سيدنا أبو الحجاج الأقصري -رضى الله عنه- | ح #26 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة
- •أبو الحجاج الأقصري من نسل سيدنا الحسين، ولد في بغداد حوالي سنة 545 هجرية، كان والده من مسؤولي الدولة.
- •بعد وفاة والده عمل بالنسيج ليعتاش، ثم التحق بمدرسة النظامية ببغداد لطلب العلم.
- •بعد وفاة والدته وزوجته وفي ظل اضطرابات سياسية، غادر بغداد مع أبنائه الأربعة وهو في الخامسة والثلاثين من عمره.
- •أقام في مكة حوالي تسع سنوات يستكمل تعليمه، ثم التقى بعبد المنعم الأشقر.
- •دخل مصر سنة 589 هجرية في أواخر عهد صلاح الدين، وذهب إلى الإسكندرية حيث أخذ الطريقة المدنية من عبد الرزاق الجزولي.
- •استقر في الأقصر (الأقصرين) وبنى مسجده فوق تلة كانت معبداً فرعونياً، ونفى خرافات وجود العفاريت في المعابد.
- •اشتهر بسقاية الحجاج الذين يمرون بالأقصر في طريقهم للحج، فعرف بأبي الحجاج.
- •تميز بكثرة الكرامات والعبادة، وارتبط به أهل الأقصر ارتباطاً وثيقاً.
دعاء الشيخ لمصر بالبركة والخير كما وصفها عمرو بن العاص
[الشيخ]: يا ربنا اجعل مصر كما وصفها عمرو بن العاص: من أحب المكاسب فعليه بمصر، وعليه بالجانب الغربي منها. فاللهم يا ربنا بارك في غربها وشرقها وشمالها وجنوبها، وأكرم أهلها بكرامة النبي المصطفى، اللهم آمين.
تقديم المذيع لحلقة عن العارف بالله سيدي أبي الحجاج الأقصري
[المذيع]: نتوقف اليوم مع الشيخ العارف الزاهد المعروف بين مريديه بـقطب الزمان، يعود نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. مسجده يضم الحضارات المصرية الثلاثة: الفرعونية والقبطية وقطعًا الإسلامية.
نتوقف اليوم مع العارف بالله سيدي أبي الحجاج الأقصري في مصر أرض الصالحين.
ترجمة أبي الحجاج الأقصري قطب الزمان وصفاته العلمية والعبادية
[الشيخ]: الحمد لله العلي الصمد، الأول الآخر بلا أمد. منظومة أبي الحجاج الأقصري قطب الزمان في التوحيد وهي محفوظة في دار الكتب المصرية. كان وحيد دهره وفريد عصره وإمامهم، وكان غوث وقته.
كان جادًا شغوفًا صبورًا في القراءة والبحث والتحصيل، كان غزير العلم كثير العبادة. وحّد الأمة وهدى الناس إلى صراط مستقيم، وهب نفسه للخالق سبحانه وتعالى، متصوفًا نقيًا وداعيًا لرسالة الإسلام الحميدة.
وانقطع في آخر أيامه في الأقصر للوعظ والتذكير والإرشاد والدعوة إلى طريق الحق. كان مجلسه يغص بالعلماء والوجهاء وعلية القوم، نفع الله به الإسلام والمسلمين ورضي الله تعالى عنه.
ترحيب المذيع بالدكتور علي جمعة وسؤاله عن هوية أبي الحجاج الأقصري ونسبه
[المذيع]: نرحب بحضراتكم اليوم، مولانا فضيلة الدكتور علي جمعة سيصطحبنا في رحلة مميزة الحقيقة ورحلة ثرية مع شخص أيضًا ثري هو سيدنا أبو الحجاج الأقصري. سنذهب إلى الأقصر ونعيش مع فضيلته هذه الدقائق في سيرة هذا العارف بالله، فضيلة الدكتور السلام عليكم، أهلًا بكم.
[الشيخ]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: أهلًا بحضرتك يا سيدي. الأقصر تحديدًا، يعني وسكن أو سكنى سيدنا أبو الحجاج الأقصري فيها، أكيد هذا شيء له علامة استفهام أو علامة تساؤل، ولكن بدايةً نسأل فضيلتك: من هو سيدي أبو الحجاج الأقصري؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. سيدنا أبو الحجاج الأقصري من نسل سيدنا الحسين رضي الله عنه، وهو وُلد في بغداد، وكان أبوه من أصحاب الرئاسات، أي موظف كبير في الدولة، الذي نسميه وكيل وزارة، مدير عام، شيء كهذا، يعني أنه مسؤول من مسؤولي الدولة.
وكان [أبوه] صاحب يسار، يعني هذا الأب، ولكن لما انتقل [أبوه] إلى رحمة الله لم يترك لابنه ثروة، لم يترك لابنه مالًا.
تحديد مولد أبي الحجاج الأقصري ومعاصرته لعبد القادر الجيلاني وصلاح الدين
[الشيخ]: وعندما وُلد سيدي أبو الحجاج الأقصري لم يحدد المؤرخون سنة معينة لوفاته [يقصد لمولده]، ولكننا من قصته لرحلته نحاول أن نعرف هو يكون مولودًا في حدود كم؟ أعتقد أنه مولود سنة خمسمائة وخمسة وأربعين تقريبًا، يعني في هذه الحدود.
لكن هذا ليس عن نقل ولا عن تصريح، ولكن عن محاولة [لتحديد]؛ لأنه متى غادر؟ متى جاء إلى مصر؟ متى انتقل إلى رحمة الله تعالى؟ وهكذا إلى آخره، تحديد للأمور.
خمسمائة وخمسة وأربعين، أي القرن السادس. خمسمائة وخمسة وأربعين، أي أن سيدي عبد القادر الجيلاني [إمام صوفي وفقيه حنبلي، وكان يفتي على المذهبين الحنبلي والشافعي] ما زال موجودًا، وصلاح الدين الأيوبي [القائد المسلم الذي أسس الدولة الأيوبية التي وحدت مصر والشام والحجاز وتهامة واليمن تحت الراية العباسية، بعد أن قضى على الدولة الفاطمية] يعيش في المنطقة ويؤدي مهامه.
كما أن الشهاب السهروردي [كاتب في العصر العباسي] كان زميلًا لأبي الحجاج [محدث وراوٍ سوري] في النظامية.
عمل أبي الحجاج بالنسيج بعد وفاة والده والتحاقه بمدرسة النظامية في بغداد
[الشيخ]: وعندما توفي والده [يقصد أبا الحجاج الأقصري]، عمل بالنسيج حيث كان يجلب النول ثم يصنع قماشًا ويبيع من أجل أن يقتات أو يعيش منه.
وانضم بعد ذلك إلى مدرسة النظامية للدراسة. مدرسة النظامية هي مدرسة تُدرَّس فيها الحديث وتُدرَّس فيها الفقه وتُدرَّس فيها أنواع العلوم المختلفة. نظام الملك هو الذي أنشأها فسُميت بالنظامية في بغداد.
قصة إخفاء أبي الحجاج لرجل هارب ودلالتها على الصدق والثقة بالله
[الشيخ]: رواية تدل على مدى تمسكه بالشريعة ومدى ثقته بالله سبحانه وتعالى، وهذا كثيرًا ما نفتقده في عصرنا الحاضر الذي تتمثل فيه الثقة بالله.
كان [أبو الحجاج] يجلس عند النول الخاص بهم لكي يُشدّ الخيط، يصنعون حفرة تحته تُسمى الجوزة. فالجوزة هذه عبارة عن أنني أجلس هكذا وأصنع السداة واللحمة التي هي الخطوط الطولية والخطوط العرضية، وأجلس أعمل على النول.
فرجل يجري وراءه أناس آخرون، يبدو أنه فعل شيئًا خاطئًا أو ما إلى ذلك، فدخل إلى دكان سيدي أبي الحجاج في بغداد، والدكان له بابان هكذا. فدخل عليه وقال له: أخفني. فقال له: حسنًا، انزل الجوزة في الحفرة، في الحفرة نعم. فأصبح هو في الحفرة، فالذي على الأرض لا يرى شيئًا.
[المذيع]: هي حفرة صغيرة بالكاد تكاد تكفيه.
[الشيخ]: الناس جاءت وقالت له: نحن رأيناه وهو دخل هنا، أين هو؟ فقال لهم: أخفيه تحت فخذي هنا في الجوزة. قالوا له: والله أنت تستهزئ بنا! كيف يمكن أن يجمع نفسه هكذا في الجوزة؟ لابد أنه خرج من الباب الثاني وأنت تضحك علينا، ومشوا.
فخرج الرجل وقال له: أهمذا تبيعني وتسلمني لهم؟ أنا اللاجئ إليك لأتقي شر البلاء، وكيف تسلمني هكذا؟ قال له: يا بني صِدقي نجّاك.
فهذه أول دلالة [على صدقه وثقته بالله]، ونحن ما زلنا في بغداد، ونحن ما زلنا في النظامية، ونحن ما زلنا نعمل لنحصل على القليل من المال الذي نستطيع به أن نكمل الحياة وما إلى ذلك.
رحلة أبي الحجاج من بغداد إلى مكة بعد وفاة أمه وزوجته واستقراره فيها تسع سنوات
[المذيع]: حسنًا، قرار الذهاب إلى مصر يعني قرارًا غريبًا بعض الشيء، يعني هو مستقر وكان شخصًا ناجحًا.
[الشيخ]: هو ذهب للحج أولًا ثم عاد مرة أخرى، وبعدها حدث أن والدته توفيت وزوجته توفيت أيضًا، وكان لديه أربعة أطفال.
فوجد نفسه في جو - وأيضًا الجو السياسي مع وجود بعض الاضطرابات السياسية - فأخذ أغراضه وذهب أولًا إلى مكة. وعندما غادر بغداد كان عمره حوالي خمسة وثلاثين سنة.
إذن غادرها متى؟ في سنة خمسمائة وثمانين إذا حسبنا وفق حسابنا الذي نقول فيه خمسمائة وخمسة وأربعين، وخمسة وثلاثين سنة، فيكون في سنة خمسمائة وثمانين تقريبًا.
كان لديه أربعة أطفال، ماتت أمه وماتت زوجته، فحزن ورأى أن الجو ملبّد بالغيوم وهكذا، وأنهى الدراسات الخاصة بالنظامية، فأخذ أغراضه وذهب إلى مكة.
إقامة أبي الحجاج في مكة وإكمال تعليمه ولقاؤه بعبد المنعم الأشقر وتزويج أبنائه
[الشيخ]: وهو كان في مكة التي كان الحجاج قد غادروها للتو. فلما نزل إلى مكة، أي أقام في مكة حوالي ثماني أو تسع سنوات.
طبعًا كان يتعلم أيضًا ويكمل تعليمه، كما نفعل في يومنا هذا؛ حصل على الماجستير والدكتوراه التي نقوم بها، أي أنه ما زال يكمل تعليمه؛ لأن هذا التعليم شيء وذلك شيء آخر، فهناك درجات ومراحل موجودة.
وبعد ذلك التقى بشخص رأى فيه الولاية اسمه عبد المنعم الأشقر. وعبد المنعم الأشقر هذا كان متزوجًا ولديه أولاد، وقد مات ولد من أولاده الأربعة، فزوّج الأبناء الثلاثة من بنات عبد المنعم الأشقر. إذن تزوج أولاد أبي الحجاج من بنات عبد المنعم الأشقر.
[المذيع]: كل هذا كان في مكة؟
[الشيخ]: نعم، كل هذا في مكة.
سفر أبي الحجاج إلى مصر ودخوله من الشرقية ورفضه الاستقرار فيها وتوجهه إلى الصعيد
[الشيخ]: فسافر هو وأبناؤه وزوجاتهم بنات الأشقر إلى مصر. عندما نزل ودخل من الأعلى، دخل إلى الشرقية وعرضوا عليه قطعة أرض كبيرة، وكانت الأحوال مُيسرة في ذلك الوقت.
وقالوا له: إنك تستقر هنا وكذا. فقال لهم: لا، أنا متوجه الآن إلى الجنوب، إلى الصعيد.
[المذيع]: أي أنه كان محددًا وجهته، ليست القاهرة مثلًا، فالقاهرة هي الأزهر والعلم.
دخول أبي الحجاج مصر في أواخر عهد صلاح الدين وذهابه إلى الإسكندرية
[الشيخ]: عندما دخل مصر دخلها في عام تسعة وثمانين [وخمسمائة هجرية]. هو يقول في نهاية حكم صلاح الدين؛ صلاح الدين توفي سنة خمسمائة وتسعة وثمانين.
إذن هو الآن في سنة تسعة وثمانين، سنة تسعة وثمانين هذه من خمسة وأربعين، فيكون عمره كم سنة؟ خمسة وأربعون سنة. إذن هذا بعد التسع سنوات التي قضاها [في] مكة وهكذا.
وبعد ذلك ذهب إلى الإسكندرية، ذهب...
[المذيع]: حسنًا، أستأذن حضرتك الآن.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: نخرج إلى فاصل؛ لأننا كنا نعرف أنه كان سيذهب إلى الصعيد لكنه توجه إلى الإسكندرية، فسنعرف هذه القصة بعد الفاصل، ابقوا معنا.
وصف مسجد سيدي أبي الحجاج الأقصري الجامع بين الحضارات الفرعونية والإسلامية
من مدينة الأقصر العالمية وتحديدًا من ساحة مسجد سيدي أبو الحجاج الأقصري، تجد الخير يملأ الأرض وأسراب الحمام تتلاعب من حولك في كل مكان.
إلى أن تطأ قدماك داخل المسجد فتجد نفسك قد انتقلت إلى زمن جُمع فيه بين الطراز الفرعوني والإسلامي معًا. كما يضم نموذجًا فريدًا للوحدة الوطنية متمثلًا في ضريح السيدة تريزا التي أوصى الأقصري بدفنها إلى جواره؛ لأنها كانت تساعده في الإنفاق على طلاب العلم والتكفل بهم.
وفي خلفية المسجد يوجد معبد الأقصر وما يحمله من تماثيل ولوحات فرعونية يحيطها نهر النيل، مضيفًا لجمال مشهد سيدي أبو الحجاج الأقصري روعة ورونقًا وحضارة، لن تجد هذا المشهد إلا في مصر.
دخول أبي الحجاج الإسكندرية وأخذه الطريقة المدنية من عبد الرزاق الجزولي
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى، والحقيقة أن سير الصالحين والعارفين بالله ما أجملها وأمتعها، وفيها حِكَم كثيرة. وأرحب مرة أخرى بفضيلة الدكتور، ورحلتنا مع سيدي أبي الحجاج الأقصري الحقيقة ممتعة وفيها حِكَم جميلة ومواقف عظيمة. يعني دخل مصر من الشرقية، وقال سأذهب إلى الصعيد، لكن كما ذكرت لنا قبل الفاصل، ذهب إلى الإسكندرية أولًا.
[الشيخ]: نحن الآن نتحدث عن الدخول هذا في أواخر عهد صلاح الدين في مصر سنة خمسمائة وتسعة وثمانين هجرية. لم يكن أبو الحسن [الشاذلي] قد أتى بعد إلى مصر.
[المذيع]: لم يأتِ بعد إلى مصر أبو الحسن الشاذلي.
[الشيخ]: سنة خمسمائة وتسعة وثمانين هجرية، هذا يعني أن الإسكندرية أصبح فيها الحافظ السلفي [هو محدث من أهل أصبهان، رحل في طلب الحديث، وبنى له الأمير وزير الظافر العبيدي مدرسة في الإسكندرية، وأقام فيها حتى توفي] وفيها أولئك الأكابر جميعًا.
فيها ولي اسمه عبد الرزاق الجزولي، وهذا كان من كبار أولياء الله الصالحين. فلما دخل [أبو الحجاج الإسكندرية] وجد عبد الرزاق الجازولي هذا فأخذ منه الطريقة.
عبد الرزاق الجازولي كانت طريقته اسمها المدنية، قبل أن تصل الرفاعية، وقبل أن تأتي الشاذلية، وقبل كذا إلى آخره، يعني إنها شيء قديم، وقبل أحمد البدوي وقبل إبراهيم الدسوقي.
فهو الآن - نحن نتحدث في أواخر القرن السادس - وعلى ذلك فإن أبو محمد عبد الرزاق الجزولي كان شيخه، وأعطاه الطريقة.
معنى الطريقة الصوفية وبرنامج الذكر من استغفار وصلاة على النبي وتهليل
[المذيع]: أعطاه الطريقة؟
[الشيخ]: تعني أن يكون هناك سند متصل بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية تطبيق برنامج الذكر. وكل هذا يعني الطريقة.
فالطريقة ذكر وفكر. حسنًا، ماذا أفعل؟ أستغفر الله مائة مرة، وأصلي على النبي مائة مرة، وأقول لا إله إلا الله مائة مرة.
لماذا؟ هل أستغفر أولًا أم أصلي أولًا؟ هل أقول لا إله إلا الله أولًا أم ماذا أفعل؟ قالوا: لا، الاستغفار هذا مثل أن تكون تتوضأ. انظر إلى التمثيل الذي سميناه الرمز، مثل أن تكون تتوضأ.
[المذيع]: كالذي فعله ذا النون المصري.
[الشيخ]: نعم، الذي فعله ذا النون المصري، إذا كنت تتذكر. إذن أنا أتوضأ الآن، أستغفر الله. وبعد ذلك تطرق الباب الذي هو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بابنا إلى ربنا النبي.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]
ثانيًا، ما عليك فعله هو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ثالثًا، تبدأ بخير ما قلتَ وقال النبيون من قبلي: لا إله إلا الله، فتقول: لا إله إلا الله.
أخذ [أبو الحجاج] الطريقة المدنية من عبد الرزاق الجزولي.
انتقال أبي الحجاج إلى الأقصر وبناء مسجده فوق تلة ظهر أنها معبد فرعوني
[الشيخ]: ثم ذهب مسافرًا إلى الأقصرين، التي سُميت بعد ذلك الأقصر التي هي الأقصر الموجودة حاليًا.
وهناك في الأقصر بنى مسجده فوق تلة متراكمة ظهر أنها معبد فرعوني. هل تنتبه؟ يوجد الآن شيء غريب جدًا، تجد هذه التلة وفوقها مسجد أبي الحجاج وتحتها كنيسة.
[المذيع]: تتابع الحضارات.
[الشيخ]: تتابع الحضارات وتوجه الشعب إلى الخالق سبحانه وتعالى.
سبب اختيار أبي الحجاج للأقصر وإبطاله خرافات العفاريت وبناء مسجده في مكانها
[المذيع]: عذرًا مولانا، يعني مما قرأت هكذا على الهامش يقولون أنه صمم على الذهاب إلى الأقصر أو الأقصرين أو القصرين أيًا كان المسمى؛ لأنه كان يُشاع وقتها أن هذه المعابد وهذه الأماكن مهجورة ويسكنها العفاريت والأشباح والحُجُرات، فقد قرر أن يذهب ليبطل هذا الأمر ويُعلِم الناس أن هذا كله باطل وكل هذه شائعات. هل هذا صحيح أم خطأ؟
[الشيخ]: نعم صحيح، لكنه يتحدث عن أنه لماذا اختار هذا المكان، أي أنه ذهب إلى هناك بمجموعة من البشر ومن الرؤى التي توجهه إلى أن يكون في هذا المكان حتى يفيد الناس.
[المذيع]: أي أنه تم توجيهه إلى هذا المكان.
[الشيخ]: نعم تم توجيهه حتى يفيد الناس. فذهب إلى هذا المكان فوجد الناس تقول: هذا، احذر أن تقترب من هذه المنطقة لئلا تصادف العفاريت فيها.
قال لهم: لا توجد عفاريت هنا ولا شيء من هذا القبيل، وسأبني مسجدي في مكان العفاريت هذا لنرَ ما ستؤول إليه الأمور. فاجتمعوا والناس كلها التفت حوله.
مسجد أبي الحجاج كان يحتوي على خلوة واستقراره فيه مع أهله ومن جاء معه
[المذيع]: مسجد أم بيت؟
[الشيخ]: لم يكن مسجدًا فقط بل كان مسجدًا به خلوة. فقد كانت المساجد قديمًا تحتوي على خلوات، حتى الكعبة، فقد كان في المسجد الحرام خلوات إلى ما قبل الحادثة التي وقعت والخاصة بـجهيمان [هو من أبرز الأسماء وقائد عملية الاستيلاء على الحرم المكي عام 1979] هذه، عامله الله بما يستحق.
واستقر هو وأولاده وزوجاتهم، وكذلك من جاء معه من العراق.
سبب تسمية أبي الحجاج بهذا الاسم لأنه كان يسقي الحجيج على طريق الحج من الأقصر
[المذيع]: هل كان لديه ابن اسمه حجاج، لذلك يُعرف بأبي الحجاج؟
[الشيخ]: لا، بل كان يسقي الحجيج؛ لأن هذا كان طريقًا [للحج].
[المذيع]: سنين تواجده في مكة؟
[الشيخ]: لا، أبدًا، حتى في مصر أيضًا؛ لأن هذه المنطقة في مصر التي هي الأقصر وقنا وما يماثلها. نتذكر أن أبا الحسن الشاذلي ذهب للحج من هنا.
[المذيع]: من عند سفاجة.
[الشيخ]: من عند البحر الأحمر، من عند حميثرة في صحراء عيدان. فكان هناك طريق للحج من هنا، وظل هذا الطريق موجودًا بعد أبي الحجاج بنحو مائتين أو ثلاثمائة سنة.
فهذا كان طريق الحج، فلم تكن السويس قد ظهرت بعد، والقلزم وهو حي من أحياء السويس، ولكن كان طريق الحج من أسفل، من قنا والأقصر.
فعندما يأتي الحجاج، كانت هناك مدن يمرون بها مثل قوص وإسنا وقنا والأقصر. كل هؤلاء الحجاج والغربيين أيضًا يأتون ويمرون بهذا الطريق، فكان [أبو الحجاج] يقيم لهم احتفالًا كبيرًا، فأصبح أبو الحجاج.
كرامات أبي الحجاج الأقصري وسبب تعلق الناس به وافتقاد العصر لأمثاله من الأولياء
[المذيع]: حسنًا، لا يصح أيضًا أن نختم قبل أن نعرف: هل له من الأعمال الجليلة، من الكرامات، من الأمور التي جعلت شعب الأقصر يرتبطون به طوال هذه القرون الطويلة؟
[الشيخ]: سيطول المقام.
[المذيع]: نأخذ نبذة.
[الشيخ]: ستطول نفسك مع هذا المقام؛ لأن السيد أبا الحجاج كثير الكرامات. وقد ذكرنا سابقًا أن هؤلاء الناس عندما تحدثنا عن السيدة نفيسة، هؤلاء الناس لأنهم كانوا عابدين حقًا بهروا من حولهم.
وكثير من الناس يسألني: لماذا الناس الآن ليسوا هكذا؟ فأقول له: لأنه لا يوجد فيهم مثل أبي الحجاج، لا عبد الرحيم القنائي [عالم دين وتفسير إسلامي مغربي، ولد في ترغاي من مقاطعة سبتة في المغرب الأقصى، وبعد الترحال إلى مكة والحجاز وغيرها من البلاد لينهل من العلم ويعلمه استقر به المآل في قنا فسُمي بعبد الرحيم القنائي] ليس فيهم، إبراهيم الدسوقي [فقيه سني شافعي مصري، وإليه تنسب الطريقة الدسوقية] ليس فيهم.
هؤلاء الأكابر، أبو الحسن الشاذلي [فقيه سني مالكي ومؤسس الطريقة الشاذلية]، نحن الآن ليست فينا هذه الحكاية. لكن على أساس أن هذا تم فعلًا وتراءى فعلًا وتعلقت الناس به فعلًا.
لكن ماذا سنقول وماذا سنقول؟ أنت الآن تريدني أن أقول بعض كرامات لسيدي أبي الحجاج، وقد كانت كل حركاته وسكناته كرامات: في الشفافية وكرامات حسية في أمور متعددة، وكرامات بالأخبار وكرامات بأشياء كثيرة.
فلندع هذا الأمر على عمومه، أي نقول رضي الله تعالى عنه.
ختام الحلقة بالدعاء وفضل ليلة القدر ودعاء النبي لعائشة فيها
[المذيع]: رضي الله عنه وأرضاه. أنا شاكر جدًا لفضيلة العالم الجليل الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا، شكرًا لكم، والشكر موصول لحضراتكم.
فضَّل الله سبحانه وتعالى ليلة القدر على سائر ليالي السنة وجعلها كألف شهر من العبادة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«من يقُمْ ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه»
أي كل ما سبق من ذنوب فإنها تُغفر له. وأوصى عائشة رضي الله عنها حيث قالت: أرأيت إن صادفتني ليلة القدر؟ قال:
«فقولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني»
فاللهم اعفُ عنا أجمعين.
