سورة المائدة | ح 970 | 39 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 970 | 39 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • تتحدث الآية عن فتح باب التوبة لمن ظلم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾، مشيرة إلى أهمية المبادرة بالتوبة بعد ارتكاب الظلم.
  • التوبة تتضمن شقين: الأول إيقاف الظلم، والثاني فعل الصلاح لتحييد الذنب ومحوه.
  • رسول الله ﷺ أرشد من وقع في خطيئة إلى الوضوء والصدقة، فالوضوء يغسل الذنوب، والصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار.
  • الذنب إذا لم يبلغ الحاكم تقبل فيه التوبة ويسقط به الحد، فلا ينبغي التفتيش عن المذنب التائب.
  • استلهم العلماء المسلمون من فكرة التوازن في التوبة نظرية التوازن الجسدي في الطب والبيئة.
  • إصلاح ما أفسده الإنسان من البيئة هو امتداد لمفهوم "وأصلح" في الآية.
  • القرآن هداية متكاملة تتسع دوائر فهمها دون تناقض، فهو كتاب الله المسطور كما أن الكون كتابه المنظور.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية السرقة والتوبة من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد آية السرقة:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 38-39]

فتح باب التوبة للمذنب وبدء صفحة جديدة ملؤها الإيمان والإصلاح

في هذه الآية يفتح الله سبحانه وتعالى باب التوبة، وهكذا شأنه سبحانه وتعالى دائمًا لمن أذنب؛ حتى يبدأ صفحة جديدة وحياة جديدة ملؤها الإيمان، وملؤها الطاعة، وملؤها الالتزام، وملؤها الإصلاح.

ويشير [الله سبحانه وتعالى] إلى أن من تاب، تاب الله عليه، فمن تاب من بعد ظلمه. وتشير الآية أيضًا إلى أن شأن من ظلم الإسراع في التوبة؛ فقد رُسِمت الطريقة لمن ظلم ماذا يفعل.

منهج الإسلام في محو السيئات بالحسنات والوضوء والصدقة

ولذلك كلما ارتكب الإنسان مظلمة أو سيئة، فإن الطريقة في ذلك أن يبدأ في فعل الحسنات لتمحو السيئات:

﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]

ولذلك يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يسأله أحدهم أنه وقع في خطيئة، فيقول:

«اذهب فتوضأ»

فالوضوء كأنه من مكفرات الذنوب، ويتكلم [النبي ﷺ] عن الوضوء أنك عندما تتوضأ تتحاتّ ذنوبك منك كما تتحاتّ الورق من الشجر في الخريف، يعني تسقط، أي تُغسَل. فعندما تجعل الوضوء لله يغسل ذنوبك.

الوضوء على الوضوء نور على نور وفوائده في غفران الذنوب

ولذلك كان [النبي ﷺ] يقول:

«الوضوء على الوضوء نور على نور»

يعني الوضوء هدفه إزالة الحدث حتى نذهب إلى الصلاة. حسنًا، أنا متوضئ! قال له [النبي ﷺ]: لا، ليس هذا فقط، بل له هدف آخر وهو أنه يضيف إليك نورًا. والنور الذي يضيفه إليك في المرة الثانية هو عبارة عن غفران الذنوب.

اذهب فتوضأ. وكان [النبي ﷺ] عندما يُسأل عن خطيئة ارتكبها أحدهم، فيقول له:

«تصدّق، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»

برنامج الإصلاح لمن ظلم: التوبة والإصلاح وتحييد الذنب

فماذا نفعل إذن؟ وما هو البرنامج لمن ظلم؟ أن يأتي بالخيرات، ولمن أفسد أن يأتي بالصلاح، ولمن أسرف أن يأتي بالطاعات، ولمن عصى أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى.

فهناك توبة وهي قرار إيقاف الظلم وقرار بدء الصلاح، وهناك إصلاح. وكأننا نريد أن يكون الذنب محايدًا.

نقول ماذا في قضية تحييد الذنب؟ فيقول [الله تعالى]: فمن تاب من بعد ذنبه، هذا قرار الإقالة [أي التوقف عن الذنب]، وأصلح، هذا قرار تحييد الذنب، قرار محو الذنب. فأصبحت صحيفتك بيضاء، أصبحت صحيفتك محايدة، هناك توازن.

أثر التوبة في غفران الذنوب وسقوط الحد قبل بلوغ الحاكم

فإن الله يتوب عليه، يبقى فيه أثر لهذه التوبة.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 39]

ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم [بيّن أنه] إذا لم يبلغ الذنب الحاكم — لأن بلوغه إلى الحاكم معناه أنه قد شاع — إذا لم يبلغ الذنب الحاكم، إذن فهو لم يَشِع بعد، تُقبل فيه التوبة ويسقط به الحد، ولا يفتش الحاكم من أجل أن يوقع الحد والعقوبة على المذنب.

تحذير الحكام من تلفيق التهم والبحث وراء من تاب وستره الله

يبقى أن بعض الحكام في عالمنا الآن يلفق التهمة للشخص كي يأتي بعمل [يعاقبه عليه]. لا بد أن يراعي ربه، وليعلم أن هذا الولد [أي الشخص] الذي تاب وستر الله عليه، لا يجب ولا ينبغي ولا يُستحسن أن يبحث وراءه حتى يوقع به لإتمام العقوبة.

فإنه إن تاب قبل أن أقدر عليه، فتوبته مقبولة بينه وبين ربه. ويجب عليه أن يقرر التوبة أولًا، وأن يصلح حتى يمحو ذنبه ثانيًا. فمن فعل ذلك تاب الله عليه.

نظرية التوازن الجسدي عند الأطباء المسلمين مستوحاة من مفهوم التوبة القرآني

هذه الفكرة الشرعية القرآنية — فكرة المحو، فكرة الحياد — أخذها الأطباء المسلمون في بدايات الإسلام وفي حضارات الإسلام، وبنوا نظرية التوازن الجسدي وتكلموا عنها. وممن تكلم عنها الإمام الغزالي.

وأن المرض يأتي من اختلال التوازن الجسدي، كما أن المرض القلبي الشرعي يأتي من اختلال التوازن بالسيئات. فإذا قلّت حرارتك يكون هناك مرض، وإذا زادت حرارتك يكون هناك مرض؛ إنه اختلال التوازن.

تطبيق مبدأ التوازن في العلاج بالأضداد والأطعمة المناسبة

ولذلك يعطيك ضدًّا لضد حتى يحايد. فأنت إذا كان عندك ارتفاع في الحرارة يقوم بإعطائك كمادات لكي تخفض الحرارة، وإذا كان عندك انخفاض في الحرارة وتشعر بالبرد فيدفئك بالبطانية كي ترتفع الحرارة.

ويُراعى أن يكون ذلك أيضًا في الأطعمة؛ فهناك أطعمة ترفع الحرارة وأطعمة تخفضها. إذا كان لديك ارتفاع في الحرارة فلا تتناول الأطعمة التي تزيد الحرارة؛ فنحن نريد خفضها. وإذا كان لديك انخفاض في الحرارة فلا تتناول أيضًا الأطعمة التي تزيد هذا الانخفاض، بل تُعطى لك زيادة في درجة الحرارة. وهكذا.

تطبيق مبدأ الإصلاح القرآني على البيئة والتوازن الكوني

وعندما ظهر تلوث البيئة فكروا في هذه الحيادية. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح، لابد أن يصلح. ويقول لك: تعال احسب كم تُفسد في الكون، وكم تستهلك من الكهرباء، وكم تستهلك السيارة، وكم تستهلك من الورق. فهذا الورق يأتي من الشجرة تُزرع لتنفع.

ماذا ستفعل؟ أصلِح ما أفسدته. كم تأكل أنت؟ إذن يجب عليك أن تزرع بعض القمح أو تساهم فيه أو تساعد فيه؛ لكي تبقى البيئة متوازنة.

توسيع دائرة آية التوبة من السرقة إلى كل الذنوب ومنهج الحياة

فمن تاب من بعد ظلمه — انظر كيف أنها نزلت في السرقة، لكن نوسعها إلى كل الذنوب، ثم نوسعها إلى المعاملة مع الله، ثم نوسعها إلى الخَلْق والحياة ومنهج الحياة. فيصبح كأنك هو [أي كأنك تعيش بمنهج الله الشامل].

وهذا نوع من أنواع طلب الهداية من القرآن. لماذا كان هذا القرآن هاديًا للمتقين؟

﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

لأنه كلما اتسعت دائرته معك دون تناقض معقول، وكلما ضيّقت الأمر وذهبت إلى الدائرة الأقل وجدت أيضًا هناك دون تناقض معقول.

طريقة قراءة القرآن بالفهم والتداعي بين القرآن المسطور والكون المنظور

إذن من طريقة قراءة القرآن بفهم أن تتداعى أفكارك، وتنتقل من دائرة إلى دائرة إلى دائرة أخرى، فتجد نفسك فهمت هداية الله في هذا القرآن الذي نقول عنه أنه المكافئ والصورة المثلى من الوحي لهذا الكون المحيط.

فإن هذا كتاب الله المسطور وهذا كتاب الله المنظور؛ القرآن كتابه المسطور، والكون كتابه المنظور، وكلاهما من عند الله. هذا من عالم الخلق وهذا من عالم الأمر:

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

وإلى لقاء آخر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.