سورة المائدة | ح 967 | 37 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 967 | 37 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • يصف القرآن في سورة المائدة حال الكافرين الذين يريدون الخروج من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم.
  • الله سبحانه عادل في حكمه، لا يظلم أحداً، فهو أحكم الحاكمين ورحمته في عقوبته.
  • يتساءل بعض الناس عن سبب تعذيب الله للكافرين رغم وصفه بالرحمة، لكن العذاب هو جزاء عادل لمن خالف أمر الله.
  • كلمة "عذاب" في لغة العرب مرتبطة بمادة "عذب" التي تستخدم للماء الحلو والكلام الجميل.
  • يشير ابن عربي إلى أن الله استخدم كلمة "عذاب" لبيان أن رحمته متخللة عقوبته، فيشعر المعذب بالألم مع إحساس باللذة.
  • ضرب مثالاً بالمرأة التي تتألم عند الولادة لكنها تشعر بالسعادة لحبها لوليدها، والإبل المصاب بالجرب يشعر بألم الحك ولذته معاً.
  • لا توجد منفعة خالصة ولا مفسدة خالصة، بل هما متداخلتان بقدر الله.
  • الله وصف العذاب ليصد عباده عن المعصية، وهو رحيم في كل حال.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية من سورة المائدة في شأن الكافرين وعذابهم المقيم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول الله سبحانه وتعالى في شأن الكافرين الذين يريدون أن يهربوا من عذاب الله سبحانه وتعالى، وبعضهم يريد أن يحوز الدنيا وأن يحوز الآخرة، وبعضهم لا يبالي بالآخرة فيُفاجأون هناك [يوم القيامة]، حينئذٍ يقول [الله تعالى] في شأنهم:

﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [المائدة: 37]

حال الكافرين في النار بين التكبر في الدنيا ومعاينة العذاب العادل

إذن فهم يريدون ويرغبون ويشتهون أن يخرجوا من النار، فهم متكبرون في الدنيا، لم يكونوا يصدقون، رأوا النار رأي العين، أحسّوا بها، دخلوها، مُورِسَ بشأنهم العذاب من عند الله الذي لا يُظلم عنده أحد، ولا يظلم مثقال ذرة.

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]

فربنا سبحانه وتعالى هو الذي يعاقب وهو أحكم الحاكمين وهو العدل، قاضي القضاة، ملك الملوك، لا إله إلا الله، ولذلك فلا يتصور في شأنه سبحانه وتعالى إلا أن يكون عادلًا.

التعجب من عذاب الله الرحيم وصفات العذاب المتعددة في القرآن الكريم

وكثير من الناس تتعجب من أن الله الرحمن الرحيم الرؤوف العفو الغفور يعذب هذا العذاب، وربنا سبحانه وتعالى نص على أنه يعذبهم عذابًا مهينًا وعذابًا أليمًا، وهنا يأتي بصفة أخرى من العذاب أنه دائم مستمر وأنه مقيم.

شبهة من يعترض على عذاب الله ويطالب بالعفو عن الكافرين

ويسأل بعض الناس قائلين: نحن لا نحب هذا الإله الذي يعذب هذا العذاب الأليم المهين المقيم،

ولِمَ لا يعفو حتى عن ذلك الكافر قليل الأدب المتبجح؟

عنده وقاحة، ذاك الذي خالف ربه، وأن يرحم ضعفه وأن يتجاوز عنه.

دلالة كلمة عذاب في القرآن واستعمالها بدلاً من العقوبة والانتقام

وكانت المفاجأة أن الله سبحانه وتعالى عندما تكلم عن الوعيد لم يتكلم عن العقوبة ولم يتكلم عن الانتقام بهذا الكم الكبير وهو يصف ما هو بإزاء فعل الكافرين المفسدين المسرفين الظالمين لأنفسهم، وإنما استعمل في الأغلب كلمة عذاب.

وكلمة عذاب في لغة العرب مكونة من ثلاثة حروف: العين والذال أخت الدال والباء.

العلاقة اللغوية بين كلمة عذاب وكلمة عذوبة في لغة العرب

ولو رجعنا إلى لغة العرب من أجل أن نتعمق في هذه الكلمة لوجدنا أنها تُستعمل أيضًا في الماء الحلو فنقول: هذا الماء عذب، وعندما نصف الكلام الجميل الذي ينساب ببساطة نقول هو كلام فيه عذوبة.

فكلمة عذب وكلمة عذوبة من نفس البناء اللغوي،

فهل لهذا أثر في استعمال القرآن لهذه الكلمة؟

يقول الشيخ محيي الدين بن العربي أن الله سبحانه وتعالى استعمل هذه الكلمة من أجل أن يبين أن رحمته في عقوبته، من أجل أن يبين أن رحمته في عقوبته، يعني متخللة عقوبته.

الشعور بالألم واللذة معاً في العذاب ومثال المرأة أثناء الولادة

فيشعر أحدهم بالألم مع شعوره بلذة بذلك الألم، يشعر بالألم، شيء مؤلم، شيء فظيع، لكنه سبحان الله يشعر بلذة في هذا الألم.

كيف هذا؟

قال [ابن العربي]: ضرب الله لنا أمثلة حولنا نتأمل فيها وندرك معاني القرآن منها.

ما المثال على ذلك؟

قال: انظر إلى المرأة التي تلد، تتألم غاية الألم وهي سعيدة غاية السعادة، هل يعقل أن يتألم شخص ويسعد؟! من ناحية الألم ولو ركزت فيه تتألم كأي إنسان يتألم أثناء الولادة، تعاين فيها المرأة الموت.

تعلق المرأة بولدها يهوّن عليها ألم الولادة ومثال الجمل المصاب بالجرب

إنما لتعلقها بحبها بولدها، بفلذة كبدها - انظر ماذا يقولون عن الابن - فإنها تتعلق به تعلقًا شديدًا غير مبرر، أي أن المرأة في حبها لابنها كالمجنونة تحب ابنها كثيرًا لكنه حب جنوني، فهي إذا التفتت إلى الولد هان عليها الألم ولم تلتفت إليه [أي إلى الألم]، إلى هذا الألم بالرغم من معاينتها له.

قال [ابن العربي]: وإذا جلست تتأمل الإبل وقد أصيبت بالجرب - والجرب هو والعياذ بالله مرض جلدي يصيب الإنسان ويصيب الحيوان ومن ضمنها أن يصيب الإبل التي هي الجمل -

فالجمل أصيب بالجرب، فماذا يصنع؟

قال: تراه يبحث عن شجرة يحك جلده فيها حتى يَدمَى، إلى أن ينزل منه الدم.

اجتماع الألم واللذة معاً وعلاقته بمبحث المنفعة والمفسدة في الفلسفة

فإذا فعل ذلك [الجمل] شعر بالألم من الجرب وشعر بلذة الحكة، فيصبح الشخص يريد أن يحك جلده، وعندما يحك جلده يشعر بلذة الحك وفي نفس الوقت بألم الحك.

إذن يتصور أن يكون هناك ألم وأن يصاحب الألم لذة، هذا كلام فلاسفة كبار، الألم واللذة من مباحث الفلسفة المتخصصة.

مبحث الألم واللذة له أهمية، لماذا؟

لأنه مبحث المنفعة والمفسدة.

ما هي المنفعة؟ جلب الملذات ودفع الآلام ووسائلهما.

وما هي المفسدات؟ جلب الآلام ودفع اللذة ووسائلهما.

تحديد المنفعة والمفسدة بحكم الله وقول الإمام القرافي في اختلاطهما

إذن ما هي المنفعة؟ إنك تجلب الملذات وتدفع عن نفسك الآلام؛ والمفسدة بالعكس تجلب لنفسك الآلام وتدفع عن نفسك الملذات.

قالوا: وهذا لا يكون إلا بحكم الله.

من الذي يحدد المنفعة والمفسدة؟ الله.

يقول الإمام القرافي: وذلك لأنك لا تجد منفعة أو لذة محضة، ولا تجد مفسدة محضة، بل تجدهم داخلين في بعض.

قال: إذا أردت لذة طهي الطعام، تريد أن تأكل قطعة لحم طيبة، ماذا تفعل؟ إما أن تشويها أو تسلقها، فإذا سعيت لإنضاجها لسعتك النار، فلا توجد منفعة خالصة تمامًا، ولا توجد مفسدة خالصة، ولكن اختلطت فأرادت تحديدًا من الله رب العالمين.

رسالة لمن صدّ عن الدين بسبب آيات العذاب وبيان رحمة الله في كل حال

ولذلك فإننا نقول لمن صدّ عن الدين من أجل ما يُقرأ من آيات العذاب أن الله رحيم، وأن الله فعل هذا ليصد عباده عن المعصية، وأنه مع هذا فهو رحيم في كل حال.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.