سورة المائدة | ح 961 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

سورة المائدة | ح 961 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد ما قرر العقوبة على من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، وقال سبحانه وتعالى في شأنهم لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ولما أن أقر الله لهم العذاب العظيم فتح لهم فرصة التوبة وباب التوبة فاستثنى وقال إلا الذين تابوا يعني العذاب العظيم إنما هو مقرر على من كرر الفعل حتى مات وكأنه
قد استحله ولو عمليا والاستحلال العملي هو أنه لا يبالي ولا يريد أن ينتهي عن الفعل وأنه سادر في غيه وفي فعله حتى يموت، أما الذين غيّروا حياتهم وأوقفوا هذا التزييف من المعصية حيث ما كانوا يؤمنون وأعلنوا التوبة، والتوبة لها ثلاثة شروط أو أربعة، إذا كان الذنب متعلقا بالله فلابد من الندم والإقلاع عن الذنب والعزم على أن ألا يعود إليه مرة أخرى، أما الفعل المتعلق بالعبد فيُضاف إليه رابع وهو أن يرجع الحق
إلى العبد إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. أما إذا ما تمكن منه فقال: "تبت إلى الله" وكان صادقًا من قلبه، قُبلت توبته عند الله. ولا يمنع ذلك من إقامة الحد عليه لأنه حق مجتمعه. والذي عرفنا أنه حق المجتمع وأنه لا نفرط فيه أن الله قد كشفه وَأَمكن مِنْهُ، وَلو أَرَادَه اللهُ فِي الستر، لَمَّا كَشَفَه وَلَمَّا أَمْكَنَ مِنْهُ. وَهُنَا يُرْوَى عَنْ الإمام علي رَضِيَ اللهُ
تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ أُتِيَ لَهُ بِسارق، فَوَقَعَ الْحُكْمُ بِقَطْعِ الْيَدِ. وَسَيَأْتِي معنا في المائدة والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، فَجَاءَتْ أُمُّهُ تَبْكِي وَتَقُولُ: اقبل شفاعتي فيه سَيِّدِي. فَقَالَ. لا. وصل إلى الحاكم، انتهى الأمر خلاص. لا بد أن يقام الحد فأقام الحد عليه. ثم سأله أمام أمه كم مرة سرقت فيها؟ قال: هي السابعة
عشرة. قال له: ما كان الله ليكشف من أول رب رحيم لا يكشف من أول مرة ولكن يمهله مرة وثانية وثالثة. بفقه الإمام علي ونور بصيرته عرف أن هذا قد تكرر منه الفعل وتكرار الفعل من موجبات تطبيق العقوبة عند القضاء وأن الله ستار حليم ستره مرات لكنه لم يتب إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم فإذا تاب الإنسان فإن واجب عليه أن يتوب قبل الحد وعند الحد وبعد الحد قبل
أن يُكتشف وبعد أن يُكتشف، وإذا أراد الإنسان أن يتوب فإن الشريعة عندما رأت أنه يجب عليه أن يستر على نفسه من الرحمة لا أن يبلغ عن نفسه عند القاضي ويقول له أنني زللت فلا تفعل مثل ذلك. هذا بينك وبين الله فتب في السر، وكثير من الناس تعتقد أن التوبة من شروطها الشفافية، فيفضح نفسه، والنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عنه وأمرنا بعكسه، وأن الإنسان يتوب بينه وبين ربه، من غير ان يسوء سمعته عند الآخرين. وهو أجدر بأن ينسى الذنب، وهو نوع من أنواع قبول التوبة أن ينسى
الإنسان ذنبه ويقول: أنا لم أذنب قط، هو أذنب لكنه يشعر أن صفحته أصبحت بيضاء والله عفو غفور رحيم حليم سبحانه وتعالى، ولذلك يعتقد الكثير من الناس خطأً أن من قبيل التوبة الحسنة أن يعترف بذنبه أمام الناس أبداً. هناك مردود اجتماعي أحسن وهو أن الفاحشة لا تشيع في وسط المؤمنين، وأن هذا الأمر خطير، وأنه لا يتحول إلى شيء عادي. الناس يقولون له: ألم تقل يا أخي، اصدق واهتدِ. على العكس، يقول لي: لا، كل الناس ترتكب الذنوب، وأنا سأفعل مثلهم.
بك؟ فيتجرأ الإنسان على المعصية، فتظهر المعصية بدعوى الشفافية. بعضهم يعرف الشفافية من أصحاب عصرنا هذا يكون إنساناً يُبيِّن من أين يسرق ويُبيِّن ما هي الفواحش التي يرتكبها هكذا بئس الشفافية تلك الشفافية. فقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يستر الإنسان على نفسه وأن يستر الإنسان على أخيه، فمن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا، ستر الله عليه في الدنيا والآخرة. فالستر جميل والشفافية
الفاضحة قبيحة، والنبي صلى الله عليه. وسلم يؤكد ذلك في الحديث إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم التفتيش على الناس ممنوع الستر جميل والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ولو أن تستر أخاك بهدبة ثوبك حتى لو رأيته يفعل المعصية أستر عليه وقل يارب استر فيسترها الله معك في الدنيا والآخره يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في
سبيله لعلكم تفلحون بعد هذا الذي ذكرناه يقتضي من المؤمنين التقوى، يقتضي منهم أن يتذكروا الله سبحانه وتعالى في كل حين، وتذكُّر الله في كل حين من التقوى. يقتضي منهم أن يعملوا بالقرآن الكريم، والعمل بالقرآن الكريم من التقوى. يقتضي منهم أن يلتزموا بالشرع الشريف، وأن تتعلق قلوبهم بالآخرة، وكل هذا جزء من التقوى. أما الوسيلة فكلامها كثير نؤجله إلى حلقة قادمة إن شاء الله حتى نستفيض فيها بإذن الله تعالى على وجهها الأكمل. وإلى
لقاء آخر نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.