سورة المائدة | ح 977 | 41 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 977 | 41 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • الآية "ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه" تتضمن أسلوب الاحتباك، وهو حذف من الجملة الأولى ما يُستدل عليه من الثانية والعكس.
  • تعليم النبي ﷺ كيفية الموازنة بين المبادئ والمصالح دون التفريط في أي منهما، خلافاً لما يفعله الساسة الذين غالباً ما يضحون بالمبادئ من أجل المصالح.
  • اكتسبت السياسة سمعة سيئة لأن الساسة يضحون بالمبادئ من أقرب طريق للمصالح.
  • الآية تضع أسساً للعقل السياسي المسلم بعدم الانصياع للقول "إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا".
  • ينبغي تربية الأجيال على كيفية المحافظة على المبادئ والمصالح معاً دون ترجيح أحدهما على الآخر.
  • القرآن كتاب هداية يبني العقل ويرسم منهجاً، وهو حمّال أوجه وله معانٍ متسعة.
  • القرآن نسق مفتوح يعطي كل من طلب الهداية واتقى الله.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أسلوب الاحتباك في سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وعند قوله تعالى:

﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 41]

وقلنا إن هذه الآية فيها من البلاغة نوع احتباك، والاحتباك نادر في كلام العرب لكنه موجود.

شرح أسلوب الاحتباك بالتطبيق على آية سورة آل عمران

قال تعالى:

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ﴾ [آل عمران: 13]

فئة تقاتل في سبيل الله، التفصيل الخاص بها ماذا؟ فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله. وأخرى كافرة، والتفصيل الخاص بها ماذا؟ وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت.

يعني حذفنا «تقاتل في سبيل الطاغوت» لدلالة القتال في سبيل الله في الجملة الأولى عليها، وحذفنا كلمة «مؤمنة» في الأولى لدلالة كلمة «كافرة» التي هي في مقابلتها في الجملة الثانية.

بيان حذف كل جملة ما يُستدل عليه من الأخرى في الاحتباك

فحذفنا من الأولى شيئًا يُستدل عليه من الثانية، وحذفنا من الثانية شيئًا يُستدل عليه من الأولى. هذا كلام لا تجده كثيرًا في كلام الناس، لكنه موجود في كلام الله سبحانه وتعالى، أعلى أنواع الكلام.

يمكن طبعًا لشخص أن يقلد هكذا، يقلدها، إنما سبحان من أنزل كتابه على أعلى أنواع البلاغة من لغة العرب.

موقف المنافقين من ربط الأمور بالمصلحة دون المبدأ

يقولون:

﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا﴾ [المائدة: 41]

إذن هذا الكلام فيه مصلحة، لي [أي لمصلحتي] تأخذه؟ ليست لك مصلحة فيه، فاحذر. هذا كلام المنافقين؛ لأنهم ربطوا الأمر بمحض المصلحة ولم يربطوه بالمبدأ.

عندنا قضيتان: المبدأ والمصلحة. سيد الخلق [صلى الله عليه وسلم] يعلمنا كيف لا نفرط في المصلحة ولا نفرط في المبدأ.

لماذا اكتسبت السياسة سمعة سيئة بسبب التضحية بالمبادئ

والذي يحدث عند الساسة أنه يصعب عليهم أن يحافظوا على الاثنين جميعًا، فتراهم غالبًا ما يضحون بالمبادئ في سبيل المصلحة، حتى شاع أن السياسة نجاسة، وأنه لعن الله ساسَ ويسوس وسياسة ونجاسة.

لماذا اكتسبت السياسة هذه السمعة الرديئة؟ لأنه كلما خُيِّر [السياسي] بين التمسك بالمبادئ والتمسك بالمصالح - والتمسك بالمصالح هو واجب الإنسان مع وطنه وناسه - فإنه يضحي بالمبادئ من أقرب طريق للمصالح.

تبرير التضحية بالمصالح من أجل المبادئ عند بعض الساسة

وإذا في مرة من المرات ضحى [السياسي] بالمصالح من أجل المبادئ، علّل ذلك أنه بعيد النظر وأنه يريد المصلحة العليا البعيدة، ولذلك ضحى بالمصلحة [القريبة] حتى يتزيّا بالمبادئ، على كأنه يتبرأ من المبادئ، وكأن التمسك بالمبادئ معيب.

ولذلك لم نرَ مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا كيف نوازن بين المبادئ والمصالح ولا نترك شيئًا منها، وأسس لنا هذا تأسيسًا وجعلنا على أرضية صلبة.

التأسيس النبوي للموازنة بين المبادئ والمصالح دون تفريط

بحيث أننا لا نفرط في المبادئ دينًا ولا نفرط في المصالح دينًا أيضًا، وليس هناك تناقض بين المبادئ وبين المصالح.

هذه الآية تصلح لوضع أسس سياسية للعقل السياسي المسلم المفكر، حيث إنه يُوجَّه بأن مما لا يرضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين أن يقول:

﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا﴾ [المائدة: 41]

وأن هذا هو نوع من أنواع الفتنة والاختبار والامتحان التي ينبغي على المفكر السياسي ألا يقع فيها.

من يرد الله فتنته والأمر بالتربية الفكرية والسياسية

ولذلك قال [تعالى]:

﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ [المائدة: 41]

يعني من يريد الله ضلالته وإضلاله فلست عليه بوكيل ولا حفيظ ولا مسيطر، ماذا ستفعل له إذن؟

هذا أمر لنا بالتربية الفكرية والسياسية، أن نربي أبناءنا على كيفية المحافظة على المبادئ والمصالح معًا، وأننا لا نرجح إحداهما على الأخرى؛ لأننا لو رجحنا المبادئ لضاعت المصالح وفي هذا تضييع للأمة، ولو رجحنا المصالح لضاعت المبادئ وفي هذا تضييع للرسالة، ونحن لا نريد لا أن نضيع الرسالة ولا أن نضيع المصالح.

أثر الموازنة بين المبادئ والمصالح على مناهج التعليم والتفكير

كيف هذا؟ هذا يجب أن يؤثر على مناهج التعليم وعلى طريقة التفكير المستقيم وعلى التدرب على توليد هذا [التوازن] وتداعي الأفكار فيها، حتى يصبح المؤمن عالمًا بزمانه، مدركًا لشأنه، قادرًا على التفكير.

كما ورد في الحديث النبوي الشريف فيما أخرجه ابن حبان في نصيحة آل داود:

«أن يكون المؤمن مدركًا لشأنه عالمًا بزمانه» أخرجه ابن حبان

إذن القضية واضحة، والنبي صلى الله عليه وسلم فعلًا تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

خطأ حصر الآية في معنى واحد وأهمية استيعاب معانيها المتعددة

ربما كثير من قارئي القرآن عندما يقرأ هذا قد لا يفهمه أو يحصّره في مسألة ضيقة. ماذا تعني:

﴿سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ [المائدة: 41]

يعني أن يقرأها هكذا وهي غامضة عليه، أو يقرأها ويحصرها في تحريف اليهود للتوراة؟ لا، ليس هذا كتاب هداية [فحسب]، هذا كتاب يبني العقل، هذا كتاب يرسم منهجًا، هذا كتاب يُري معالم الطريق إلى الله، هذا كتاب عظيم جدًا.

القرآن حمّال أوجه ومعانيه المتسعة لا تتناقض بل تتنوع

أنت هكذا بهذا الشكل حصرته في معنى واحد، لا، إنه له معانٍ متسعة ووجوه مختلفة، والقرآن حمّال أوجه، هذه الوجوه نستفيد منها.

وهل الذي فسرت به أنا الآن الآية مقبولة؟ بل وفُهمت بها العبارة، وانفكّ بها الإشكال، وزال بها الضباب. إلا أن سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] - عندما سألوه: هل معكم شيء غير القرآن؟ - قال: إلا فهمًا يؤتاه الرجل منا في القرآن.

الفتح الرباني في فهم القرآن لمن أراد الاستفادة والاهتداء

يعني ربنا يفتح هكذا ويفتح. لماذا؟ لأنني أريد الاستفادة منه، أريد أن أهتدي بهديه. يقول تعالى:

﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

نرجو أن نكون منهم يا رب. افتح لي الآن، أنا داخل [على كتابك] أريد أن أستفيد.

حسنًا، العجب العجاب أنك لو جلست تتأمل لرأيت معنى آخر لا يناقض هذا ولا ينقضه. نعم، كيف يكون الاثنان صحيحين والثلاثة صحيحة أيضًا؟ وهذا ما يسمونه اختلاف التنوع.

القرآن نسق مفتوح لا تنتهي عجائبه ويعطي الهداية لمن اتقى

لماذا [لا تنتهي عجائب القرآن]؟ لأن كل كلام هو كلام الله، فلماذا لا تنتهي عجائبه ولا يُمَلُّ من كثرة التكرار؟ لأنه نسق مفتوح، نسق مفتوح، وهذا النسق المفتوح يعطيك كل ما طلبت الهداية وكل ما اتقيت الله سبحانه وتعالى معه.

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: 41]

فالقضية قضية مناهج وعقول، وألباب يبنيها ربنا سبحانه وتعالى.

جزاء من لم يطهر الله قلبه في الدنيا والآخرة والخاتمة

لهم في الدنيا خزي بالفشل أو بأن يكونوا مع المدمرين لا مع المعمرين، فهناك معمِّر وهناك مدمِّر.

ولهم في الآخرة عذاب عظيم؛ لأنهم لم يقفوا عند التكليف ولم يريدوا من ربهم التشريف.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.