سورة المائدة | ح 966 | 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 966 | 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • تتحدث الآية في سورة المائدة عن الكافرين وتخاطبهم بعقليتهم حيث يقول الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾.
  • الكافر لا يرى إلا المادة ولا يهتم إلا بما يملكه في الدنيا، وغاية أمله أن يمتلك الأرض وما فيها، لكن لم يستطع أحد تملك الأرض جميعاً مهما بلغ من ثراء.
  • وصف النبي ﷺ هذا الحال بقوله: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"، فالكافر يرى الدنيا جنته.
  • تشير القصة المروية عن ابن حجر العسقلاني مع الزيات إلى حقيقة أن المؤمن رغم نعيمه في الدنيا فهو في سجن مقارنة بما أعد له في الآخرة.
  • الآية موجهة للكافرين بعقليتهم لهزهم للعودة إلى الإيمان، وللمؤمنين ليشعروا بنعمة الله عليهم.
  • من أسس فهم القرآن أن نبحث دائماً عن خطاب كل آية لنا مهما كان موضوعها.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الفداء من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 36]

الله يخاطب الكافرين بعقليتهم المادية وطريقة تفكيرهم في الدنيا

هنا يُنزل الله سبحانه وتعالى الكتاب ويتكلم عن الكافرين، ويُكلّمهم بعقليتهم، ليس بلغتهم فقط، بل بتركيبة نفسهم وشخصيتهم وبطريقة تفكيرهم.

فالكافر لا يرى إلا المادة المحيطة به، فلا يرى إلا ما في الأرض. والكافر لا يرى إلا ما هو قابل للتملك في الحياة الدنيا. والكافر غاية أمله أن يمتلك هذه الدنيا.

استحالة امتلاك الأرض جميعاً حتى للشركات العابرة للقارات

والكافر مهما بلغ ثراؤه، ومهما بلغ مُلكه، ومهما بلغ مُلكه، فإنه لا يستطيع أن يملك ما في الأرض جميعًا. فكون أحد من الناس يملك جميع ما في الأرض أمرٌ لم يحصل منذ ما خلق الله الخلقَ إلى يوم الناس هذا.

يمتلكونها بالمئات أو بالآلاف أو بالملايين أو بالمليارات، لكنه لا يملك ولو جزءًا ضئيلًا من هذه الأرض. ونشأت بعد ذلك شخصيات اعتبارية، شركات عابرة للقارات، فلم تملك الأرض. وحدثت تحالفات بين هذه الشركات التي وصل رأس مالها إلى تريليون، يعني ألف مليار، يعني مليون مليون، أو عدة من التريليونات، ولكنها لم تملك الأرض.

غاية الكافر في الدنيا وحديث النبي عن سجن المؤمن وجنة الكافر

فغاية الأمر عند الإنسان كإنسان، خاصة الكافر الذي لا يرى إلا ما يملك في الحياة الدنيا، في مُلكه أو أن يكون قادرًا عليه أو أن يكون في سلطانه، غاية ذلك:

﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]

والنبي صلى الله عليه وسلم يصف هذا الحال بين الكافر والمؤمن فيقول:

قال رسول الله ﷺ: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»

يعني الكافر جنته هي هذه الدنيا.

الكافر يطرد فكرة الجنة ويرى في الدنيا جنته الوحيدة

وعندما تكلموا عن الجنة، ولأنه [أي الكافر] لا يؤمن بالله ولا يؤمن باليوم الآخر، فإنه يطرد فكرة الجنة من حسابه ومن فكره، فلا يبقى له إلا هذه الدنيا، ويرى فيها جنته، يريد أن يعيش هنا [في الدنيا].

قصة الإمام ابن حجر العسقلاني مع الزيّات من أهل الكتاب وإسلامه

ومما يُروى في القصص أن الإمام ابن حجر العسقلاني، أمير المؤمنين في الحديث، شارح البخاري في كتابه الماتع فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كان قاضي القضاة، يرتدي شيئًا كانوا يسمونه جُبّة سَمّور، والسمور هذا هو نوع من أنواع الفرو الغالي. وركب بِرذونًا، والبرذون هذا يعني حصانًا محترفًا كسيارة مرسيدس في هذه الأيام، شيئًا فخيمًا.

فاعترضه زيّات من أهل الكتاب يبيع الزيت، وبيع الزيت في ذلك الوقت معناه أنه من العمال الفقراء، يعني لا يأخذ له مصروفًا في اليوم ولا قرشًا ولا شيئًا.

قال له: يا قاضي القضاة؟ قال: نعم. قال: ألم يقل نبيكم أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ قال: بلى، أخرجه مسلم — هذا ما ذكره الشيخ ابن حجر، أخرجه مسلم. قال: فأيّ جنة أنا فيها وأيّ سجن أنت فيه؟ أنتم تقولون عني أنني لست مؤمنًا، قل أنك مؤمن، طيب، إذن أنا الآن في الجنة، أين؟ وأنت في النار!

قال له [ابن حجر]: لو اطلعت على ما أعدّ الله لك من العذاب يوم القيامة فإنك في الجنة، ولو اطلعت على ما أعدّه الله لي من النعيم فأنا في سجن. فأسلم الرجل.

سبب إسلام الزيّات ودعاء النبي ألا تكون الدنيا أكبر همنا

ما هو لا يوجد شيء يمنع من إسلامه. فأصل الأمر أن المسلمين جميعهم في عزة وفي علم وفي قوة. فهذه اللفتة يستغربها بعض الناس، يعني كيف أسلم هكذا مباشرة؟ أسلم لأن كل أمر واضح، فالحكاية ليست بينه وبين الإسلام إلا أن يلتفت لمعنى مثل هذا المعنى الجليل.

وهو أننا ينبغي ألا نجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. وقد ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:

«اللهم لا تجعل الدنيا مبلغ علمنا ولا غاية أملنا»

مخاطبة الله للكافر بعقله عن استحالة امتلاك الأرض وعدم قبول الفداء

الكافر والمؤمن، عندما يُرِد الله سبحانه وتعالى هذا بشأن الكافر، يخاطبه حتى يرجع، ويخاطبه بعقله ويقول له: هل تستطيع أن تمتلك الأرض؟ لم يستطع أحد أن يفعلها في العالم عبر القرون، لا ملك ولا مالك استطاع.

أنه طيب، ما رأيك أيضًا؟ واحدة ستمتلك الأرض وأيضًا واحدة معها؟ قالوا له: هذا يكون كثيرًا، يكون كثيرًا.

قال له: لو افتديت نفسك يوم القيامة بهذا الكثير الذي لا تتصوره ولا تتمناه — حتى ما هو الكافر يتمنى المستطاع وإن كان كثيرًا، مليارات وتريليونات وهكذا — لكن سيقول لك: الأرض كيف؟ حسنًا، لا، أنت ستمتلك الأرض وتمتلك واحدة مثلها، ثم تأتي وتعوّضها عما هو منتظرك يوم القيامة، فلا يُقبل منك.

خسارة الكافر المضاعفة بضياع الفداء وعدم قبوله وبقاء العذاب الأليم

تهزمه [هذه الحقيقة]، هذا كله سيضيع مني، وفوق ذلك لن يُقبل. سيضيع مني، وبالإضافة إلى ذلك فقد انتهى الأمر. لقد قدّمه فعلًا، قدّمه وتخلّى عنه، وهذه مسألة شديدة على الكافر.

ولكنه بعد هذا فإنه لن يُقبل منه:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 36]

خسروه، وفي النهاية تعذّبوا أيضًا:

﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 36]

الآية موجهة للكافرين لهزّهم وللمؤمنين ليشعروا بنعمة الله عليهم

إذن فهذه الآية موجهة إلى الكافرين بعقليتهم؛ فهناك فرق بين العقلية واللغة. العقلية كيف يفكر، ونفسيته كيف هي، من أجل أن يهزّه من أجل أن يعود إلى الإيمان.

وموجهة أيضًا إلى المؤمنين ليشعروا بنعمة الله عليهم ومدى هذه النعمة، وأنهم وإن لم يملكوا ما في الأرض جميعًا، لكنهم يُدّخر لهم الأجر يوم القيامة الذي هو يفوق مُلك الأرض ومثلها معه.

وكل هذا يصل إليه بالنية الخالصة لله:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البينة: 5]

يصل إليه بالعبادة، يصل إليه بالطاعة، يصل إليه بالإيمان، بالعمل الصالح.

أصل من أصول فهم القرآن: ابحث عن خطاب الآية لك أنت

فيعرف المؤمن من هذه الآية مدى رحمة الله سبحانه وتعالى له. ونأخذ من هذا أساسًا من أسس فهم القرآن: أن كل آية قد يكون لها خطاب مع من تتكلم عنه، ولكن ابحث عن خطابها لك أنت.

دائمًا هكذا كل الأيام، قف عندها وانظر: هذه آية تخاطب الكافرين، أو تتكلم عن الكافرين، أو تتكلم عن الأمم السابقة، أو تتحدث عن أهل الكتاب، أو تتحدث عنا كأمة — أين خطابها لي أنا؟ فتستنبط الشيء من ضده، كما قالوا: وبضدها تتميز الأشياء.

الاستفادة من الأضداد في فهم القرآن والختام بالسلام

شخص يمدح أو يغازل امرأة فقال: الوجه مثل الصبح مُبيَضّ، والشعر مثل الليل أسود، ضدان لما اجتمعا حَسُنا، والضد يُظهر حُسنه الضدُّ.

فدائمًا أنت ترى كيف تستفيد من الشيء بضده وأنت تقرأ القرآن.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.