سورة المائدة | ح 959 | 33 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 959 | 33 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • بينت الآية الكريمة في سورة المائدة عقوبة الحرابة المتمثلة في محاربة الله ورسوله والسعي بالفساد في الأرض.
  • نوع الله العقوبة بإزاء فعل واحد تبعاً لاختلاف ظروف الجريمة، فالعقوبة قد تكون القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي.
  • يتوقف اختيار العقوبة المناسبة على عناصر ثلاثة: الفاعل والفعل والمفعول به، مع مراعاة ظروف وملابسات كل عنصر.
  • يجب على القاضي مراعاة قصد الفاعل وعلمه واختياره، وخطورة الفعل وأثره، وقيمة المفعول به.
  • اشتهر فقهاء المسلمين بما يسمى "فن القضاء" حيث يراعي القاضي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال والمقاصد والمآلات.
  • في أمور لم يحدد الشرع عقوبتها، ابتكر الفقهاء باب التعزير الذي يعطي القاضي سلطة تقديرية في اختيار العقوبة المناسبة.
  • عند تطبيق العقوبة، يجب ألا تُقوَّم كرامة الإنسان بالمال، بل تُراعى الظروف المحيطة بالفعل لتكون العقوبة رادعة ومناسبة.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في آية عقوبة الحرابة من سورة المائدة وحكمتها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر نظامًا من نظم العقوبات في الإسلام، من أجل الحماية والرعاية والعناية للمجتمع:

﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا أَوْ يُصَلَّبُوٓا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ ٱلْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]

تنويع العقوبة في جريمة الحرابة وتسميتها في الفقه الإسلامي

نوَّع الله سبحانه وتعالى العقوبة بإزاء فعلٍ واحد: يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا. وهي جريمة يمكن أن توصف بها مجموعة من الأفعال والسلوكيات، تُسمى في الفقه الإسلامي بـالحرابة، وسُمِّيت بذلك لأنهم يحاربون الله ورسوله.

ثم نوَّع [الله سبحانه وتعالى] العقوبة بإزائها، وذلك لأن الفعل عندما يصدر من الإنسان فإن هناك فاعلًا يقوم بالفعل، وهناك فعلٌ يقع في الكون، وهناك مفعولٌ به يتلقى هذا الفعل.

العلاقة بين الفعل والانفعال وأثرها في تقدير العقوبة

وهذا ما يقوله بعد ذلك وقبل ذلك المناطقة عندما يتكلمون عن الفعل والانفعال: كسرَ الرجلُ الخشبَ فانكسر؛ فكسرَ هو الفعل، وانكسرَ هو أثر الفعل.

ولذلك تكتنف كلَّ ركنٍ من هذه الأركان [الفاعل والفعل والمفعول به] ظروفٌ وأحوالٌ مختلفة. من جهة الفاعل: هل هو قاصدٌ عالمٌ بما يفعل وبأثر فعله بعد ذلك؟ وهل هو مختارٌ لم يُضغط عليه شيء ولم يدفعه ويحثه شيء؟ ولم يكن واقعًا تحت تأثيرٍ قوي أو شرعي.

اختلاف تقدير العقوبة باختلاف الفعل والمفعول به والزمان والمكان

ومن جهة الفعل: مدى إفساده، مدى خطورته، مدى أثره على الناس. وهذا يختلف باختلاف كل زمان وباختلاف المكان وباختلاف الأحوال وباختلاف الأشخاص.

ومن الذي وقع عليه الفعل؟ هل هو إنسان أو هو حيوان محترم؟ وفي الفقه الإسلامي سمَّى الفقهاء الحيوانَ الذي لا يجوز الاعتداء عليه الحيوان المحترم، وجعلوا وجود الحيوان المحترم واحتياجه إلى الماء مبررًا للتيمم.

حكم التيمم لأجل الحيوان المحترم ومنهج الفقهاء المنضبط

فإذا كان معك ماءٌ تتوضأ به فيموت حيوانٌ محترم كالغنم والبقر والإبل والغزال، فإنك تحرم نفسك من الوضوء وتتيمم وتترك الماء للحيوان المحترم وجوبًا.

إذن هؤلاء الناس [الفقهاء المسلمون] كانوا يفكرون بطريقة منضبطة بقواعد ورؤى وتوجهات ومناهج، يجب علينا أن نكتشفها أو أن نعيد اكتشافها في حياتنا.

تفاوت جريمة الاعتداء بحسب مكانة المعتدى عليه في الأمة

الفاعل والفعل والمفعول به، هل هو [المعتدى عليه] إنسان؟ هل هذا الإنسان من هو؟ فاعتداؤك على من تحتاج إليه الأمة ليس كاعتدائك على شخصٍ لا تحتاج إليه الأمة، واعتداؤك على شخصٍ لا تحتاج إليه الأمة يُدخلك النار، فما بالك بمن تحتاج إليه الأمة؟

فإنك تكون قد ارتكبت جريمتين: جريمة الاعتداء على الإنسان كإنسان لأنه إنسانٌ قد كرَّمه الله وإن لم يكن له نفعٌ أبدًا، وجريمةٌ [أخرى أنك] تُضيِّع نفع هذا الإنسان إن كان صاحب نفعٍ على الأمة.

فن القضاء ومراعاة القاضي للفاعل والفعل والمفعول والظروف المحيطة

ومن هنا برزت قضية فن القضاء، أن القاضي ينبغي عليه أن يكون عنده فنٌّ في حكمه وقضائه، يراعي فيه الفاعل والفعل والمفعول، ويراعي فيه ظرف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، يراعي فيه المقاصد والمآلات، يُراعى فيها العلم والقصد والاختيار. وكل ذلك مسطورٌ عند فقهاء المسلمين.

وعندما جاءوا إلى أمورٍ لم يتكلم عنها الشرع، وإلى عقوباتٍ لم يقررها، ولكنه علَّمنا أنه ينبغي ألا نفوتها، وأسموا هذا الباب بـالتعزير. فقالوا: والتعزير فن القضاء؛ لأن القاضي ينبغي عليه أن يكون واعيًا عندما يطبق العقوبة على المذنب.

قصة الغني الذي سبَّ الفقير وخطأ القاضي في تقدير العقوبة بالمال

وضربوا لذلك مثلًا، ومن أمثلة ذلك أن رجلًا غنيًّا قد سبَّ رجلًا فقيرًا، فذهب الفقير يشكو الغني إلى القاضي أنه قد سبَّني وشتمني ظلمًا وعدوانًا ولا ذنب لي. فحكم القاضي على الغني بدفع دينار للفقير.

والغني أمام القاضي قال مرة ثانية [أي سبَّه مرة ثانية] أمام القاضي: وهذا دينار الثالث، وسبَّه مرة ثالثة أمام القاضي، فمعه دنانير عديدة.

انتقد العلماء على القاضي فعله هذا ونسبوه إلى الغفلة، وأن أعراض الناس لا ينبغي أن تُقوَّم بالأموال بهذا الشكل؛ فإن الغني القادر عرف أن ديته [أي عقوبته] دينارٌ للسبَّة الواحدة، قال: حسنًا، خذ خمسة دنانير وسأشتمك خمس مرات!

خطأ تقدير كرامة الإنسان بالمال وبدائل العقوبة التعزيرية المناسبة

يا الله! وأين كرامتي إذا أهانني فقير؟ تُهان كرامتي؟ إلى هذا الحد! نعم، الخطأ هو خطأ تقدير القاضي، حيث قدَّر كرامة الإنسان بالأموال، والأمر ليس كذلك، والله أعلم بالقلوب وبما هنالك.

ولذلك قالوا: أبدًا، له أن يؤدبه حبسًا، أو يؤدبه تجريسًا، أو يؤدبه ضربًا. يقول له: افتح يديك أمام الناس هكذا، فالغني يأخذها في نفسه: أنا أفتح يديَّ! وأنا [القاضي يقول:] افتح يديك، سأضربك ضربةً على يديك فيها إهانةٌ لا تليق، ليتوقف في المرة القادمة عن شتم الفقراء لأجل فقرهم، وقد يكونون أعزَّ عند الله منه.

التجريس كعقوبة تعزيرية وتطورها بتغير الزمان والمكان

والتجريس كان يأتي من الجرس، وهو أن يُفضح [المعتدي] أمام الناس عندما يُصرُّ على عدوانه على الآخرين. فيُجرِّسونه بوضعٍ معين، بمعنى أنهم يسيرون في الطرقات بجرسٍ يضربونه، يضربون الجرس ويقولون: هذا الذي فعل كذا وكذا. وهو نوعٌ من أنواع الرقابة الاجتماعية التي تتغير بكل زمانٍ ومكان.

يعني لا يأتي أحدٌ ويقول لي: لكن نحن نريد تجريسًا الآن! لا، ليس ضروريًّا. قد يكون هذا التجريس يتم في الصحافة مثلًا، ليس ضروريًّا أن يكون بالجرس، بل مع كل زمانٍ ومع كل مكان [تتغير الوسيلة].

خلاصة فن القضاء في اختيار العقوبة المناسبة لجريمة الحرابة

رسم ربنا سبحانه وتعالى هذه العقوبة وهذا الفن للقضاء: أن العقوبة تختلف باختلاف الفاعل والمفعول والفعل، والزمان والمكان، والأشخاص والأحوال، والمقاصد والاختيار، والعلم والمآلات والمقاصد.

لا بد أن يكون القاضي واعيًا حتى يختار: هل هذه الحرابة من نوع ما يُقتل فيه، أو من نوع ما يُصلب فيه، أو من نوع ما تُقطع الأيدي فيه، أو من نوع ما يُنفى من الأرض فيه؟ فهذا اختيار القاضي يتم بتقويم هذه الأشياء.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.