سورة المائدة 28 سورة المائدة | حـ 871 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة 28 سورة المائدة | حـ 871 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • إكمال الدين كان بختم النبوة، وهذا استلزم نبياً مقيماً يهدي الناس، فكان القرآن الكريم هو النبوة المقيمة.
  • كل نبي له معجزة، والقرآن معجز لأنه في مقام نبي مقيم.
  • معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت للصحابة، فقد رأوا الماء ينبع من بين أصابعه، وسمعوا حنين الجذع لفراقه، وشاهدوا جبريل وهو يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان.
  • هناك معجزتان: معجزة الرسول التي يراها جيله، ومعجزة الرسالة الباقية أبد الآبدين.
  • من معجزات القرآن أنه محفوظ بوعد الله: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
  • حفظ القرآن ظاهر في تطابق نسخه في كل مكان، وفي حفظه في الصدور بلا تغيير.
  • إذا أخطأ القارئ ولو في حرف واحد، فإن المستمعين يصححون له خطأه.
  • القرآن محفوظ بطريقة مطلقة، وهذا واقع لا يمكن إنكاره.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

إكمال الدين بختم النبوة واقتضاء توحيد الأمة بنبي مقيم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وربنا سبحانه وتعالى يقول في أوائلها:

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]

فـإكمال الدين كان بختم النبوة، وختم النبوة اقتضى توحيد الأمة، لكنه استلزم نبيًّا مقيمًا حتى يهدي الناس، فكانت النبوة المقيمة هي القرآن الكريم.

هل كان القرآن معجزًا ولا يزال وبيان أن كل نبي لا بد له من معجزة

كل نبي له معجزة، فهل كان القرآن معجزًا وهل لا يزال؟ فنقول: نعم، إنه كان معجزًا وإنه لا يزال؛ لأن كل نبي لا بد له من معجزة، ولأن القرآن إنما هو في مقام نبيٍّ مقيم، فهو معجزة.

كل نبي جاء وجرت على يده المعجزات، وعلى مثله آمن البشر، إنما [كانت تلك المعجزات] لقومٍ رأوه بأعينهم، أو بخبرٍ متواتر لمن تلاهم.

معجزات النبي ﷺ التي رآها الصحابة من نبع الماء ورحمته وشمائله

ولكن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت للصحابة الكرام؛ رأوا الماء ينبع من بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وسلم، رأوه وهو رحيمٌ بأعدائه، بارٌّ بجيرانه.

رأوه وعليه المهابة بالرغم أنه شدَّ من الجوع وسَغَبِه الأحشاءَ بالحجارة، وشدَّ من سَغَبِ أحشائه وطوى تحت الحجارة كَشْحًا مُتْرَفَ الأَدَم.

رأوه صلى الله عليه وسلم وكانوا يحتمون به إذا اشتد الوطيس في الحرب، فإذا سلَّم أحدهم عليه وجد يده كالحرير، وكان يعجن بيديه في الحصى وهو يقوم من السجود إلى القيام في الصلاة، ولا تتأثر يده الشريفة بمسِّها الحصى.

حنين الجذع للنبي ﷺ ونزوله من المنبر ليضمه إلى صدره الشريف

رأوه وسمعوا الجذع بعد أن تركه [النبي ﷺ]، وكان يقف عليه [يخطب]، يئنُّ ويبكي لفراق الحبيب صلى الله عليه وسلم.

ومن رقة قلبه ورحمته وعلوِّ شأنه وكمال إنسانيته، ينزل من على المنبر وهو يخطب ويضمه إلى صدره الشريف فيسكت [الجذع]، وتنزل السكينة عليه، ويُسِرُّ له بقولٍ فيسكت.

فيقولون: يا رسول الله، ماذا قلت له؟ قال: قلت: أفلا يرضيك أن تكون معي في الجنة؟ فسكت، فدفنه تحت المنبر صلى الله عليه وسلم.

حديث جبريل عليه السلام ومجيئه يعلم الصحابة أمر دينهم

الصحابة رأت هذا، سمعت هذا، وهم جلوسٌ رأوا رجلًا شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحدٌ منا، وليست عليه علامات السفر ولا آثار السفر.

رأوه من بعيدٍ وكان أقرب ما يكون لصورة دحية الكلبي، لكنه ليس دحية، هكذا من بعيدٍ تظنونه دحية، وكان دحية أنيقًا جميلًا. فجلس فوضع ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه وجلس.

قال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، أخبرني عن الإيمان، أخبرني عن الإحسان، أخبرني عن الساعة وعلاماتها، وهكذا إلى آخره.

ثم عندما ولَّى قال [النبي ﷺ]: أتعرفون من هذا؟ قالوا: لا. كان العرب طوال النهار جالسين ويعرفون كل شيء، يرون شخصًا من مملكةٍ يمشي بعيدًا هكذا ويعرفونه. قالوا: لا، لا نعرفه. قال: هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم.

الفرق بين الصحابة والإخوان وتوالي المعجزات على يديه ﷺ

معجزات، ولذلك قال لهم صلى الله عليه وسلم: إخواني، إخواني. قالوا: نحن إخوانك. قال [صلى الله عليه وسلم]: لا، أنتم أصحابي، كيف تكفرون وأنا بينكم؟ أنتم ترون طوال النهار والليل، كيف ستكفرون؟ حتى إن الواحد لو أراد أن يكفر لا يعرف كيف يفعل ذلك.

لقد كانت المعجزات تتوالى على يديه صلى الله عليه وسلم، حتى قال العلماء: بحثنا فما وجدنا نبيًّا له معجزة إلا أجراها الله عليه [صلى الله عليه وسلم]، ثم أضاف معجزاتٍ متتالية ليست مرة ولا اثنتين ولا عشرًا.

حجة الله على العالمين هذا الكتاب للشيخ يوسف النبهاني، جمع فيه ألف معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال.

الفرق بين معجزة الرسول ومعجزة الرسالة الباقية أبد الآبدين

ثم انتقل [النبي ﷺ] إلى الرفيق الأعلى، فجاء من بعد ذلك [أقوامٌ] ورأوا أخلاقًا نبوية مصطفوية محمدية آمنوا بها، ولكن أين معجزة النبي المقيم؟

هذه معجزة الرسالة. يوجد لدينا معجزتان: معجزة رسول ومعجزة رسالة. معجزة الرسول يراها جيله وأهل عصره، ومعجزة الرسالة باقية أبد الآبدين ودائمًا.

ومنها أن هذا القرآن محفوظ، فيخبر الله نبيه به:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

الرد على من يدعي تحريف القرآن بالدليل الواقعي العملي

فيأتي أحدهم ويقول لك: لا، ليس محفوظًا ولديَّ ألف دليل. قل ألف دليل، واشترِ المصحف في جاكارتا، واشتره في موزمبيق، واشترِ واحدًا آخر من ألمانيا، وقل لي كيف تحرَّف؟ اجلس إذن وتلعَّك بالكلام.

قل إذن من هنا إلى هناك كما يقولون، ها هو القرآن. حسنًا، سأقوم لأصلي بكم الآن وسأقرأ القرآن، أنا مفتي الديار وأخطأت في القرآن، سأجد الذين ورائي كلهم يردُّوني. أيُّ تحريفٍ هذا؟ هي كلمة واحدة فقط سقطت أو زادت أو تغيرت، ولا أحد يسكت.

قصة الطفل الذي ردّ على الشيخ الكبير حين أخطأ في قراءة سورة الدخان

كان مرة أحدٌ من مشايخنا الكبار القراء يقرأ، وكان هناك طفلٌ صغير هكذا عمره حوالي سبع سنوات. فارتجَّ على الشيخ وهو يقرأ في سورة الدخان، فالولد ردَّه.

وجده [الطفل أن الحاضرين] ولم يردُّوا عليه [على الشيخ]، فضرب الذي بجانبه هكذا، فقالوا: الشيخ أخطأ، الشيخ أخطأ! فضحك الشيخ، وهو شيخٌ كبير، ضحك؛ لأنه [القرآن] محفوظ بالحرف.

حفظ القرآن واقع لا ينكره إلا محروم وخاتمة بالدعاء والتوديع

وهذا [الحفظ ثابتٌ] بطريقة مطلقة، حتى إنه [من يدّعي التحريف] سيجلس ويعطينا درسًا أن القرآن حُرِّف، لن يفعل ذلك. فالأصل واقعٌ في شيء يُسمَّى واقعًا.

قد تنكر العينُ ضوءَ الشمس من رَمَدٍ، وينكر الفمُ طعمَ الماء من سَقَمٍ. يقول: ما هذه المرارة؟ لماذا هي هكذا؟ سأذهب لأعالج هذه المياه! أنت الذي تريده [العلاج]. هل توجد شمس؟ نعم، أنت لا تراها، أنت محروم، لكن الشمس قد طلعت، وهكذا أبدًا.

ولذلك فـالنبي المقيم، القرآن الكريم، من معجزاته أنه الصدور تحفظ بكل ما فيها، من كل شخصٍ كبيرٍ أو صغيرٍ، وأنه حفظٌ من عند الله، والله يحفظنا من غير حولٍ منا ولا قوة.

وإلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام.