سورة المائدة | ح 981 | 44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 981 | 44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • يشرح النص تفسير آيات من سورة المائدة حول مسؤولية حفظ كتاب الله على مستويين: حفظ الألفاظ والرسوم، وحفظ المعاني والمقاصد والأحكام.
  • الربانيون والأحبار استُحفظوا كتاب الله وكانوا شهداء عليه، ومن يحرف أو يغير فيه فله عذاب عظيم لأنه يصد الناس عن سبيل الله.
  • حذر الله من بيع الآيات بثمن قليل وطلب خشيته دون خشية الناس في قوله: "فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً".
  • بيّن النص تفسير قوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" مستشهداً بفهم ابن عباس الذي فسرها بأنها "كفر دون كفر".
  • أوضح الفرق بين منهج أهل السنة والخوارج في التكفير، فالخوارج يكفرون بالمعصية، بينما أهل السنة يفرقون بين من ترك الحكم جحوداً واستكباراً ومن تركه لأسباب أخرى.
  • أكد ضرورة مراعاة السياق والتدرج في فهم النصوص وعدم التسرع في الحكم بالتكفير.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية إنزال التوراة من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾ [المائدة: 44]

معنى استحفاظ الربانيين والأحبار على كتاب الله بمستوييه

فـالربانيون والأحبار استُحفِظوا، أي طُلِبَ منهم حفظ الكتاب، وحفظ الكتاب على مستويين:

المستوى الأول: أن نحفظ ألفاظه ورسومه.

المستوى الثاني: أن نحفظ معانيه ومقاصده وأحكامه.

استُحفِظوا أي طُلِبَ منهم أن يحفظوا رسمه من غير تبديل، ومعناه من غير تحريف.

شهادة الربانيين والأحبار على أحقية التوراة ومعانيها

وكانوا عليه شهداء؛ الربانيون والأحبار كانوا شهداء على أحقية هذه التوراة وأنها عند الله، وأحقية ما ورد فيها من معانٍ.

ولذلك فإن الذي يغير التوراة في شكلها، أو يغير التوراة في ترجمتها، أو يحذف أو يضيف، أو يقدم أو يؤخر، أو يحرف في معانيها، فويله عند الله عظيم؛ لأنه يكون حجابًا بين الخلق والخالق، ويكون قد حرّف كلام الله.

خطورة تحريف كلام الله والصد عن سبيله بالزيادة والنقصان

وبذلك يصد الناس عن كلام الله الذي بشّر فيه، والذي حكم فيه، والذي أخذ الميثاق فيه على الناس. فبالزيادة والنقصان والتقديم والتأخير والتحريف والتخريف يصد عن سبيل الله بعلم وبغير علم.

وهذا هو معنى الأمر والطلب لهم بالشهادة، فإذا هم أخلّوا بالشهادة فالويل لهم عند الله.

﴿فَلَا تَخْشَوُا ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: 44]

بيع آيات الله بالدنيا وإراقة الدماء من أجل الملك والسلطان

بعضهم اشترى بآيات الله [ثمنًا قليلًا]، تركوا آيات الله وأخذوا الدنيا، أخذوا المناصب الدنيوية بدعوى أنهم يدافعون عن دينهم، ملكٍ، سلطانٍ، دافعوا وحاربوا وأراقوا الدماء من أجل الملك والسلطان.

وصدوا عن سبيل الله، وشوهوا صورة المسلمين خوفًا من أن يؤمن الناس بهذا الدين؛ لأن دين الإسلام واضح مفتوح سهل، ليس فيه أسرار وليس فيه إلا ما بينك وبين الله، حرر العقل الإنساني كل تحرير، أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وعلّمنا الخلق الكريم، ووسّع صدورنا للعالمين.

توجيه الخطاب لأهل الكتاب وللمسلمين بعدم بيع الآخرة بالدنيا

ولذلك:

﴿فَلَا تَخْشَوُا ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 44]

لا نخاف إلا الله.

﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: 44]

فهذا الكلام الموجه إلى أهل الكتاب هو موجه إلينا أيضًا. ولذلك يأمرنا ربنا ألا نشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وألا نبيع آخرتنا من أجل دنيانا.

وفي بعض الأحيان بعض الناس يبيع آخرته من غير مقابل، خوفًا وخشيةً من الناس. ولذلك قدّم فقال:

﴿فَلَا تَخْشَوُا ٱلنَّاسَ﴾ [المائدة: 44]

وكان يكفي أن يقول: فلا تخشوا الناس، أي نخشى ربنا، لكنه أكد مرة بعد مرة وقال: واخشون.

لغة حذف الياء في كلمة واخشون وكيفية قراءتها وصلًا ووقفًا

وترون أن "واخشون" الياء ليست موجودة، "واخشوني" لغةً، أي لغة حذف الياء هنا، لغة هكذا في اللغة نحذف أو نضيف، الاثنان سيّان.

إذن ما الفرق عندما لم نكتب فيها الياء؟ الوقف عليها: فلا تخشوا الناس واخشونْ، تقرأها هكذا.

قلت له: واخشونْ بالرغم من أن النون عليها كسرة؟ إنما هذه الكسرة آتية من الحركة الدالة على الياء المحذوفة "واخشوني".

هل هي ليست واخشوني؟ لو كانت مكتوبة بالياء، كنا سنقولها كيف؟ فلا تخشوا الناس واخشونِي. والآن نقولها كيف؟ فلا تخشوا الناس واخشونْ.

انظر إلى الفرق بين الاثنتين: اخشونْ واخشونِي. ما الذي مكتوب أمامنا؟ من غير ياء، إذن لا نقرأها بالياء، نقرأها من غير ياء. عندما نصلها بما بعدها تُكسر النون: واخشونِ ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا.

آية ومن لم يحكم بما أنزل الله وتوجيهها لجميع أهل الكتاب

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]

وهنا آية عظيمة جاءت في سياق كلام أهل الكتاب، ولكنها موجهة إلى كل أهل كتاب، سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المسلمين.

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]

تفسير ابن عباس لمعنى كفر دون كفر في حكم القاضي المرتشي

وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنه يفسر هذه الآية على مستويات. فالقاضي المرتشي -افترض والعياذ بالله في قاضٍ مرتشٍ- سيحكم بغير العدل، يعني سيحكم بغير ما أنزل الله؛ لأن الله أنزل العدل وأمر بالعدل والقسط.

هذا يعني أنه عندما أخذ رشوة سنُخرجه من الملة؟ كفرٌ، يعني خلاص، قال: هو كفر، لكن كفر دون كفر.

حبر الأمة سيدنا ابن عباس الذي دعا له النبي ﷺ:

قال النبي ﷺ: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل»

سيدنا ابن عباس من العبادلة الأربعة، الفقهاء العظماء من الصحابة: عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو، عبد الله بن مسعود، عبد الله ابن عباس. والعلماء الذين سمّوهم العبادلة؛ العبادلة جمع عبد الله، عبد الله، عبد الله، عباد الله، فيكون الجمع عبادلة.

قاعدة كفر دون كفر عند ابن عباس مقابل منهج الخوارج في التكفير

فسيدنا ابن عباس حبر الأمة وفقيهها علّمنا هذا الجزء أن هناك ما يسمى كفر دون كفر.

أما الخوارج فعندهم أن أي شخص يرتكب أي معصية يصبح كافرًا وانتهى الأمر. ويذهبون مثل الجماعات التكفيرية في أيامنا هذه؛ خوارج، لأن الخوارج كانوا يرون أنك إذا ارتكبت ذنبًا فقد كفرت. فالقاضي المرتشي عندهم كافر، والذي يفعل أي ذنب كافر، فـالتكفير عندهم سهل.

قول عبد الله بن عمر في الخوارج وتطبيقهم آيات المشركين على المسلمين

قال فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيما أخرجه البخاري: ذهبوا إلى آيات أنزلها الله في المشركين فجعلوها في المسلمين أيضًا.

هناك قاعدة أنه لا بد عليك وأنت تفسر أن تجعل لما تقرأ درجات؛ هذه القاعدة الخاصة بسيدنا ابن عباس. وأن تراعي السياق والسباق واللحاق والمآلات، وهذه قاعدة ثانية إلا التي تخص سيدنا عبد الله بن عمرو.

ماذا يقول لك [عبد الله بن عمر]؟ ذهبوا إلى آيات أنزلها الله في المشركين فجعلوها في المسلمين، فهو [الخوارج] لم يراعِ السياق ولا السباق ولا المآلات؛ لأنه لم يراعِ التدرج في الفهم.

درجات الحكم بغير ما أنزل الله بين الكفر المخرج من الملة وضوابط التكفير

فمن لم يحكم بما أنزل الله إنكارًا واستكبارًا، فهذا كفر يُخرجه عن الملة؛ هذه هي الدرجة الثانية.

قالوا: متى لا يحكم إنكارًا واستكبارًا؟ أي عندما يستهزئ بآيات الله، عندما لا يرى الحكمة فيما أمر الله ونهى، عندما يقول هذا الكلام خطأ.

حسنًا، رجل قال هكذا فكفر، من الذي كفّره؟ هو كفّر نفسه. ومن الذي حكم عليه بالكفر؟ ربنا الذي حكم عليه بالكفر، ليس أنا.

إذن لست أنا من يفتش عن الناس وينقّب عنهم حتى أحكم عليهم بالكفر والخروج عن الملة، فإن [تكفير] المسلم صعب، ولا بد أن يكون فاعلًا لذلك قاصدًا عالمًا مختارًا، وعلى ذلك التفصيل في حلقة قادمة.

أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.