سورة المائدة | ح 948 | 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 948 | 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يشرح النص قصة ابني آدم المذكورة في سورة المائدة، حيث امتنع المقتول عن مد يده للقتل قائلاً: "إني أخاف الله رب العالمين".
  • تناول النص لغات القرآن مثل "يدي ويدي" و"عليهِم وعليهُم"، وأوضح أنه يجوز القراءة باللغات المختلفة إذا وردت موافقة للعربية بسندها ورسم المصحف.
  • فسر قول المقتول "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك" بوجهين: الأول أن المقتول ترك الدفاع عن نفسه بوعي وجعل إثم هذا الترك على القاتل إضافة إلى إثم القتل.
  • الوجه الثاني أن المقتول سيحمل القاتل آثامه يوم القيامة كما ورد في حديث المفلس.
  • بيّن أن القتل من محبطات الأعمال، وأن القاتل سيكون من أصحاب النار إلا أن يتوب.
  • انتهى النص بقوله تعالى: "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله".
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تلاوة قصة ابني آدم من سورة المائدة وموقف المقتول

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ﴾ [المائدة: 27]

ثم يقول [الله تعالى] بعد أن بيّن أن المقتول [ابن آدم الذي لم يعتدِ] يمتنع عن القتل لأنه يخاف ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [المائدة: 28]

اللغات العربية في ياء المتكلم بين السكون والفتح وأثرها في القراءات

﴿مَآ أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: 28]، يَدِي ويَدِيَ لغتان، وبهما قُرئ القرآن. وكذلك أُمِّي وأُمِّيَ، وهكذا ياء المتكلم قد تكون ساكنة وقد تكون مفتوحة.

ولِمَ هذا [التنوع في الحركة]؟ قال [العلماء]: في اللغة هكذا، يعني وردت ساكنة ووردت مفتوحة. مثل (وَهْوَ) بسكون الهاء، و**(وَهُوَ)** بضم الهاء.

ما الفرق بين وَهْوَ ووَهُوَ؟ لا شيء، في النطق فقط، ولكن هذه نطقت بها العرب وهذه نطقت بها العرب؛ ولذلك تجد في القراءة هذه موجودة وهذه موجودة. مثل قولك مثلًا: عليهِم، عليهُم، فهذه موجودة وهذه موجودة، فتجد قراءة عليهِم والقراءة الثانية عليهُم.

ما الفرق؟ ما الذي حدث في الإعراب؟ لا يوجد إعراب ولا شيء، هذه لغة. أُمِّي وأُمِّيَ، هكذا كتابي كتابيه. إذن فهناك لغات وهذه اللغات يجوز القراءة بها إذا وردت.

شروط قبول القراءة القرآنية بين صحة اللغة وورود السند وموافقة الرسم

يعني ليس كل لغة يجوز القراءة بها، لا، قد تكون في اللغة صحيحة ولكن في القراءة غير صحيحة؛ لأنها لم تَرِد. القراءة إذا وردت سُنّةً عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذنا بها، بشرط أن تكون موافقة للعربية.

فإذا وافقت العربية ووردت بسندها ووافقت رسم المصحف أخذنا بها. وإذا فقدت شيئًا من الثلاثة [موافقة العربية، وصحة السند، وموافقة رسم المصحف] يبقى ماذا؟ محل كلام، إذن لا نأخذ بها.

تفسير قوله تعالى إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ومعنى تحمل الإثمين

﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [المائدة: 28-29]

إني أريد أن تبوء يعني يكون نصيبك هذا، تبوء أي تقع في هذا الإثم. بإثمي وإثمك، أي أنك أنت الذي ستأخذ الذنبين.

طيب أين الذنبان؟ إثمي كيف [وهو المقتول]؟ يعني أنا مقتول! قال [العلماء]: لأن المقتول كان يمكن له أن يدافع عن نفسه فلم يفعل، ولمّا أن كان كذلك وامتنع عن الدفاع عن نفسه فهو آثم [في الظاهر].

تحمل القاتل للإثمين بسبب امتناع المقتول عن الدفاع خوفاً من الله

ولمّا كان هو [المقتول] آثمًا [ظاهرًا] لكن جعل هذا الامتناع [عن الدفاع عن النفس] من أجل الله، تحمّل القاتل الإثمين معه: إثمه هو لأنه قاتل، وإثم المقتول لأنه لم يدافع عن نفسه.

فإذا لم يدافع عن نفسه من غير نية [صالحة] كان آثمًا، لكن بالفهم والنية حُمِّل إثمه على القاتل.

وانتبه أنه [المقتول] نبّهه [القاتل]، وقال له: على فكرة، أنا لن أمد يدي عليك، وعندما لا أمد يدي عليك فهذا حرام؛ لأنه يجب أن أدفع الصائل [المعتدي]، ولكنني درءًا للفتنة سأرتكب أخف الضررين وسأتركك، لكنك أنت من ستتحمل غلطتي هذه، وهي غلطة في الظاهر ستتحملها أنت بالإضافة إلى عدوانك.

الفرق بين الامتناع عن السعي بوعي والامتناع بعجز وقوة المقتول عند الله

فأنا واعٍ، أنا لن أمد يدي عليك. لماذا؟ أنا أستطيع أن أمد يدي عليك ولكني أخاف الله، وأريد أن تبوء بإثمي وإثمك، فأنا أفعل هذا عن وعي.

ولذلك يقولون هنا ماذا؟ امتنع عن السعي بوعي، وليس امتنع عن السعي بلا وعي. هذا [الأخير] عجز؛ إن الامتناع عن السعي بلا وعي هو عجز، أما الامتناع عن السعي بوعي فهو شيء آخر، إنه قوة.

فالمقتول [ابن آدم] كان عند الله قويًا، تأمل وتدبر.

معنى بإثمي وإثمك وكيف يكون المقتول مذنباً وهو المضروب

﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى﴾ [المائدة: 29]

كيف وهو المضروب؟ ما إثمه إذن؟ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين.

هذا معنى [أول]، وهناك معنى آخر: بعض المفسرين يقولون لك: لا، هذا [المعنى يتعلق بما] عندما يأتي يوم القيامة، كما ورد في الحديث أنه سيُقضى بين الخلق حتى أنه يُقتص من الشاة الجلحاء من الشاة القرناء.

القصاص يوم القيامة بين الشاة القرناء والجلحاء وبين البشر

الشاة القرناء لها قرون، والشاة الجلحاء شاة ليس لها قرون، يا عيني، يعني مكسورة القرون انكسرت. فالشاة القرناء تفتري على الشاة الجلحاء لأنها تملك قرنين والأخرى لا تملك، فتأتي وتنطحها، فتجدها تزداد هكذا [في الظلم]، فتأتي وتنطحها أكثر ظلمًا.

فسيأتي يوم القيامة وسيقفون ويُقتص من الشاة القرناء لصالح الشاة الجلحاء. قال [النبي ﷺ] له [أي للصحابة]: سيحدث هكذا في البشر.

حديث المفلس يوم القيامة الذي يأتي بحسنات ويأخذها المظلومون منه

قال رسول الله ﷺ: «أتدرون من المفلس فيكم؟» قالوا: الذي ليس معه دراهم ولا دينار، [أي] الفقير المديون. يعني قال: «لا، المفلس فيكم الذي يأتي يوم القيامة وقد ضرب هذا، وسبّ هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا لم يبقَ له حسنة وضعوا عليه من سيئاتهم»

هذا هو المفلس المديون يوم القيامة.

تفسير بإثمي على معنى أخذ الآثام يوم القيامة بسبب الظلم

فقوله بإثمي معناه أنه يوم القيامة سنأتي وقد ظلمتني، ستأخذ آثامي [أي سيئاتي توضع عليك].

قال: طيب ولماذا لم يقل له سآخذ حسناتك؟ قال: لأن القتل مما يُبطل الحسنات ويُبطل الأعمال، فهو [القاتل] سيأتي يوم القيامة وليس له حسنات، إلا أن يتوب كما سنرى الآن، إلا أن يتوب ويُعلن التوبة ويندم.

فإن لم يفعل؟ هو أصلًا أبطل [و] أحبط عمله، فالقتل هذا من محبطات الأعمال، تعني أنه لا توجد له حسنة، فكيف يأخذ من حسناته وهذا من حسناته إذا لم تكن موجودة؟ فماذا يفعل إذن؟ يتحمل من آثامه وسيئاته.

خلود القاتل في النار وطاعة النفس للقتل رغم كل التحذيرات

وجاء قوله [تعالى]:

﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ [المائدة: 29]

وأصحاب النار معناها أنه خالد فيها، وذلك جزاء الظالمين.

وبالرغم من كل هذا [التحذير والتنبيه]:

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: 30]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.