سورة المائدة | ح 974 | 41 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 974 | 41 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص علامة التعانق في القرآن الكريم، ومثالها في سورة المائدة "ولم تؤمن قلوبهم" و"ومن الذين هادوا"، حيث يُستحسن الوقوف على إحداهما دون الأخرى.
  • توضح هذه العلامة فارقاً في المعنى، فالوقوف على "قلوبهم" يعني أن صفة "سماعون للكذب" مختصة باليهود، أما الوصل واستمرار التلاوة فيجعل الصفة شاملة للمنافقين واليهود معاً.
  • علامات الوقف والتعانق لم تكن موجودة في مصاحف عثمان الأصلية، إنما أضافها المفسرون لاحقاً.
  • أرسل عثمان نسخاً من المصحف إلى الأمصار مع قراء، ووصلنا منها أربع نسخ محفوظة في المشهد الحسيني بمصر واثنتان في تركيا وواحدة في تشقند.
  • المصاحف الأولى كانت خالية من علامات الوقف والنقط، وجاء الترقيم والتقسيم والعلامات لاحقاً على يد أبي الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد وغيرهما.
  • يرى الإمام مالك والجمهور أن رسم المصحف توقيفي ومعجز كنظمه.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وبداية تلاوة آية من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41]

ونجد على كلمة «قلوبهم» ثلاث نقط، ومن الذين هادوا، ونجد على كلمة «هادوا» ثلاث نقط أيضًا.

شرح علامة التعانق وكيفية الوقف عليها في القرآن الكريم

وهذه تُسمى علامة التعانق، أي من المستحسن بل هو الأفضل أنك عندما تقرأ القرآن ووجدت علامة التعانق، أن تقف على أحدهما دون الآخر.

فإذا لم تقف على كلمة «قلوبهم»، إذا وقفت عليها لا تقف عند «هادوا»، استمر في التلاوة. وإذا لم تقف على «قلوبهم»، فلا بد عليك أن تقف عند «الذين هادوا».

﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوهُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 41]

إذن «هادوا» لا نتوقف عندها، بل نمضي مباشرة.

الفرق في المعنى بين الوقف على قلوبهم أو الاستمرار إلى هادوا

إذن لا يصح أن نقول: «ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون»، لا تقل هكذا. يمكنك القول: «ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم لم يأتوك».

وما معنى ذلك؟ لو وقفت على الأولى [أي على «قلوبهم»] فهذا يعني أنها فرقة [مستقلة]، والذين هادوا سماعون للكذب، يعني أن صفة «سماعون للكذب» مختصة بفئة اليهود، فربنا وصف هذه الفئة من اليهود بأنهم سماعون.

لكن لو استمررت وجمعت «ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا»، يجب أن تقف الآن. لماذا؟ لأنهم يأتون «سماعون للكذب سماعون لقوم لم يأتوك» تصف الاثنين، تصف المنافقين واليهود [معًا].

مصدر علامة التعانق وعلامات الوقف في المصحف ومصاحف سيدنا عثمان

علامة التعانق من الذي أتى بها؟ المفسرون [هم الذين وضعوها]. علامة التعانق وكل العلامات، علامات الوقف، أحضرناها ولم نجدها في مصاحف سيدنا عثمان.

مصاحف سيدنا عثمان عمل ستة؛ أخذ واحدًا لنفسه باعتباره الخليفة، وأرسل خمسة: واحد لمكة وواحد للمدينة، هو في المدينة لكنه أرسله إلى المدينة، يعني هذا مصحف للأمة، وأرسل واحدًا للكوفة، وأرسل واحدًا للبصرة، وأرسل واحدًا للشام.

وأرسل مع كل مصحف قارئًا يقرأ لهم، ورُسم هذا المصحف طبقًا للقراءات هذه.

النسخ الأربع الباقية من مصاحف سيدنا عثمان وأماكن وجودها

عندما فتحنا هذه المصاحف، هذه المصاحف وصلتنا أو وصل إلينا المنسوخ منها قطعًا. والباقي منها الآن أربعة: واحد في المشهد الحسيني هنا عند سيدنا الحسين في مصر، واثنان في تركيا؛ واحد في طوبكابي وواحد في المتحف، وواحد في طشقند، لكن نسخة طشقند فُقِدَت منها بعض الصفحات.

فيكون معنا كم؟ أربعة. هذه النسخ الأربع إما أن تكون من المصاحف الذي كتبهم [سيدنا عثمان]، إما بعضهم تابع لسيدنا عثمان، وأقدم شيء فيهم هو المصحف الخاص بالمشهد الحسيني الذي عندنا هنا، وإما أن يكونوا منسوخين مباشرة من مصحف سيدنا عثمان.

تأريخ النسخ الأربع وقربها من عصر كتابة المصحف العثماني

لأنه ليس من الممكن أن تتجاوز نسخهم سنة أربعين هجرية، ليس من الممكن أن تتجاوز سنة أربعين هجرية.

فما معنى ذلك؟ إنه قريب عشرة هجرية أو شيء من هذا القبيل، فيكون أربعين يعني في ثلاثين سنة التي كُتب فيها المصحف.

رحلة صحف أبي بكر إلى مصحف عثمان المجلد

صحف أبي بكر وصحف أبي بكر هذه بعده أخذها سيدنا عمر، وبعد سيدنا عمر لم تكن مجلدة بل كانت أوراقًا موضوعة هكذا فسميت الصحف.

بعد سيدنا عمر ذهبت إلى السيدة حفصة، والسيدة حفصة أرسل لها سيدنا عثمان وقال لها: أحضري لي الصحف التي لديكِ لنصنع منها المصاحف. المصاحف هي التي تم تجليدها وأصبحت في مجلد هكذا.

فأصبح مصحف سيدنا عثمان، حيث إنه أول من جلد هذه الأوراق، ثم صنع من هذا المصحف ست نسخ؛ خمسة في الأمصار وواحدًا خصّه لنفسه.

انتقال المصاحف عبر الأجيال ووصول أربع نسخ إلينا

ثم نُقلت من هذه المصاحف، أصبحت المصاحف للخلفاء وللأئمة وهكذا. والحمد لله أن وصل إلينا أربعة حتى الآن، أربعة في العصر الأموي.

خلو المصاحف الأموية من علامات الوقف والنقاط وطريقة كتابتها

غير العباسي، بدأوا في العصر العباسي يكتبون بطريقة أفقية، لكن في العصر الأموي كان مكتوبًا بطريقة رأسية.

عندما رأيناها لم نجد فيها أي علامات: لا علامة وقف، ولا صلي، ولا قلي، ولا جيم، تعانق ولا طيب، ولا تامًا ولا كافيًا ولا أي شيء. فالعلامات كلها جاءت لاحقًا.

ولم نجد فيها نقاطًا؛ النقطة التي على الذال والتي على التاء والتي تحت الياء غير موجودة. ووجدناهم كانوا يكتبون في نهاية السطر نصف الكلمة وفي بداية السطر بقيتها. «الأرض» يكتبون الألف واللام والألف الثانية في نهاية [السطر]، والراء والضاد في أول السطر الثاني، يعني وهكذا.

التزام المصاحف برسم عثماني توقيفي ورأي الإمام مالك والجمهور

ولكنهم التزموا برسم هو رسم المصحف الذي معنا. هذا تجد «إبراهيم» ليس فيها ياء في سورة البقرة وفيها ياء في سائر القرآن.

طيب لماذا؟ ولذلك مالك والجمهور معه، الأئمة معه، يرون أن رسم المصحف توقيفي.

ما خصوصية ذلك يعني؟ وقالوا رسمه معجز كما أن نظمه معجز في نفسه، فسنحافظ على هذا.

العلماء الذين وضعوا علامات الوقف وتقسيم المصحف إلى أجزاء وأحزاب

حسنًا، والعلامات أصبحت بعد ذلك؛ جاء أبو الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد وأبو بكر بن عياش وقسموه إلى ثلاثين جزءًا. وبعد ذلك المسلمون قسموه إلى حزبين وأربع تربيعات وهكذا، ووضعوا العلامات هذه كلها يعني لخدمة القراءة.

لكن الصحابة ما لم أفعل ذلك [أي لم يضعوا هذه العلامات]. من إذن؟ من أين أحضرتموه؟ ما المصدر إذن؟ قال: من التفسير [أي من كتب التفسير استُخرجت هذه العلامات].

وصف اليهود بالسماع للكذب وأن الذم للصفات لا للأعراق

ومن الذين هادوا سماعون للكذب طوال عمرهم، سماعون للكذب، يسمعون ويستجيبون، يسمعون ويجلسون يسمع [الكذب]. ربنا وصفهم بذلك:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

ليس لأنهم يهود، لا، فسيدنا موسى نبي من أنبياء المسلمين، وإنما صفاتٌ نهى الله عنها تمسكوا بها: الكذب والملاوعة [المراوغة]، ويظن نفسه أنه أذكى من الآخرين، واغتصاب الأرض.

من يفعل ذلك سواء كان مسلمًا أو يهوديًا أو مسيحيًا أو هندوسيًا سيكون مغضوبًا عليه من الله سبحانه وتعالى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.