سورة المائدة | ح 979 | 44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 979 | 44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

14 دقيقة
  • تفسير آية المائدة "وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين" يبين موقف بعض الناس الذين يأتون للتحاكم ظاهرياً وهم يريدون الهروب من الحكم الشرعي.
  • هؤلاء يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم رغم أن لديهم الحكم واضحاً في التوراة، آملين أن يحكم بما يوافق أهواءهم.
  • المسلم مطالب بألا يكون كذلك، بل يسأل بنية الالتزام بالحكم الشرعي، وليس بهدف الهروب منه.
  • قصة الزبير بن العوام مع الرجل الذي اتهم النبي بالمحاباة توضح هذا المعنى، فكان الرد النبوي العودة إلى العدل الصارم عندما رفض الرجل الفضل والإحسان.
  • القرآن ينتقد نقائص أقوام بني إسرائيل ويحذرنا من الوقوع فيها، مع إنصافه وتأكيده أن التوراة "فيها هدى ونور".
  • المسلمون يؤمنون بجميع الأنبياء وكتبهم، ولذلك لهم الريادة والقيادة للأمم.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

تفسير آية وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَآ أُولَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43]

يعني إن بعض الناس في الظاهر يريد أن يتحاكم إلى كتاب الله، وفي الحقيقة هو يريد أن يهرب من كتاب الله. عندهم التوراة واضحة محددة جلية، يتركونها ويذهبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم عسى أن يحكم بشيء هو أخف منه.

موقف اليهود من حكم النبي بين القبول والرفض حسب أهوائهم

فإن حكم [النبي صلى الله عليه وسلم] بشيء هو أخف منها [من حكم التوراة] تحججوا وقالوا: والله محمد فعل هكذا، فيكون محمد في هذا الموضع [حجةً لهم].

وإن حكم بمثلها قالوا: حسنًا، وأنت ماذا أحضرت من عندك؟ نحن لدينا أيضًا مثل هذا.

وإن حكم بما هو أشد منها تركوه وقالوا: لا، ديننا أفضل.

حسنًا، ولماذا تأتون إليه وعندكم التوراة فيها حكم الله بوضوح وتحديد؟ لماذا تأتون إلى النبي عسى أن تصيبوا شيئًا من ذلك؟

غرض اليهود من التحكيم كان الهرب من الحكم لا طلبه

طيب، وهل هذا حرص أو دليل على الحرص أنهم يحكمون الله ويحكمون شرعه، أم يفعلون هذا بناءً على فرصة الهرب لا الطلب؟ بل هذا بناءً على فرصة الهرب لا الطلب، والله عليم بما يضمرون.

فقال [سبحانه وتعالى]:

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ﴾ [المائدة: 43]

لكن بعد ما يأخذون منك الكلام وهو بالعدل، يتولون من بعد ذلك، يمضون ولن يطبقوا هذا ولا ذاك.

﴿وَمَآ أُولَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43]

فيكون الذي دفعهم هو رغبة الهروب وليس التزام الطلب.

توجيه الآية لنا بأن نسأل بنية الالتزام لا بنية الهرب

ومن هنا، ولما نعى [الله سبحانه وتعالى] عليهم ذلك، ولأننا عندما نقرأ القرآن إنما نقرأه لأنفسنا لطلب هدايتنا، نعلم من هذه الآية أن الله يرفض أن نفعل ذلك ولا نكون أمثالهم في الشر.

ولذلك عندما تذهب لتسأل، لا تسأل بنية الهرب وإنما اسأل بنية التزام الطلب. هذا ما يوجهه لنا نحن إذن.

يعني هذه الآية، آيتنا نحن، تصف خصلة رديئة وصفة غير مرضية في الأقوام الآخرين، فماذا نفعل؟ ابدأ بنفسك، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا.

ما المقصود؟ المقصود أن أفعل الخير ولا أفعل الشر مثل من يفعلونه. يبقى علينا دائمًا أن نُحَوّل كل الآيات على أنفسنا فلا نكون كذلك.

من يسأل العالم ليأخذ ما يوافق هواه لا ما يوافق الشرع

فعندما نأتي للسؤال، بعض الناس يأتي ليسألني ويستفتيني، فيظل يُطيل في السؤال ويتجه شرقًا وغربًا من أجل أن يأخذ مني ما يوافق مصلحته وهواه، لا أن يعرف رأي الشرع الشريف المجرد في مثل حالته.

[فالمؤمن الصادق] صاحب حق طالب به وأخذ، وإن كان غير ذلك أعطاه وبذله. لا، [هذا الشخص] يريد أن يكون الأمر كله له لا عليه.

فإن حكمت [بما لا يوافق هواه] يقول لي: لا، أنت لست فاهمًا. أنا لست فاهمًا؟ حسنًا، افهمني! يجلس يتكلم مرة عن الظلم وهو الظالم، وعن أن الناس يضطهدونه وأن الناس يأكلون حقه وليس له حق يصدق عليه هذا.

غرض الاستنصار بالدين لمصلحة شخصية لا لطلب الحق

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَآ أُولَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43]

لأن غرضهم أن يستنصروا بالدين لمصلحتهم، فإن كان الدين ضد مصلحتهم نحّوه ولم يأخذوا به.

كثيرًا ما جلسنا في جلسات التحكيم نحكم بين الناس بالحق وبما يرضي الله، لكنهم يأبون.

قصة شكوى الرجل الزبير بن العوام في سقي الأرض عند النبي

ومثل هذا حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل يشكو الزبير بن العوام [رضي الله عنه]؛ أرضه بجوار أرض الزبير، يمر الماء على أرض الزبير فيحبسها يومًا حتى تغطي الأرض، وله في السقيا مدة لكي تتشبع الأرض بالماء، ثم بعد ذلك يطلق الماء لكي يصل إلى الأرض التي بعده، وهذا ترتيب معتبر عند الزارعين.

فجاء يشكو أن الزبير يقطع عليه المياه. انظر إلى الكلام! قال [النبي صلى الله عليه وسلم] له: حسنًا، لا عليك يا زبير، دعها تصل إليك يومًا وإليه يومًا.

اتهام الرجل للنبي بالمحاباة وحكم النبي بالعدل بعد رفض الرحمة

هو [الرجل الشاكي] يريد أن يكون الأول [في السقاية]. قال: حكمت له لأنه ابن عمتك! وا أسفاه، لقد أخطأ في حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني سيدنا رسول الله أيضًا لاقى من الحمقى والمغفلين الكثير.

أحكمت له أن كان ابن عمتك؟ أصدق الخلق وأحكم الخلق، الذي ارتضاه الله مصطفى من العالمين، النبي المجتبى والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أراد أن يحكم بالعدل وبالحق وبالفضل والإحسان، فلم يفهم هذا الشخص.

قال إذن: يا زبير، سدّ الماء عليه. دعنا نرجع إلى الحق الآن، وأجرِ المياه في أرضك حتى تصل إلى المستوى الذي يصل في كل مرة إلى ركبتك، وبعدها تفتح له الماء.

من رفض الرحمة استحق العدل وضاعت عليه المزية

حسنًا، هذه عملية لكي يدخل الماء وتنتظر حتى يصل إلى ركبته. لقد قلنا إننا كنا قبل ذلك تستغرق يومين، ولكن هذا يحتاج إلى ثلاثة أيام. حسنًا، الحق هكذا، الصواب أن يكون هو الأول في طريق الماء، يسقي وبعدها يمررها له.

إذا كان الفضل والإحسان لم ينفع، وإذا كنت قد أتيتنا من أجل الهرب لا الطلب، وإذا كان الحكم لا يوافق هواك فتتهم الحاكم، فإذن أنت تستحق أن يكون العدل قبل الرحمة.

وقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا أن تكون الرحمة قبل العدل، فأبى من حُمقه، فضاع عليه المزية التي أرادها له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع الأمر إلى العدل الأول.

إنصاف القرآن للتوراة رغم بيان نقائص أهلها

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى﴾ [المائدة: 44]

انظر إلى الجمال، يعني يمضي [القرآن الكريم] في الحديث عن التوراة ولم يسبّ؛ لأنه يذكر ويصف نقائص عند أولئك الذين آمنوا بالتوراة، إلا أنه يعلمنا الإنصاف: التوراة هدى.

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44]

ما هذا؟ الطوائف تسأل: تعال أيها المسلم، ما رأيك في التوراة التي يؤمن بها اليهود؟ فيقول لك: قال تعالى، قال تعالى. وماذا يعني هذا؟ إنها جزء من إيماننا. نحن نقول ذلك علنًا في المسجد: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور.

موقف الإسلام من سيدنا موسى والتوراة بين الإنصاف والتحذير من الانحراف

ماذا؟ أنت تمدح! ألم تزل تُظهر نقائص أقوام بعد؟ ألست أنت ضد اليهودية؟ انظر إلى الخلط الآن.

لا، نحن لسنا ضد سيدنا موسى، ولا ضد كتاب سيدنا موسى، ولا ضد من آمن بسيدنا موسى. نحن ضد من انحرف عن سيدنا موسى.

فيخلط هذا بأن القرآن ثلاثة أرباعه يشتم بني إسرائيل. لا، هذا الكلام غير صحيح. القرآن يبين النقائص التي لا يرضى الله عنها في أي قوم كان، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نكون مثلهم، وإلا إذا قلدناهم في نقائصهم فإن الله يغضب علينا كما غضب عليهم. ليس في هذا جدال.

القرآن يحذرنا من النقائص ولا يسب الأنبياء ولا كتبهم

فهو [القرآن الكريم] يحذرنا من تلك النقائص، إنما تأتي وتتهم الإسلام والقرآن بأنه يشتم في ثلاثة أرباع كلام بنو إسرائيل. لا، لم يسبّ بنو إسرائيل ولا في صورة نبيهم.

هذا جزء من إيماننا، هذا كليم الله سيدنا موسى:

﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]

ولا [يسبّ القرآن] في كتابه، ها هو:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44]

وما زال أيضًا سيذكر لك صفات لها [للتوراة]. ولا [يسبّ] فيمن آمن به [بسيدنا موسى] عن حق، وإنما أولئك الذين انحرفوا بشريعته وقامت بهم النقائص، حذرنا منهم وحذرنا أن نكون مثلهم.

إيمان المسلمين بجميع الأنبياء يمنحهم الريادة والقيادة للأمم

إذن فنحن لا نحتقر أحدًا في العالمين، بل نؤمن بالأنبياء أجمعين.

ولذلك لنا الريادة عليهم ولنا القيادة للأمم. لنا القيادة لهذه الأمم كلها؛ لأننا آمنا بهم وبكتبهم وبأنبيائهم، وفتحنا قلوبنا في نسق مفتوح.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.