سورة المائدة | ح 971 | 40 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 971 | 40 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • تأمل الآية الكريمة "ألم تعلم أن الله ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء" تُظهر أن غرضها التنبيه وليس الاستفهام.
  • هذه الآية تدعونا لجعل حقيقة ملكية الله للكون أساساً لحياتنا وتصرفاتنا، فنبني عليها سلوكنا وفهمنا.
  • ملك الله للسماوات والأرض يعني امتلاكه الحقيقي لكل شيء، وتصرفه فيه كما يشاء دون وصفه بالظلم.
  • عيش هذه الحقيقة يؤدي إلى سؤال الله وحده، والاستعانة به، والتوكل عليه، وتفهم معنى "إياك نعبد وإياك نستعين".
  • هذا الفهم يجعل القلب يتغير في التعامل مع الله، ويدعو بيقين الإجابة.
  • إدراك هذه الحقيقة يزيل الخوف من المخلوقين، ويُنتج الرضا والاطمئنان والرحمة بالخلق.
  • كما يجعل الإنسان يتقبل أقدار الله بفهم أعمق، مثل موت الأبناء، مع جواز الحزن الطبيعي الذي لا يغضب الله.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تلاوة آية ملك السماوات والأرض من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 40]

أسلوب السؤال في الآية غرضه التنبيه ولفت النظر لا الاستفسار

هذا سؤال غرضه التنبيه وليس غرضه الاستفسار، وليس كل سؤال في العربية غرضه الاستفسار، بل إن منه ما يكون غرضه التنبيه ولفت النظر، وهذا منها: "ألم تعلم؟"

ربنا يعلم ورسوله يعلم، ولكن لما خاطب الله رسوله بهذا الأسلوب فكأنه يلفت أنظار السامعين، أنظار العالمين، أنظار القارئين المتدبرين لكتابه إلى هذه الحقيقة.

لفت النظر إلى الحقائق القرآنية يعني جعلها أساساً للحياة والتصرفات

ولفت النظر إلى الحقائق معناها الأمر بأن تجعلها قاعدة وأساسًا لحياتك، وأن تبني عليها كل تصرفاتك؛ لأن تصرفاتك حينئذٍ ستكون مبنية على أساس قوي متين، على حقيقة وليس وهمًا، على حق وليس باطلًا.

فعندما نسأل السؤال [الذي غرضه] لفت الأنظار، إذن يؤدي بك إلى أن تعتبر هذا أساسًا لحياتك كلها. فماذا يقول [الله سبحانه وتعالى]؟ أن الله له ملك السماوات والأرض حقيقة.

فماذا لو جعلتها أساسًا لحياتك أن الله له ملك السماوات والأرض؟ كيف تجعلها حقيقة في حياتك؟ أول شيء أن تفهمها، ثاني شيء أن تعيشها، ثالث شيء أن تعيش بها.

معنى أن الله له ملك السماوات والأرض وأنه المتصرف فيها

تفهمها: ماذا يعني أن الله له ملك السماوات والأرض؟ يعني هو يمتلك امتلاكًا حقيقيًا كل شيء في السماوات وكل شيء في الأرض، وبناءً عليه فهو الذي يتصرف في هذا المِلك وهذا المُلك.

المِلك يكون هو صاحبه، والمُلك يكون هو سلطانه، كما يشاء دون أن يوصف بظلم؛ لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير أو التدخل في ملك الغير، وهذا مِلكه ومُلكه.

ثمرات فهم ملك الله للسماوات والأرض من التسليم والرضا والتوكل

طيب، فكل ما يكون في هذا الكون حقه أن نسلمه إلى الله، وحقه أن نرضى به، وحقه أن نتوكل عليه، وحقه أن نطلبه منه.

فَهِمنا ذلك، كيف ستعيشها وكيف تعيش بها؟ تخيَّل أنك لا تسأل إلا الله، وتخيل أنك عندما تسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا الإيمان تفهمه فهمًا آخر:

قال رسول الله ﷺ: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»

وإذا بك تتأمل الفاتحة التي تكرر منك تلاوتها كل يوم سبع عشرة مرة، وإذا صليت السنة سبع عشرة مرة أيضًا، وتقول فيها:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

و"إياك" لما تقدمت على الفعل كما ذكرنا دلت على الاختصاص والحصر والقصر، يعني نستعين بك وحدك.

أثر العيش مع حقيقة ملك الله على القلب والدعاء واليقين بالإجابة

فلو أنك بدأت تعيش في هذه الحقيقة وتعيش مع هذه الحقيقة، فإن قلبك سيتغير في التعامل مع الله؛ لأنك عندما تدعو الله سبحانه وتعالى ستكون موقنًا بالإجابة.

قال رسول الله ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»

وتدعو الله وأنت تسلم له أمرك، فإن استجاب [فالحمد لله]، وإن لم يستجب لم يستجب [وأنت راضٍ بقضائه].

وتدعو الله وتجعل دعاءك عبادة، فتسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك:

قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»

فتأتي وتقول: صحيح، هذا الكلام دقيق؛ لأنك تخلقت به وعرفت ما معنى أن يكون الدعاء عبادة.

الدعاء عبادة فلا اعتراض ولا استعجال بل إلحاح وطلب المزيد

الدعاء عبادة، إذن لا يوجد اعتراض ولا عجلة ولا استعجال ولا تبرم ولا اعتراض ولا شيء من هذا كله، هذه عبادة وأنت في نفس الوقت تطلب منه المزيد وتعبده وتسأله وتلح في السؤال وتستمر؛ لأنه عبادة.

وتفهم ويفتح لك من الفهم ما لم يكن قد فُتح لك من قبل، إذا عرفت أن لله ملك السماوات والأرض وأنه هو المالك والملك.

ثمرات معرفة ملك الله من عدم الخوف من أحد ومعرفة حقيقة البشر

إذا عرفت هذه الحقيقة وعشتها فإنك لا تخاف من أحد إطلاقًا، لا يوجد خوف أبدًا. أي هو كما هو، مَن أنت؟ لا أعرفك، ما أعرفه هو الله، لا أعرفك.

لكنني أعرف أنك بشر تذهب إلى دورات المياه لقضاء حاجتك، وتأكل ثلاث مرات في اليوم على الأقل لكي تقيم صلبك، وإذا تعبتَ، وحتى لو أكلت مرة واحدة، ستجد نفسك مصابًا بدوار وهكذا، مغمض عين غير مركزة معنا.

سبحان الله، من أنت؟ ليس احتقارًا لك وإنما أصفك بصفتك الحقيقية أنك مخلوق ضعيف، أما هو فهو القوي.

ثمرات العيش مع آية ملك الله من التوكل والاطمئنان والرحمة بالخلق

إذا عشت هذه الآية:

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [المائدة: 40]

هذا الجزء من الآية: "ما له ملك السماوات والأرض"، فإنك بالإضافة إلى التوكل والتسليم والرضا، وأنك تسأله سبحانه وتعالى، وأنك لا تحزن على شيء فاتك، وأنك تعيش في اطمئنان دائم وعدم خوف من أحد.

فإنك أيضًا وما دام أن الله له ملك السماوات والأرض، تجد نفسك عطوفًا على الخلق، ترحم الخلق؛ لأن الله له ملك السماوات والأرض، وتقرأ الكون على مراد الله.

قصة الشبلي الذي ضحك عند موت ابنه وقراءته للقدر بعين الرضا

مرة شخص اسمه الشبلي توفي ابنه، فقالوا له: ابنك مات، فضحك. قالوا: أأنت مجنون أم ماذا؟ نقول لك ابنك مات وتضحك؟

قال: إن معنى ذلك أن الله كتب لي ثوابًا كبيرًا جدًا، وأسبق هذا الولد إلى الجنة لكي يُدخلني الجنة.

قصة الولي الذي بكى عند موت ابنه وفهمه لمراد الله من البكاء

وقالوا لرجل من أولياء الله: ابنك مات، فبكى بكاءً شديدًا. فقالوا له: لماذا تبكي؟ إن الشبلي قد ضحك. قال: الشبلي رأى نفسه.

هذا الشبلي يرى نفسه، يعني هو لم يرَ إلا أن الولد سيدخله هو الجنة، لكن هذه رسالة من ربنا، أنا أحزن وأبكي. يعني ربنا أراد عندما أخذ ولدي أنني أبكي، فهو يقول لي: ابكِ واحزن الآن.

انظر ما يحدث، يعيش في محل نظر الله، يعيش فيها على الدوام. قال: إننا نبكي الآن لأن الله أخذ الولد، فلماذا؟ إذن من أجل أن يبكي.

البكاء عند المصيبة مقام رباني وحديث النبي عند وفاة ابنه إبراهيم

وهل يستطيع المرء أن يسيطر على نفسه ويبكي هكذا؟ هو فقط يبكي لأن الله سبحانه وتعالى أراد له هذا المقام الآن.

قال رسول الله ﷺ: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول ما يغضب الله، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون»

والسلام عليكم ورحمة الله.