين إلى الأندلس، حينما كانوا يقتلون المسلمين في الأندلس، اليهود هربوا معهم إلى مراكش لكي يحتموا بالمسلمين، وهربوا معهم إلى أضنة في تركيا لكي يحتموا بالمسلمين، ولم يهجروا من أماكنهم إلا لكي يحتموا [بالمسلمين].
عمرنا هكذا، فلماذا نحن ندفع الثمن؟ فإذا كانت المسألة مسألة سياسية، فلا ينبغي لأحد أن يأتي ويقول: إن الله في القرآن أعطاهم هذه الأرض. لا، هذا غير صحيح، فهي محرمة عليهم.
معنى الأربعين سنة في التيه وتشكيل جيلين جديدين من بني إسرائيل
وإذا كانت محرمة عليهم، فماذا يقول النص بعد ذلك؟
﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26]
ما هذه القصة؟ قال لك: أربعون سنة، ماذا يفعلون؟ يُشكِّلون جيلين. أربعون سنة: سأنجب أنا الولد اليوم فيكبر، سيكبر ويصبح شابًا هكذا قويًا متماسكًا، وعندما يبلغ عشرين عامًا سيتزوج وينجب ولدًا ويكبر.
متى سيصبح قويًا وجيدًا هكذا؟ عشرون عامًا، فيكون عشرون وعشرون. كم جيل؟ جيلان، أي أربعون [سنة].
التخلص من الجيل المتخاذل بالتربية وبناء جيل جديد مؤهل
الصنف الذي لم يرضَ أن يمتثل لأمر الله، الصنف الذي لم يرضَ أن يجاهد في سبيل الله، التخاذل الذي ينام ويرتاح ويأتيه النجاح، هذا هو البليد الذي يجب أن نتخلص منه.
بماذا؟ قال: بالتربية. أربعون سنة يتيهون في الأرض، برنامج تربوي. الذي يريد أن يربّي إذن، والتربية لا تحدث فجأة.
المنهج التربوي عبر جيلين لتخريج جيل قادر على دخول الأرض المقدسة
فهم الذين سيربّون الأبناء فقط، أيضًا عندما ينشئهم في التعليم على المبادئ الجديدة، سيكونون متأثرين قليلًا بآبائهم وقليلًا بالتعليم. ثم يأتي الجيل الثاني فيتأثر قليلًا بآبائهم ويتأثر قليلًا بهذا التعليم الجديد.
فبعد أربعين سنة ستستطيع أن تُخرّج جيلًا تعتمد عليه، يستطيع أن يدخل الأرض [المقدسة] ولا يقول لك مثلما قال أجدادهم لك — هؤلاء سيكونون أجدادهم —:
﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]
لن يقولوا لك هكذا، سيكونون فاهمين، سيكون لديهم علم ولديهم همة ولديهم تربية. فالأربعون سنة منهج تربوي، وليست مجرد أربعين سنة.
الفرق بين القراءة السطحية للقرآن والتدبر العميق واستخراج الهدايات
انظر الفرق في تعاملك مع القرآن بين أن تقرأه: "أربعين سنة"، وتقول: نعم، نعم، هم تاهوا في سيناء أربعين سنة، معلومة هكذا، وبين أن تتأملها وتستخرج منها أن هذا جيل من بعد جيل، وأن هذه مسألة تربوية، وأنك أنت بهذا الشكل غيّرت في المجتمع، وأن هذا التغيير إيجابي، وأنه أنشأ علمًا وهمة.
وأنه — والله — هذا هو ما يسمى استهداء القرآن؛ أنك أنت الآن تتدبر القرآن. ففيه فرق أن تقف عند النص الظاهر، وهناك فرق أنك تفكر وتتداعى الأفكار، وكما نفعل الآن واحدة تلو الأخرى هكذا، كلام منطقي وليس كلامًا بعيدًا عن الحقيقة.
القرآن كتاب هداية مفتوح لمن أراد التدبر وليس كتابًا تاريخيًا مغلقًا
فلا بد علينا عندما نتعامل مع القرآن أن نتعامل معه على أنه كتاب هداية، وأن هذه الهداية تتمثل في هدايتي أنا أيها القارئ الآن، ليس كتابًا زمنيًا تاريخيًا مضى عليه نقرؤه فقط للتعبد وللتبرك، وليس كتابًا مغلقًا ومغلقًا أبدًا.
هذا كتاب يفتح يديه وقلبه، ولكن لمن أراد الهداية. أما من أراد اللعب معه فسيُغلق معه على الفور.
خاتمة الدرس وبشارة تبديل الجيل الفاسق بجيل جديد ينفذ أمر الله
﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ [المائدة: 26]
لأننا سنبدلهم، سنبدل بهم آخرين، وسيأتي هؤلاء الآخرون وينفذون لك أملك في الوصول إلى الأرض المقدسة.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
