سورة المائدة | ح 989 | 49 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | ح 989 | 49 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • يحذر الله في سورة المائدة من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، مبيناً أن جزاء ذلك الخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة.
  • اتباع بعض الأحكام وترك بعضها يعد نوعاً من اتباع الهوى والاعتراض على الله.
  • هناك خلاف جوهري حول طبيعة الإيمان: هل هو فردي فقط أم فردي ومجتمعي معاً؟
  • من يرى الإيمان فردياً فقط يرفض تدخل الدين في قضايا المجتمع، ويحصر الدين في العبادات.
  • عندما يتولى المعرضون، يوجه الله المؤمن بأن يعلم أن الله سيصيبهم ببعض ذنوبهم.
  • القرآن ينصف الناس ولا يعمم الحكم، فيقول "إن كثيراً من الناس لفاسقون" ولم يقل "منهم" مما يدل على العدل.
  • المسلم مطالب بالثبات على الحق والاستمرار عليه رغم إعراض المعرضين.
  • علم القلب واليقين يعصم المؤمن من الحزن والاهتزاز ويمنحه الثبات.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

أمر الله لنبيه بالحكم بما أنزل والتحذير من اتباع الأهواء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وربنا سبحانه وتعالى يأمر نبيه ويوجهه:

﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49]

وربنا يقول:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]

خطورة الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه وأثره على الفرد والمجتمع

إذن فمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب، وأخذ بعض الأحكام وترك بعض الأحكام، يؤدي إلى خلل وإلى عدم الوصول إلى المقصود، وإلى عدم تحصيل المطلوب، وهذا هو الخزي.

ولذلك من أحدث هذا [الانتقاء من أحكام الله] في نفسه أُصيب بالخزي في الدنيا. ولكن هذا أيضًا نوع من أنواع اتباع الهوى، ونوع من أنواع الاعتراض على الله، ونوع من أنواع الكفر في نهاية الأمر.

فإنه ما فعل وأظهر الإيمان بالبعض إلا لأنه موافق لهواه، وما كفر وردّ بعضه الآخر إلا لأنه يعارض مصالحه وشهوته. ولذلك فهو في الجملة يرفض الجميع ولا يتبع نفاقًا إلا بعضًا.

استحقاق العذاب الشديد لمن انتقى من أحكام الله في الدنيا والآخرة

ومن هنا استحق العذاب الشديد في الآخرة؛ في الدنيا خلط قبيح، وفي الآخرة عذاب شديد.

﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49]

﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ [المائدة: 49]

القضية إنك مهما وعدتُ ومهما قلتُ، فإن الأمر هو اختلاف رؤى؛ هو أصلًا يريد تنحية أن الله هو الحاكم، لا يريده أصلًا من الأساس، ويريد أن يجعل الإيمان شخصيًا لا مجتمعيًا.

الفرق بين من يرى الإيمان فردياً فقط ومن يراه فردياً ومجتمعياً

يقول لك [صاحب هذه الرؤية]: إيمانك الخاص بك، صلِّ في المسجد، صلِّ في الكنيسة، الإيمان بين الشخص وربه، ليس له علاقة بالمجتمع. هذا المجتمع لا علاقة له بالإيمان.

نحن [أهل الإسلام] لا نقول إن المجتمع له علاقة بالإيمان [فحسب، بل نقول إن الإيمان يشمل الفرد والمجتمع معًا]. فإذن الرؤيتان مختلفتان؛ فكلما استمع إليّ لن يقتنع بي إلا إذا اقتنع بالرؤية الأصلية العقدية الأولى، وهي أن الله هو الحاكم وأن الإيمان مسألة فردية ومجتمعية.

أما إذا رأى أن الإيمان ليس مسألة مجتمعية فسيتعجب: أنتم ما الذي أدخلكم في هذه القضية؟

قصة حوار حول حرق الأرز وعلاقة الحلال والحرام بالشأن العام

مرة سألني أناس يقولون: أنحرق الأرز ونلوث البيئة، وهو حلال أم حرام؟ قلت: حرام. فقلت [أي فقال لي]: طيب، لماذا تقول حرام؟ ما شأنك؟ أنا لست فاهمًا. أنا أفهم لكنني أرى نفسي هكذا.

يا الله، ماذا تريد أن نقول للناس؟ حيرة! وقال لي: لا، أنا أريدك أنت أن تصمت. ليس مطلوبًا [منك أن تتكلم]، ما حدث في مسألة الحلال والحرام في الدولة المدنية أن الإيمان ليس له وجود مجتمعي، بل له وجود فردي. لكنك بهذا الشكل جعلته وجودًا مجتمعيًا وهذا غير مقبول.

مطالبة العلماء بالصمت عن الحلال والحرام في الشأن العام

حسنًا، ماذا ستقول في حرق الأرز؟ قال: لا، أقول إنه يجب على الحكومة أن تسعى إلى منع حرق أوقاته [أي قش الأرز]، وربما وكذا، ونقول كلامًا ونشتم في الحكومة والحكومة تشتم فينا وهكذا.

حسنًا، وأنا لا أقول حلالًا وحرامًا؟ قال: لا، دعك أنت من الحلال والحرام، ما شأنك أنت بالأرز والقش وما إلى ذلك.

يعني أنت ستتفق معي في النتيجة في النهاية؟ قال: نعم سأتفق معك، لكن لا تجعلني أسكت [أي لا تجعلني أقبل أن تتكلم بلغة الحلال والحرام].

تحديد دور العالم في الصلاة والصوم فقط ومنعه من التدخل في غيرها

أتكلم في الصلاة والصوم فقط؟ قال: لا، والطهارة أيضًا، والصوم والحج والكفارات والأيمان، لكن ما شأنك بغير ذلك؟

بالله عليك أنا لا أفهم، عندما تقول ما أقوله أنا أُقيِّدك هكذا؟ قال لي: أنا لا أريد أن أُقيِّدك يا أخي، لا أريد تقييدك، إن تقييدك سيُربك الأمور.

قلت له: لماذا إذن؟ قال لي: لأن الإيمان مسألة فردية وليست مجتمعية. فقلتُ له: لا، بل هي فردية ومجتمعية. فقال لي: لا، فردية فقط وإلا ستُربك لنا الأمور.

عدم اقتناع أصحاب الرؤية العلمانية بالمواعظ مهما كانت مؤثرة

فهو عندما يسمعني لن يقتنع مهما ألقيتُ من مواعظ، ومهما بكيتم أنتم من المواعظ أيضًا هو [لن يتأثر]. وبعد ذلك أنت تتعجب: يا الله، هذا الرجل، هذا كلام أبكي [منه]، ولكن هو لا يبكي. لماذا؟

﴿وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49]

فأنت أو الله هو الذي يُقال له هذا الكلام، لا يتزعزع. قالوا: يتزعزع لو كانت القضية أنهم يعرفون أن الإيمان مجتمعي يتزعزع، لكن [عندهم] الإيمان ليس مجتمعيًا، سيقول له: شكرًا، أنا ذاهب.

التوكل على الله عند إعراض الناس وأن الهداية بيد الله وحده

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: 49]

عندما يسير [الأمر هكذا]، يكون الحال هكذا. وعلى فكرة، هو مطمئن القلب، وعندما ذهب من عندي وتولى، ذهب ليصلي ركعتين في المسجد صلاة الصبح. هل تنتبه؟ لقد صلى وهو مطمئن.

لكن القضية ليست صلاة وصلاة، القضية هي: هل الإيمان فردي أم فردي ومجتمعي؟ هذا هو القضية.

ماذا نفعل عند إعراض الناس بعد النصائح وأن الهداية بيد الله

وحُكِمَ بينهم بما أنزل الله.

﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ [المائدة: 49]

بعد هذه النصائح الثلاث، وأعرضوا، ماذا نفعل؟ فاعلم وتيقن أن هذا من أمر ربنا.

ولماذا هو غير راضٍ أن يؤمن؟ إنها مسألة واضحة وليس عليه شيء؛ إنه غير راضٍ أن يؤمن بما تقوله، وهذه مسألة تخص ربنا.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

وجهة نظره هكذا، وثقافته هكذا، واطلاعه على تبادل الأفكار والمبادئ هكذا.

دور المؤمن البلاغ فقط وعدم السيطرة على قناعات الناس

حسنًا، ماذا سنفعل؟ دعها على الله.

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

يعني ربنا لم يرسلنا عليهم حافظين ولا وكلاء، بلِّغ وفقط فلست عليهم بمسيطر. دعهم وشأنهم، فهم يريدون أن يقرّ هذا [المبدأ] في عقليتك فيقول: ما هو؟

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَٱعْلَمْ﴾ [المائدة: 49]

هذا العلم هو من أعمال القلب أم من أعمال السلوك والجوارح؟ القلب. ماذا يفعل في السلوك؟ لم يقل ماذا تفعل في السلوك، وإنما قال أن قلبك أنت يتيقن.

فائدة اليقين القلبي في الثبات وعدم التزعزع أمام الضغوط

وما فائدة هذا اليقين؟ أنك لا تتبعهم، وأنك لا تهتز، إنك لا تحزن، إنك لا تتعطل من سيرك.

فاعلم، اعلم، هذه هي التي حيَّرت الدنيا؛ لأنهم أيضًا يقولون لك: يا الله، لماذا أنتم عنده هكذا؟ أنتم غير راضين أن تتركوا ما أنتم عليه!

لأن ربنا قال لي فعلًا: أنا علمت. علمت يعني ماذا؟ أيقنت. حسنًا، وعندما أنا أيقنت، ما أنا ثابت على ما أنا عليه. يا الله، إنك عنيد! حسنًا، دعك من حكاية الإيمان المجتمعي هذه. لا أستطيع؛ لأنه قال لي: فاعلم.

إصابة المعرضين ببعض ذنوبهم والإنصاف الإلهي في وصفهم

﴿فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: 49]

سيعتبر هذا [الإعراض عن حكم الله] في النهاية ذنبًا ويحاسبني عليه.

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 49]

وانظر إلى الإنصاف وانظر إلى الدقة، وتأمل الكلام الذي لا تستطيع أن تجد خلفه عيبًا كما يقال. لم يقل "وإنهم لفاسقون"، وإلا لكان قال لك مباشرة: أنتم تشتموننا، أنتم تسبوننا، أنتم تفعلون بنا، ليس هناك [مجال للاعتراض].

بل قال له ماذا؟ وإن كثيرًا، ولم يقل "منهم"، بل قال "من الناس".

الإنصاف القرآني في عدم تعميم الفسق على الجميع والتفريق بين المخطئ والفاسق

وكل شخص على نفسه.

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 49]

وأن كثيرًا من الناس لم يجعله منهم [بالتحديد]، وهو قادر سبحانه وتعالى أن يكون منهم، لكن هذا إنصاف.

ولذلك قلت لك: ذهب وصلى ركعتين وهو مخطئ وليس فاسقًا. يعني واحد منهم، لكنه مخطئ وهو مقتنع بذلك [أي بموقفه].

ولذلك الذي مقتنع بذلك لعله وجد أن الله هداه في النهاية وبدأت الأمور تتضح له؛ لأنه كان يظن أن الإيمان المجتمعي هذا يؤدي بالدنيا إلى الهلاك، فوجد أن الدنيا ستذهب إلى الهلاك بدونه، فعاد مباشرة ليقول: لا، أنا معكم؛ لأنه مخلص، فحقق نهايته هذه.

الدروس المستفادة من الآيات في الإنصاف والثبات على الحق والدعاء

وأن كثيرًا من الناس ليسوا منهم بل هم فاسقون. نعم.

فإذا كان هذا [الكلام] من عند الله، هذا الكلام، فإنه يربينا على الإنصاف، وعلى الهدوء النفسي، وعلى الاستمرار على الحق، وعلى أن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا، وأن يعلمنا مراده، وأن يثبتنا على الحق في وسط هذا الظلام المدلهم الذي نعيش فيه.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، عليكم السلام ورحمة الله.