سورة المائدة | ح 973 | 41 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يخاطب الله نبيه محمد في سورة المائدة قائلاً: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" وهذا الخطاب يشمل العلماء أيضاً كونهم ورثة الأنبياء.
- •ما يوجهه الله للرسول من أوامر بالصبر والعفو وعدم الحزن على المعرضين يشمل العلماء الذين يقومون بمهام النبي بعد ختم النبوة.
- •العلماء مكلفون بتفسير الدين وبيان أحكام الله للناس كما كان يفعل الأنبياء، وهذا مقام خطير ومسؤولية عظيمة.
- •وصف النبي العلماء بأنهم "كأنبياء بني إسرائيل" لأنهم يقومون بالاتصال بالناس وتبليغ الدين.
- •يجب على العلماء ألا يحزنوا من الذين يسارعون في الكفر أو يحاربون رموز الدين.
- •كان النبي قوياً في الحق، غيوراً على حرمات الله، يغضب إذا انتهكت محارم الله.
- •المنافقون قديماً وحديثاً يدّعون الإيمان بألسنتهم لكن قلوبهم خالية من الإيمان.
افتتاح الدرس وتلاوة آية من سورة المائدة في خطاب الرسول
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 41]
هذه آية عظيمة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وكل آيات القرآن عظيمة، والقرآن عظيم.
توجيه الخطاب للرسول وما يختص به من أحكام دون الأمة
وهنا يوجه الخطاب إلى سيد الكائنات صلى الله عليه وآله وسلم:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ﴾ [المائدة: 41]
قال العلماء أنه كلما وُجِّه إلى سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما لا يختصُّ به من حُكمٍ — في بعض الأحكام تختصُّ بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو الحال في الزواج [حيث أُبيح له ما لم يُبَح لغيره]، كما هو الحال في قيام الليل كان فرضًا على رسول الله وليس فرضًا على الأمة — وهكذا فكل ما توجه إلى الرسول يرثه فيه العلماء، وهو يقول:
قال رسول الله ﷺ: «العلماء ورثة الأنبياء»
ما أمر الله به نبيه من الصبر والعفو موجه أيضاً إلى العلماء
فإذا أمره [الله نبيَّه ﷺ] بالصبر وأن يتجاوز أخطاء الآخرين، وأمره بالعفو وبالصفح، وأمره بأن لا يحزن، وأمره بأن لا تذهب نفسه عليهم حسرات، وأن لا يبخع نفسه عليهم — أي لا يُهلك نفسه عليهم — وأمره بالديمومة في العمل؛ فإن كل ذلك موجه إلى حَمَلَة الدِّين من بعده.
وحَمَلَة الدِّين هم العلماء، والله سبحانه وتعالى يُقيم العلماء فيما أقام فيه الأنبياء. وفي الحديث:
«عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ»
دور أنبياء بني إسرائيل ومن يقوم مقامهم في أمة محمد ﷺ
يقوم النبي في بني إسرائيل بتجديد الدين، ويقوم النبي في بني إسرائيل بتفسير الدين، ويقوم النبي في بني إسرائيل بالاتصال مع الشعب، مع الجمهور، من أجل أن يُبقي الدين فيهم.
ولكنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد خُتمت به النبوة والرسالة، فمن يقوم بمثل هذا؟ الناس في حاجة إلى بيان، وفي حاجة إلى رحمة، وفي حاجة إلى دعاء، وفي حاجة إلى تفسير، وفي حاجة إلى معرفة حُكم الله ومراده.
من الذي يقوم بهذا في أمة النبي المصطفى؟ العلماء. فمقام العلماء مقام خطير، كله سلطة وكله مسؤولية.
تربية الله لنبيه موجهة للعلماء وعليهم مسؤولية التقوى والبيان
ولذلك فإن ما ربَّى الله به نبيَّه وأنبياءه فإنما هو أيضًا موجه إلى العلماء، حتى وإن لم يصلوا إلى درجة النبوة وإلى الحفظ التام وإلى العصمة الإلهية لهؤلاء المبلِّغين عن رب العالمين؛ إلا أن عليهم مسؤولية كبيرة يجب عليهم فيها تقوى الله.
ومن هذه التربية التي ربَّى ربُّنا فيها نبيَّه، وبالتالي يُربي عليها علماءَ الأمة، فيقول:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ [المائدة: 41]
فعلى الدعاة إلى الله وعلى العلماء ألا يحزنهم الذين يسارعون في الكفر.
نصيحة العلماء بعدم الحزن من العدوان والاقتداء بصبر النبي ﷺ
كثير جدًا من العلماء تأتي فتشتكي: انظر ماذا يقولون عنا هنا، انظر كيف يحاربوننا، ويحاربون رموز الدين، ويسارعون في الكفر. لا تحزن! إذا كان سيد المرسلين ربُّنا ربَّاه على هذا، لا يحزن.
إنما كان سيد المرسلين لا يغضب [لنفسه]، ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا تغضب ولك الجنة»
لكنه إذا انتُهكت حرمات الله غضب. وكان سيد المرسلين رحمة للعالمين، لكنه لا يقبل الظلم أبدًا في قوة وشدة.
شجاعة النبي ﷺ في الحرب وعبادته بالليل وافتخاره بنبوته
وكان [النبي ﷺ] فارسًا بالنهار راهبًا بالليل، كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه. يا رسول الله، ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ [فقال]: يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا؟
ولكنه [في ساحة المعركة] كنا إذا اشتد الوطيس — احتدمت المعركة — احتمينا برسول الله صلى الله عليه، أسدٌ أسود! ومَن إذن الذين احتمينا [بهم قبل ذلك]؟ هؤلاء إنهم حمزة وعلي وعمر الذين هم أبطال الدنيا، كانوا يحتمون برسول الله من شدة قوته في جسده ونفسيته.
إذا اشتد الوطيس في الحرب احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. شرف وفخر وفخار أنه نبي من عند الله، وكفى بها فخرة.
اصطفاء الله لأنبيائه من خيار الناس وافتخار النبي بقوته وشجاعته
وهو [النبي ﷺ] مصطفى مختار من خيار من خيار من خيار؛ ما أرسل الله نبيًا للناس كذَّابًا، وما أرسل نبيًا من أداني الناس وأسافلهم، وما أرسله مجرمًا تائبًا عائدًا إلى الله، لكن كان يفتخر بأنه الأسد الهصور [الشديد القوي].
وهنا لا بد على العلماء من ألا تحزن قلوبها من العدوان عليهم، وإن كانوا أسودًا فالأسد أسد والكلاب كلاب.
حال المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم
وهنا:
﴿لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ [المائدة: 41]
هؤلاء أناس قد بلغوا في الكفر ما لا تسأل عنهم ولا تحزن عليهم أبدًا. إنهم من الذين قالوا آمنا بأفواههم. عندما تقول لهم إن ما تفعلونه هذا كذب وكفر وأنتم لا زلتم تقولون إننا مؤمنون، يقولون: أتكفِّروننا؟
لسنا نحن من كفَّرناكم، بل أنتم من تكفرون أنفسكم. أنتم لا يعجبكم حاجة، ولا يعجبكم ربنا، ولا حكم النبي المصطفى. حسنًا، نحن ما شأننا؟ أنت الذي تكفِّر نفسك، لست أنا.
حالة النفاق المعروفة منذ خلق آدم ومصير المنافقين في الدرك الأسفل
من الذين كفروا، بل من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.
إذن هي حالة معروفة منذ خلق آدم، تحدث عنها القرآن، تحدث عن طائفة المنافقين:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
