سورة المائدة | ح 992 | 52 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يشرح النص الآية الكريمة "فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم" وما تحمله من معانٍ تتعلق بأمن المجتمع الداخلي.
- •المنافقون أسلموا بألسنتهم دون قلوبهم، ويرون المصلحة مع الخارج متجاهلين مصالح الوطن.
- •يجب الموازنة بين المبادئ والمصالح كما علمنا النبي، وعدم التسرع في تبني أفكار الآخرين دون تمحيص.
- •كلمة "يسارعون" تدل على التسرع وعدم التفكير العميق، فالفكر السطحي لا يفهم العلاقات المترابطة.
- •يستشهد النص بكلام جان بول سارتر عن الذين ينقلون المفاهيم دون فهمها، فيشوهونها ويفقدونها معناها.
- •المقلدون يتلفظون بكلمات لا يفهمون معناها الحقيقي، كمن يقول "أخي" دون إدراك مضمونها.
- •الحل يكمن في التعمق بفهم المفاهيم وعدم الازدواجية في الهوية والمواقف.
- •يجب على المرء أن يكون واضحاً في انتمائه وقناعاته بدلاً من الادعاء والتناقض.
مقدمة تفسير آية سورة المائدة عن الذين في قلوبهم مرض
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ﴾ [المائدة: 52]
يتحدث ربنا سبحانه وتعالى عن أمن الجماعة الداخلي وعن أمن الدولة الداخلي. يتحدث ربنا سبحانه وتعالى عن أن أمة الإسلام وجماعة المسلمين ودولة المسلمين ينبغي ألا تميل بقلوبها لمن كان ضدًّا لهذه الدولة والأمة والجماعة.
صفات المنافقين الذين تعلقت قلوبهم بثقافات الغير وتركوا مصالح الأمة
﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: 52]
[هؤلاء] منافقون أسلموا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، يرون أن المصلحة مع الخارج وليس مصلحة الوطن، يرون أنهم يخدمون الآخرين لأنهم معجبون بهم.
فتراهم يسارعون فيهم؛ كل شيء يأتي من عند الآخر فيكون مقدمًا على مصالحنا وعلى مبادئنا. نحن لدينا المبادئ ولدينا المصالح، ويجب أن نقوم بالتوازن بينهما كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكان [النبي ﷺ] الإنسان الكامل في التوازن بين المبادئ والمصالح؛ لم يترك المبادئ ولم يفرط في المصالح، وعلمنا كيف نكون من الحكماء الذين يوازنون بين المصالح والمبادئ.
وصف حال المنافقين الذين يدعون إلى ما يخالف مبادئ الأمة ومصالحها
فنأتي لهؤلاء الذين في قلوبهم مرض من جماعتنا، من إخواننا من المسلمين، نراهم يتكلمون بألسنتنا ويعيشون في أوساطنا وتعلقت قلوبهم بثقافات الغير، يدعوننا إلى شيء ليس فيه مصالحنا ولا علاقة له بمبادئنا.
قد يكون فيه تحقيق لبعض مصالح هذه الفئة المنافقة، قد يكون هناك مصالح آنية على حساب المبادئ، ولكنهم بذلك يخرجون عن مبادئنا ومصالحنا.
﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ﴾ [المائدة: 52]
انظر إلى الكلمة يا أخي، أي يسعى بسرعة، يسارع سرعة.
المسارعة تدل على التفكير السطحي وعدم التأمل العميق في العواقب
وهذه السرعة بما تقتضي؟ أنه لم يتأمل، لم يفكر تفكيرًا عميقًا، فكّر تفكيرًا سطحيًّا لكنه ليس عميقًا. لم يرَ الشيء مع علاقاته؛ الشيء عندما نطبقه نبحث فيه، وبعد ذلك نبحث في علاقاته:
- •ماذا سيفعل [هذا الأمر] إذا [طُبِّق] في المنطقة الفلانية؟
- •كيف سيؤثر في الاجتماع؟
- •كيف سيؤثر في الاقتصاد؟
- •كيف سيؤثر في السياسة؟
نجلس نفكر بعمق، فإن رأينا فيه مصلحتنا بدأنا نقول حسنًا، كيف نفعله بحيث لا نفرط في مبادئنا؟ فإن وجدنا نقطة الالتقاء بين المصلحة والمبدأ فعلناها وطبقناها.
أليس هذا فكرًا عميقًا؟ نعم، إنه فكر عميق. أما الآخر الذي يسارع فهو فكر غير عميق.
نتائج الفكر السطحي المتسرع وعدم فهم ما يُنقل من الآخرين
ماذا ينتج عن الفكر غير العميق؟ أول شيء أنه لا يفهم. الفكر السطحي المتسرع أول شيء أنه لا يفهم، لا يفهم الذي يسمعه من الآخرين.
﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: 52]
يقول جان بول سارتر - وهو فيلسوف فرنسي وجودي - في مقدمته لقصة «معذبو الأرض»، وهو ينعي على هؤلاء ويرى أن هذا الطابور يضر بمبادئهم أكثر مما ينفع. مبادئهم وليس مبادئنا نحن؛ مبادئنا نحن خلاص، هم تجاوزوها ولا يريدونها. حسنًا، تلك مبادئهم هم.
مثال سارتر عن تشويه مفهوم الأخوة عند النقل السطحي بلا فهم
يقول [سارتر]: والعجب من هؤلاء أننا إذا قلنا هنا - يقصد في باريس - أخوة، الواحد يكون أخًا للمواطن الذي له، فيكون هناك أخوة في المجتمع.
والأخوة تقتضي منك أن تكون شهمًا، والأخوة تقتضي منك أن تكون عادلًا وأن تكون رحيمًا، وأن تكون متعاونًا، وأن تكون منتميًا.
أخوة، صاحوا هناك [أي في بلادنا]: خو، خو! لا بدّ يا جماعة من الخوّ! أخوة حتى وصلت إليهم، لأنهم سمعوها بسرعة.
فماذا يسمعونها؟ خو! طيب يا جماعة، خو ماذا تعني؟ لا يوجد شيء اسمه خو. طيب، أنتم تدعون لأي شيء؟ الشيء الذي لا وجود له.
الفرق بين من يفهم المصطلح ومن يردده بلا معنى ولا وعي
هل تنتبه؟ هناك [في فرنسا] لها معنى، الأخوة لها معنى. ليته هنا يصرخ ويقول: أخوة، أخوة! لكن هذا [المقلِّد] يصرخ ويقول: خو، خو! فلا هو فاهم، ولا نحن فاهمون، ولا الذين في الخارج الذين قلدوهم فاهمون.
ماذا تقولون؟ هذا ما نعيشه.
أيُرضي ربنا؟ لا يرضي ربنا. هذا لا يرضي ربنا. لماذا؟ لأنه جهل وليس علمًا.
أخوة حتى وصلت إلينا أصبحت «خو»، والشاب متشدد فيها: خو، خو! وهو لا يعرف أصلًا ماذا تعني «خو»؛ لأنها ليس لها معنى، وهم هناك لا يقولون «خو».
قاعدة الحريري في ملحة الإعراب وتطبيقها على واقع ترديد الألفاظ بلا معنى
وقِس على هذا، تكن علامة. الحريري يقول ماذا في هذا الأمر الخاص به [في كتاب] ملحة الإعراب: والحرف ما ليس له علامة، وقِس على ذاك تكن علامة.
فهذا الزمن الذي نعيش فيه هكذا؛ أناس تقوم وتصيح وتتلفظ بكلام وهو لا يعرف معنى هذا اللفظ ومن أين جاء.
وهذا مصداق قوله تعالى وهو يصفهم من فوق سبع [سماوات] وهو أصدق القائلين:
﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: 52]
من السرعة.
لو درس المتسرع وفهم لتقدم لكنه يلتقط بلا تأمل ويردد بلا وعي
هل تعرف أنه لو درس وفهم ونقل واقتنع لكان سيصبح - يا عيني - متقدمًا مع الوقت، لكنه ليس لديه وقت؛ إنه يريد أن يلتقط من هناك ويعطي هنا. خو، خو!
يقولون:
﴿نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: 52]
هل تعرفون أنكم إذا لم تفعلوا «الخو» - الأمر الذي لا معنى له - سنتخلف؟ العالم كله يتقدم ونحن نتخلف! لأجل ذلك نحن لم نقم بتطبيق «الخو».
إذن يجب علينا أن نطبق «الخو»! نعم، ما هي «الخو»؟ إنه شيء يصيب بالجنون!
اتهام المصلحين بالتخلف وادعاء الإسلام مع رفض أصوله ومبادئه
هل أنت منتبه؟ يقولون:
﴿نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: 52]
أنتم سبب تخلف المجتمع! أنا سبب تخلف المجتمع؟ حسنًا، موافق، نريد أن نتقدم، قولوا لنا إذن خطة واضحة، لكن افصحوا عنها.
يقول لك: على فكرة، أنا مسلم، أنتم تكفرونني هكذا؟ نحن لا كفّرناك ولا سنكفرك إن شاء الله، نعم، ولكنني لست مؤمنًا بما أنتم مؤمنون به.
وما المشكلة؟ بماذا تؤمن؟ أنا لست مؤمنًا بالإله. كيف تكون مسلمًا إذن؟
المقارنة بين صراحة الغرب في موقفهم من الدين وتناقض المنافقين عندنا
في الخارج كانوا يملكون الجرأة وقالوا: يا إخواننا، أنا ضد الكنيسة، أنا ملحد، أنا لا أصدق بالله. قال: أنا ضد الكنيسة، يقول: أنا لست مسيحيًّا.
حسنًا، عرفنا أنك تريد أن تكون مسيحيًّا، هذه الكنيسة أمامك. إذا كنت تريد أن تكون ملحدًا، فهذا الإلحاد أمامك.
لكن يا مسكين هنا [عندنا] متحير؛ يسب الله ويسب رسوله ويسب الإسلام ويسب التاريخ ويسب الواقع ويسب الفقه ويسب الشريعة ويسب العلماء، ثم يقول: انتبهوا، أنا مسلم! وإياك أن تقولوا على كتابي هذا أنه غير مسلم.
مطالبة المنافقين بالإفصاح عن حقيقتهم بدلاً من الاختباء خلف الإسلام
يا أخانا، الكتاب الذي ألفته ليس له علاقة بالإسلام. [يقول لك:] انظر إلى الظلاميين، انظر إلى المتخلفين، انظر إلى الأوضاع غير السليمة.
لا، بل أنت هكذا لست شجاعًا، أفصح عن نفسك وقل: أنا لست مسلمًا وهذا الإسلام لا أريده، فلا تكن معنا هنا.
لكن هؤلاء هنا ماذا [يفعلون]؟
﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: 52]
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
