سورة المائدة | ح 969 | 38 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 969 | 38 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

14 دقيقة
  • تحدث القرآن في سورة المائدة عن حد السرقة بقوله: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله".
  • لفظ "السارق" اسم فاعل يدل حقيقةً على الحاضر، واختلف العلماء في دلالته على الماضي هل هي حقيقية أم مجازية.
  • يشترط لتطبيق حد السرقة أن يكون المال محرزاً ولا شبهة للسارق فيه.
  • لا تعد سرقة إذا أخذ الزوج من زوجته أو الابن من أبيه أو الشريك من الشركة، لوجود الشبهة.
  • بنيت الحدود في الشريعة على التضييق وليس التوسع، وفق قاعدة "درء الحدود بالشبهات".
  • اليد المقطوعة هي من أطراف الأصابع إلى الكف (الكوع والكرسوع) وليس إلى الكتف.
  • يشترط عند تنفيذ الحد إمكانية إيقاف النزيف وعدم تعريض السارق للهلاك.
  • أوقف النبي الحدود في الحرب، كما أوقف عمر الحد عام الرمادة عند التباس الأمور.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة سورة المائدة وآية حد السرقة وتجريم الاعتداء على المال

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينعى على جريمة السرقة ويجعلها من الكبائر، ويجعلها تهدد الاجتماع البشري وتقدح في مقصد من مقاصد الشريعة العليا وهو حفظ المُلك:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]

دلالة اسم الفاعل على الحاضر والمستقبل والماضي وأقوال العلماء فيها

«السارق والسارقة» من أسماء الأفعال [أي أسماء الفاعلين]، وأسماء الأفعال حقيقة في الحاضر باتفاق، ومجاز في المستقبل باتفاق. أما دلالتها على الماضي فقد اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال فيما إذا كانت حقيقة أم مجازًا:

  1. فبعضهم قال: دلالتها على الماضي حقيقة.
  2. وبعضهم قال: دلالتها على الماضي مجاز.
  3. وبعضهم قال: إذا كان اسم الفاعل من فعل يستمر فهو حقيقة، أو من فعل لا يستمر فهو مجاز.

انقسمت [الأقوال]، يعني عندنا حاضر ومستقبل وماض، فهو باتفاق العلماء والعقلاء حقيقة في ماذا؟ في الحاضر.

أمثلة توضيحية على دلالة اسم الفاعل في الحاضر والمستقبل والماضي

متكلم وأنا أتكلم هكذا حقيقة، أتكلم حقيقة، ليست مجازية. طيب، سأتكلم غدًا فيكون مجازيًا؛ أنا متكلم غدًا يعني متكلم ولكن ليس الآن، فيكون باعتبار ما سيكون.

طيب، كنت متكلمًا بالأمس، فقال بعض العلماء: ما دمت تكلمت فعلًا فأنت متكلم حقيقةً. بعض الناس قال: لكنك سكتَّ فأنت الآن لست متكلمًا، فهذا مجاز.

بعضهم قال: لا، هناك فرق بين الجلوس - أنا جالس ممتد هكذا يمكن أن نبقى هكذا ساعة أو ساعتين أو ثلاثة - ويصبح ذلك حقيقة للماضي. لكن إذا كان غير ذلك فيكون بالعكس.

التفريق بين الفعل المستمر والمنقطع في دلالة اسم الفاعل على الماضي

كيف ذلك؟ قال: إن المستمر إذا انقطع لا يصبح مستمرًا، فيكون [إطلاق اسم الفاعل عليه] مجازًا. لكن [الفعل الذي] شأنه الانقطاع، خلاص انقطع، فيصبح ذلك حقيقة؛ لأنه لا يبقى له حقيقة [أخرى غير ما وقع].

تطبيق دلالة اسم الفاعل على لفظ السارق والسارقة في الآية الكريمة

«السارق والسارقة» أين في هذه القصة [أي في أي زمن]؟ الذي سيسرق غدًا؟ أم الذي أمسكناه وهو يسرق؟ أم ربما يكون قد سرق بالأمس؟

نحن نقول هذا الكلام لكي نفهم السارق والسارقة، وهل هؤلاء السارق والسارقة قاموا بالسرقة أمس أم يقومون بها اليوم أم من الممكن أن تكون غدًا؟

يعني شخص قال: يا إخوان أنا سوف أسرق البنك غدًا، يصبح سارقًا؟ قبضنا عليه وسجلنا عليه، وقبضنا عليه، لا يصبح سارقًا بل ذلك باتفاق [أنه ليس سارقًا].

حكم من أُمسك أثناء السرقة ومن سرق في الماضي وأقوال العلماء في ذلك

حسنًا، وإذا ذهبنا وقبضنا عليه وهو يسرق؟ فهو سارق باتفاق لا جدال في ذلك.

حسنًا، إذا سرق في السنة الماضية، فهل هو سارق يدخل في هذا الحكم أم لا؟ فالعلماء قالوا: نعم، يكون سارقًا، وتكون هذه حقيقة؛ لأن السرقة عمل منتهٍ.

فعند الذين قالوا [إن اسم الفاعل دالٌّ على الماضي] حقيقة مطلقًا ستكون حقيقة. عند الذين قالوا عندما يكون العمل منتهيًا أيضًا تكون حقيقة. حتى الذين قالوا أن السارق هذا يمكن أن يكون مجازًا قالوا: يدخل هنا في كلمة السارق الحقيقة والمجاز أيضًا، ستُقطع يده.

شروط إقامة حد السرقة ودرء الحدود بالشبهات وأخذ المال من حرز

شرط السرقة ما هو؟ قال لك: ادرأوا الحدود بالشبهات، لا يجب أن يكون بها شُبهة. ويجب أن تسرق من شيء مغلق محفوظ [أي من حِرز]؛ تفتح خزانة، تفتح شقة، تفتح ثلاجة، أي تفتح شيئًا ما.

لكن إذا وجدت في الطريق مئة جنيه، فهذه ليست سرقة بل لُقطة. قال: طيب، أنا رأيت الرجل وقد سقطت منه [النقود]، آه، هذه تصبح خيانة أمانة.

قال: طيب، أنا اختلست من الخزينة التي أعمل بها فيها. قال: نعم، فهذا يكون اختلاسًا، حلالٌ أم حرام؟ حرام، لكن ليس سارقًا [بالمعنى الموجب لحد القطع].

السرقة ليست مجرد اعتداء على المال بل فيها خسة وتخويف للمجتمع

إذا السرقة ليست فقط اعتداءً على المال، بل هي أيضًا خسَّة ونذالة ونوع من أنواع التخويف حدث فيها.

قال: يُشترط في المال الذي أخذته هذا ألا يكون لك فيه شبهة. فالزوجة عندما تأخذ مال زوجها لا نسميها سارقة، يمكن أن نسميها مفترية لكن لا نسميها سارقة.

والولد عندما يأخذ مال أبيه لا يستطيع القاضي أن يحكم عليه بقطع اليد؛ لأنه ولد خائن خان النظام الأبوي الخاص بالبيت، لكن هذا في البيت.

اشتراط انتفاء الشبهة في المال المسروق كالشريك والزوجة والابن

أما السارق فهو ينبغي أن يكون الذي أخذه - حتى لو كان حرامًا - أن يكون ليس له شبهة فيه. ولذلك قالوا: لو أن الشريك أخذ المال الخاص بالشركة التي هو شريك فيها، لا تكون سرقة. والزوجة مع الزوج ليست سرقة، والابن مع الأب أو الأب مع الابن ليست سرقة.

لماذا؟ هي في حقيقتها حرام واعتداء على المال، لكن نحن بإزاء حدٍّ، والشرع يضيق الحدود جدًا. الحد سيدنا رسول الله ﷺ يضيقه جدًا، معمول لبيان عظمة الجرم وأنه من الكبائر، ليس معمولًا للانتقام.

موقف النبي ﷺ من المعترف بذنب يستوجب حدًا وتضييق إقامة الحدود

ولذلك عندما جاءه [النبيَّ ﷺ] أحدهم يعترف بذنب يستوجب حدًا، أشاح بوجهه كأنه لم يسمع، فجاءه مرة ثانية وثالثة ورابعة، فقال له:

قال النبي ﷺ: «أمجنون أنت؟»

وأحاله على اللجنة الطبية بلغة العصر، وأتى بقومه لعله يوجد منفذ أن يقولوا: نعم هذا يعني ضعيف هكذا. كان يقول له: اذهب فأنت تتخيل أنك فعلت.

حتى ما إذا أُقيم عليه الحد وفرَّ ورجع عن إقراره بالذنب، قُبِل منه ذلك وقال [النبي ﷺ]: «هلا تركتموه». لماذا يُضيَّق الحد جدًا؟

فائدة الحد الشرعي هي الردع والزجر لا الانتقام من المجرم

إذن ما فائدة الحد؟ قال: ألا تقع في الذنب، أن تعلم أنك إذا سرقت فأنت في دائرة المجرمين الذين قد ارتكبوا كبيرة من الكبائر، تستحق في الشرع أن تُقطع يدك، فلا تُقدم على هذه الجريمة.

أما لو أنه سرق واعترف ولم يرجع وما إلى ذلك، نُفِّذ فيه الحد:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]

معنى اليد في الآية هل هي إلى الكف أم إلى الكتف وقاعدة التضييق

كلمة اليد من أطراف الأصابع حتى نهاية الكف - ارسم الكف في ذهنك هكذا: كاف فاء - أو نهاية الكتف ستزيد تاء. الفرق بين الكف والكتف حرف واحد.

يقول لك: اليد هي ماذا؟ من أطراف الأصابع إلى نهاية الكف أو الكتف؟ تختلف: نهاية الكف تكون هنا، ونهاية الكتف تكون اليد كلها. فتكون اليد تُطلَق على الشيء الكثير وعلى الشيء القليل.

والشرع الشريف بنى الحدود على التضييق، إذن فهي إلى الكف لا إلى الكتف.

قاعدة بناء الحدود على التضييق وتطبيقها على قطع يد السارق

انظر إلى القاعدة: الشرع الشريف بنى الحدود على التضييق دائمًا. ماذا يضيقها هكذا؟ ادرأوا الحدود بالشبهات؛ فلان وعلان وتركان وسلان ممن اعتدى على المال ليس بسارق.

ثم عندما تأتي لتقطع، ما هو النص يقول يده، نقطعها من هنا [أي من الكف]. قال له: الله! تقطعها من هنا [أي من الكتف]؟ فكأنك فهمت أن الشرع قد بنى الحدود على التوسع، وهو ليس كذلك، إنه بنى الحدود على التضييق.

إذن أنت لم تفهم الشرع، عندما تقول: من الأطراف إلى الكتف، أم لا؟ نعم، موجود في القاموس هكذا من أطراف الأصابع إلى الكف أو إلى الكتف، يمكنك أن تختار إلى الكتف، القرآن يتحملها؛ لأنه قال فاقطعوا أيديهما.

من قال بالقطع إلى الكتف فهو غير فاهم لمقاصد الشريعة والعقوبة

قال: لا، فهذا يعني أنك لست فاهمًا للشريعة ولا فاهمًا مقاصد الشريعة ولا فاهمًا مقصد العقوبة ولا فاهمًا شيئًا على الإطلاق. هذا [القطع] إلى الكتف ممنوعة، إلى الكف.

ولو أن أحدهم - انظر كيف أن الفقه وهو يبني عقليتنا - أفتى بأن [القطع يكون] من أطراف الأصابع إلى الكتف ضُمِّن [أي يتحمل الضمان]، فيكون المفتي هذا قد اعتدى على المجرم اعتداءً يستوجب الضمان.

وفي اليد نصف الدية، فماذا سيدفع إذن؟ نصف الدية إذا كان مخطئًا في اجتهاده. أما إذا كان متعمدًا فيكون فيها قصاص، نعم فيها قصاص.

تحديد موضع القطع من الكوع والكرسوع وشرط ألا يموت المحدود

إذا السارق، نقف عند اسم الفاعل ونعرف مبادئه، ونقف عند معنى السرقة وشروط الحدود، ثم بعد ذلك نرى مفهوم بناء هذه الحدود، ونجعل اليد مضيقة من أطراف الأصابع إلى الكف.

نهاية العظم الذي يلي الإبهام (الكوع)، ونهاية العظم التي تلي البنصر (الكرسوع)، أي يوجد الكوع والكرسوع اللذين هما هاتان العظمتان هذه، ومن هنا يتم القطع.

والمقصود بقطع اليد قطع اليد فقط بحيث ألا يموت، فإذا قُطِعت ونَزَفت فلا بد أن يُحسم - أي يُوقف - النزيف. فإن كنت في مكان لا تستطيع فيه إيقاف النزيف أوقفت الحد، فلا يوجد حد إن كنت في حال لا تستطيع فيه إقامة الحد.

إيقاف الحدود في الحرب وعام الرمادة وعند التباس الأمور

كحال الحرب، قال: يُوقف [الحد]، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

قال النبي ﷺ: «لا حدود في الحرب»

فإن كنت في وقت التبست فيه الأمور أوقفت الحد، فقد أوقف عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] الحد في عام الرمادة [وهو عام المجاعة الشديدة].

ولذلك أوقف المصريون الحد عند التباس العصر. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.