سورة المائدة | ح 985 | 48 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 985 | 48 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • أوضح الله تعالى في سورة المائدة أن القرآن الكريم مهيمن على سائر الكتب السماوية السابقة.
  • حظي القرآن بعناية فائقة من المسلمين في الحفظ والكتابة والدراسة، متميزاً عن جميع الكتب السابقة.
  • أورد ابن الجزري في كتابه "النشر" أكثر من ألف طريق للقرآن مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • يُنقل القرآن بالتواتر عبر سلاسل إسناد متصلة ومعروفة، حيث يروي كل شيخ عن شيخه بدقة موثقة.
  • تنوعت قراءات القرآن ليزداد حفظه وضبطه، ووُضعت متون علمية كالشاطبية والطيبة لضبط القراءات.
  • بلغت دقة حفظ القرآن مستوى الحرف الواحد، مثل كتابة كلمة "إبراهيم" في مواضع مختلفة من المصحف.
  • قارن باحث بين قصة يوسف في القرآن والتوراة والكتب الأخرى، فوجد أن ما في القرآن يملأ الفجوات الموجودة في غيره.
  • استحال على محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي بهذا القرآن من عنده لوجود معلومات لم تكن معروفة في عصره.
  • هذا الحفظ الفريد والإعجاز العلمي دليل على أن القرآن كلام الله تعالى.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

تلاوة آية من سورة المائدة في هيمنة القرآن على الكتب السابقة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ فَٱسْتَبِقُوا ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ [المائدة: 48]

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون.

صفة هيمنة القرآن الكريم على سائر الكتب السماوية السابقة

في هذه الآية العظيمة بيَّن الله سبحانه وتعالى صفةً من صفات القرآن الكريم، وأنه مهيمنٌ على سائر الوحي من قبل.

وذلك أن نَقَلَة الوحي [في الأمم السابقة] لم يبذلوا فيه من الجهد ما بذله المسلمون في هذا الكتاب؛ المسلمون كتبوه، والمسلمون درسوه، والمسلمون حفظوه، والمسلمون قرأوه حتى من الغيب [أي عن ظهر قلب] في الصلاة.

كل هذا لم يكن في كتابٍ من قبل، ولذلك نجد للقرآن أسانيد كثيرة.

كثرة أسانيد القرآن الكريم وتفرده بالنقل المتواتر عبر التاريخ

ولذلك نجد للقرآن أسانيد كثيرة؛ عندما جاء ابن الجزري في [كتابه] النشر أورد أكثر من ألف طريقٍ منه، وهو في القرن الثامن الهجري، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا كتابٌ واحد وهو عالِمٌ واحد.

فإذا جمعنا ملايين ممن حفظوا القرآن الكريم، لخرج الأمر من تحت الحصر، أي [أصبح] غير محصور. ولكانت عندنا أسانيد ننقل بها كتاب ربنا؛ ينقل الشيخ فيه عن شيخه، والتلميذ عن أستاذه، إلى منتهاه، وكلهم معروفون.

معرفة تفاصيل حياة كل راوٍ في سلسلة إسناد القرآن الكريم

يعني عندما تأتي وتقول لي: قرأتَ القرآن على مَن؟ يقول لك: على سيدنا الشيخ فلان. مَن هذا الشيخ فلان؟ وُلد سنة كذا، وتوفي سنة كذا، وأولاده كذا، وتعلَّم في المكان الفلاني، وله مؤلفات كذا.

وهكذا، وهو قرأه على فلان، لكنه لم يأخذ منه الإجازة، بل أخذ الإجازة من عِلَّان، وكله موجود. نعرف رأسنا من قدمنا [أي نعرف كل تفصيل في السند].

أيُّ شيءٍ عجيب غريب لم يكن لكتابٍ قط في تاريخ البشرية أبدًا! لا شعر، ولا ديوان شعر، ولا كتاب خُطب، ولا كتاب مقدس، ولا كتاب محترم عند أحدهم أو طائفة من الطوائف، ولا كتاب فريد عجيب، لم يكن في أي لغة كانت بهذا النقل المتواتر المتتالي أبدًا.

حفظ القرآن على مستوى الحرف والأداء وتنوع القراءات لضمان الدقة

فهذا الكتاب محفوظ، ومن أجل هذا الحفظ الدقيق الذي كان على مستوى الحرف، وكان على مستوى الأداء؛ كل حرفٍ الشيخ يقول لك كيف تنطقه.

ونوَّع الله قراءاته لكي نحفظه، ولكي نصبح واعين بما هو صحيح وما هو خطأ، وما يصلح وما لا يصلح.

وعندما تحدث عالم القراءات: هل وردت هذه الكلمة؟ فيقول لك: لا، لم ترد بهذه الطريقة في القراءات العشر، وإنما وردت فيما فوق العشر وهو الشاذ الذي لا يُقرأ به. لا، هذه وردت في العشر. لا، هذه واردة في السبع. لا، وهكذا.

حفظ العلماء لمنظومات القراءات كالشاطبية والطيبة والدرة

وتجدهم شيئًا عجيبًا جدًا؛ حافظين شيئًا اسمه الطيبة - طيبة النشر - الذي يحتوي على ألف بيت، والشاطبية التي تحتوي على ألف بيت آخر، والمتممة الدرة التي تحتوي أيضًا على ثلاثمائة بيت أو نحو ذلك.

لماذا هذا؟ لماذا هكذا؟ حتى نحفظه حرفًا حرفًا وليس كلمة [فحسب].

كتابة اسم إبراهيم في سورة البقرة دون ياء دليل على دقة الحفظ الحرفي

هذا كثير! وتجد أن كلمة «إبراهيم» في سورة البقرة دون ياء، وفي سائر القرآن بها حرف الياء.

لماذا؟ حتى نتعامل مع القرآن حرفًا حرفًا؛ فالحرف الخاص بالياء الخاصة بـ«إبراهيم» في القرآن لا نكتبه [في سورة البقرة]، وإنما نكتبه خارج سورة البقرة. داخل سورة البقرة لا توجد ياء، في سورة البقرة هو نفس الاسم «إبراهيم»، داخل سورة البقرة ليس فيه ياء، لكن في [باقي] سورة [سور القرآن غير] البقرة توجد ياء.

لماذا؟ حتى نفتخر على العالمين أننا حفظنا هذا الكتاب المبين بعونه تعالى.

عظمة منظومة الشاطبية في ترتيب القراءات القرآنية وضبطها

أشياء عجيبة غريبة! هذه الشاطبية، عندما تقرأها، يعني غير معقول أن أحدًا من البشر يستطيع أن يفعل هكذا؛ الحرف الأول يدل على كل قراءة بجدول مرتب للقراءات، ويأتي لك بالقراءات التي من السورة وينسبها لهؤلاء [القراء].

حسنًا، القرآن حفظناه، حسنًا، والشاطبية أيضًا [حفظناها]! فتجد الشيخ لا يرضى أن يمنحك الإجازة إلا عندما [تحفظها]. تقول: يا الله ما هذا البلاء! كيف أحفظ هذا؟ فإذا بك تحفظها! ما هذا؟ هو رب العالمين [الذي يُعين على ذلك]، قصة هكذا.

استحقاق القرآن المحفوظ المعجز أن يكون مهيمنًا على الكتب السابقة

فاستحق هذا الكتاب المحفوظ، هذا الكتاب المعجز، هذا الكتاب الرباني، أن يكون مهيمنًا على ما بين يديه من الكتاب [أي الكتب السماوية السابقة].

مقارنة قصة يوسف في القرآن والتوراة والكتب الأبوكريفية غير المعتمدة

شخصٌ ما أحضر سورة سيدنا يوسف ووضعها في جدول؛ سورة سيدنا يوسف موجودة في التوراة، فجمعها هكذا ووضعها في جدول لكي يرى ما هو موجود في سورة سيدنا يوسف في القرآن وموجود أيضًا في التوراة، وما هو موجود في القرآن وغير موجود في التوراة.

وبعد ذلك وجد كتبًا غير معتمدة لدى أهل الكتاب سمَّوها الأبوكريفا، والأبوكريفا تعني غير معتمدة، مثل القراءة الشاذة عندنا غير معتمدة.

فذهب وأتى أيضًا من الأبوكريفا، هو حسنًا، هل ذكرت هذه الأبوكريفا شيئًا يكون موجودًا في القرآن؟ حسنًا، وذهب وعمل جدولًا ثلاثيًا: القرآن، التوراة، كتب أخرى في قصة سيدنا يوسف.

نتائج المقارنة تثبت تفرد القرآن بمعلومات لا توجد في أي مصدر آخر

فظهر أن القرآن فيه أشياء غير موجودة في أي مكان آخر، وأنه توجد أشياء موجودة في التوراة، وأشياء موجودة في الكتب الأخرى.

وهناك أشياء في التوراة غير موجودة في القرآن، وفي الكتب الأخرى أشياء غير موجودة في القرآن.

وبدأ يدرس [هذه المقارنة]، فوجد أن ما هو موجود في القرآن يملأ الفجوات التي ليست موجودة في [التوراة والكتب الأخرى]، وأن ما ليس موجودًا في القرآن يناقض بعضه بعضًا [في تلك الكتب].

استحالة تأليف سورة يوسف بشريًا والدليل على مصدرها الرباني

قال [هذا الباحث]: إننا لو افترضنا أن محمدًا بن عبد الله [صلى الله عليه وسلم] وضع أمامه هذه القصة وجلس يؤلف سورة يوسف، فسيستغرق ستين سنة، ويحتاج أن يكون عالمًا بالسريانية والعبرانية، ويحتاج أن يكون قد اطلع على هذه الكتب الأخرى التي تم اكتشافها حديثًا، والتي كانت موجودة في مخطوطات الجنيزاه ونجع حمادي والبحر الميت، [وهي مخطوطات] كانت مدفونة والنبي [صلى الله عليه وسلم] موجود [في زمنه].

فمن أين أتى سيدنا محمد بهذا الكلام يا جماعة؟ إن صاحب العقل يُمَيِّز. لا إله إلا الله، والسلام عليكم ورحمة الله.