سورة المائدة | ح 945 | 27 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يأمر الله في سورة المائدة بتلاوة نبأ ابني آدم، وكلمة "اتلُ" تحمل معاني البلاغ والجهر والتكرار والتعليم.
- •لم يذكر القرآن أسماء ابني آدم تحديداً، وهذا من عظمة القرآن الذي يركز على الحكمة والعبرة دون التفاصيل التاريخية.
- •يتميز القرآن عن الكتب السابقة بأنه يتجاوز التفاصيل غير الضرورية ليصل بالقارئ إلى الهدف والعبرة مباشرة.
- •لا يهتم القرآن بذكر التفاصيل كأسماء الأشخاص والأماكن والتواريخ الدقيقة، بل يركز على المواقف والقيم والمبادئ.
- •قصة ابني آدم تلخص أنهما قرّبا قرباناً فتُقبل من أحدهما ولم يُتقبل من الآخر، فقال الذي لم يُتقبل منه: "لأقتلنك"، فأجابه الآخر: "إنما يتقبل الله من المتقين".
- •علّمنا القرآن منهج التفكير الذي يركز على استخلاص الهداية والعبرة بدلاً من الانشغال بتفاصيل قد تلهي عن المقصد الأساسي.
افتتاح الحلقة وتلاوة آية قصة ابني آدم من سورة المائدة
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاهُ.
معَ كتابِ اللهِ وفي سورةِ المائدةِ يقولُ ربُّنا سبحانَهُ وتعالى:
﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]
أمر الله بتلاوة نبأ ابني آدم على المؤمنين والمسلمين
هنا أمرٌ من رب العالمين لعباده المؤمنين والمسلمين أن يتلوا في كتاب ربنا وفي صلواتهم وفي عباداتهم نبأ ابني آدم بالحق، متمثلًا ذلك الأمر في مخاطبة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فقال الله له: واتلُ عليهم.
والتلاوة تشمل شيئًا من الذكر والتذكير، وتشمل شيئًا من الإعلان وليس في السر والخفاء والمخافة، وتشمل شيئًا من الأمر. واتلُ، والأمر عادة أنه للوجوب ما لم تصرفه قرينة تدل على غير ذلك.
دلالات كلمة واتلُ من التبليغ والتكرار والتعليم
فعندما أسمع ربنا سبحانه وتعالى وهو يقول واتلُ تأتيني شعورات بأنه يريد أن نبلِّغ هذا [النبأ] للعالمين، وأن نجهر به، وأن نعلِّمه أبناءنا، وأن نكرر تلاوته وذكره، وأن نقف عنده، وأن نستفيد به، كل هذا في كلمة اتلُ.
والتلاوة سُميت بذلك لأنك تأتي بالشيء تلو الشيء، يعني فيها نوع من أنواع الأمر بالتكرار. اتلُ تلاوة الشيء، هذا الشيء تلا هذا الشيء، هذا الشيء تلا هذا الشيء. ما هو الشيء؟ كرِّه، مثل عندما نسمي اليوم عيدًا، يعني يعود مرة بعد أخرى.
دلالة عموم كلمة عليهم في الآية وشمولها لجميع الناس عبر العصور
واتلُ عليهم، على المؤمنين ولا قال على المسلمين، قال عليهم. وعرفنا مرات أن الله إذا أطلق عبارة، ما دام قال عليهم ولم يقل على مَن، ولم يقل على مَن تُتلى، على الحاضر أم على القادم، على مَن هو داخل الأمة أم مَن هو خارجها.
هذا "عليهم" يعني الجميع؛ ما دام لم يُحدد كثرة الموجود، عندما تُقلِّل القيود ستكسر به [أي ستوسّع به] الموجود. وعلى مَن هذا؟ على كل الناس عبر العصور وفي كل مكان وفي كل الأحوال.
عدم ذكر أسماء ابني آدم وحكمة القرآن في تجاوز التفاصيل التاريخية
واتلُ عليهم نبأ ابني آدم. ما اسمهما؟ ابنا آدم، لم يذكر [القرآن] أسماءهما لأنه لم يقصد ذلك.
وهذه عظمة القرآن أنه أراد أن يوصلك إلى الحكمة مباشرةً دون الوقوف على الدقائق التاريخية. وهذه كانت فاصلة بين القرآن باعتباره العهد الأخير وبين ما سبقه من الكتب؛ فإذا تأملت فيما سبق [من الكتب السابقة] وجدت تفصيلًا في السنين وفي الأيام: طول آدم كم ذراعًا، ومَن هو، وماذا فعل، ومن أي شجرة أكل، وكيف اتصل به إبليس، أو بحواء، وكيف خدعهما، طريق أنه يحيي التفاصيل، ولكن القرآن يتجاوز التفاصيل.
منهج القرآن في الوصول إلى الهدف دون الإغراق في التفاصيل التاريخية
إذن تركيب القرآن يريدك أنت أيضًا أن تصل إلى الهدف من أقرب طريق، وألا تقف كثيرًا عند التفاصيل التي قد تكون مهمة في علم التاريخ وفي علم الآثار وغير ذلك.
ولكن هذا [القرآن] ليس كتاب تاريخ ولا آثار ولا غير ذلك، كيمياء وطب وفلك، ولا يخالف الحقائق، لكنه في نفس الوقت ليس هو كتاب من هذا الصنف من العلوم التي قد تكون معتبرة.
أمثلة على الأسئلة التاريخية التي لم يجب عنها القرآن لعدم الحاجة إليها
ولذلك ما عدد أهل الكهف وما اسم كلبهم وما لونه؟ أسئلة كثيرة. ابن نوح ما اسمه؟ أخو يوسف ما اسمه؟ وهكذا يظل يسألك الكثير. وإخوة يوسف ما أسماؤهم؟ وأسماء أهل الكهف، أي كهف، وكانوا في أي سنة بالضبط.
كل هذه أمور تاريخية وقد تكون مهمة في هذه العلوم، لكنني أحتاج إلى موقفهم قبل النوم وبعد النوم، موقفهم من الإيمان، موقفهم من الحياة، موقفهم من الناس، موقفهم من المبادئ، موقفهم وكذا.
القرآن لم يذكر تفاصيل ابني آدم وقصة كلب أهل الكهف في التفسير
واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق، لم يقل إذن هذا وذاك. ونجد في التفسير هذه الأشياء، وأن الكلب الذي كان مع أهل الكهف كان اسمه قطمير، لم يذكر [القرآن] شيئًا، وأنه كان بني اللون، بني، موجود؟ لا.
ودعني أخبرك كل شيء، ومر هنا في الأزهر الشريف شخص جاء يسأل سيدنا الشيخ صالح الجعفري رحمه الله، قال: سيدنا الشيخ، ذكر ربنا أبا سيدنا إبراهيم وقال أنه آزر. حسنًا، ما اسم أم سيدنا إبراهيم؟ فنظر إليه الشيخ [وقال] له: يا سيدي، أم إبراهيم يعني لا تقدم ولا تؤخر وما إلى ذلك.
قصة البحث عن اسم أم إبراهيم ودرس منهج التفكير القرآني
وأنا شاب صغير هكذا، قلت: لا، يجب أن أعرف اسم أم إبراهيم، [فبحثت] في الكتب حتى وجدت اسمها، فوجدت أن اسمها نونة، اسمها نونة. حسنًا، ماذا استفدت؟ لا شيء، إلا أنني أعرف هذا.
وهذا أخي عندما يأتي ويقول لي: أم السيدة، أم سيدنا إبراهيم، ما اسمها؟ لا، هذا كلام غير وارد. فالقرآن علّمنا منهج التفكير.
تفاصيل لم يذكرها القرآن عن ابني آدم والتركيز على المقصد لا التفاصيل
واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق، لم يقل هم كانوا أولاد صلب، يعني ابنا آدم الذين هم أبناء آدم، أبوهم آدم وليس جدهم، وكان [آدم] عائشًا حينها. ابنا آدم، يعني أول اثنين تقاتلا، ولم يذكر [القرآن] كل هذه التفاصيل، ولا في أي سنة من الخلق كان ذلك، لم يذكر ذلك.
هناك أشياء كثيرة، حسنًا، أين كانوا يعيشون إذن؟ يعني أنا أريد أن أفهم ما هي بالضبط قصتهم التي دفعت إلى هذا القتل. هل يمكن أن نبحث عن قبره الآن؟ أرشدنا يا ربنا إلى قبره، وهكذا أصبحت أسئلة لا نهاية لها تذهب بالمقصد والهدف.
تلاوة بقية الآية والوعد بشرح الهداية في حلقة قادمة
ولكن الهداية تستوجب أن واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق:
﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27]
بخلاف ذلك، قال:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]
وسنشرح بقية الهداية في هذه الآيات في حلقة أخرى. إلى اللقاء، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
