سيدي ابن عطاء الله السكندري -رضى الله تعالى عنه- | ح #23 | مصر أرض الصالحين | أ.د. علي جمعة
- •ابن عطاء الله السكندري فقيه صوفي ولد سنة 658هـ بعد وفاة أبي الحسن الشاذلي بسنتين، ونشأ في أسرة علمية متمكنة في العلوم الشرعية.
- •كان في بداية حياته منكرًا للتصوف، ثم تحول بعد لقائه بالمرسي أبي العباس الذي قال له: "يا فقيه" وذكر له أنهم تركوا جده حتى يخرج منه.
- •مر ابن عطاء الله بثلاث مراحل: تعلمه للعلوم الظاهرة، ثم لقاؤه بالمرسي، ثم انتقاله للقاهرة حتى وفاته سنة 709هـ.
- •جرت بينه وبين ابن تيمية مناظرة حول التوسل والاستغاثة، وشهد ابن عطاء الله بالحق مما أدى لسجن ابن تيمية، لكن لم يكن بينهما عداوة.
- •ترك مؤلفات مهمة منها: الحِكَم (212 حكمة) التي محورها "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وتاج العروس، ولطائف المنن.
- •دُفن بسفح المقطم بجوار السادة الوفائية، في منطقة بستان العلماء التي تضم مقامات كثير من الأولياء والعلماء.
دعاء افتتاحي بوصف عمرو بن العاص لمدن مصر
يا ربنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، نسألك بما وصف به عمرو بن العاص مدن مصر فقال: الإسكندرية إحدى العروسين، مصر خزائن الله في الأرض، والجيزة غيضة من غياض الجنة. اللهم يا ربنا استجب له واجعل ذلك في مصر إلى يوم الدين، اللهم آمين.
تقديم المذيع لحلقة عن الإمام ابن عطاء الله السكندري
[المذيع]: في إطار رحلتنا للبحث عن أولياء الله الصالحين وسيرتهم العطرة على أرض مصر، سنتوقف اليوم في محطة خاصة وفريدة مع الممثل الأول للصوفية في عصره والمتحدث باسمها قطعًا، هو صاحب الحكم، صاحب الحكم العطائية، الإمام ابن عطاء الله السكندري.
في مصر أرض الصالحين، ابن عطاء الله السكندري الفقيه الصوفي، نشأ في أسرة مشتغلة بالعلوم الشرعية، فكان منذ الصباح منكبًّا على دراسة التفسير والحديث والفقه وأصوله، بالإضافة إلى علم الكلام وإلى الفلسفة.
وكان كل هدفه في الحياة أن يبلغ منزلة جده لوالده، والذي كان فقيهًا معروفًا في عصره. وحينما تزور وليًّا وهو من العلماء الذي شهد له الكون كله بعلمه وغزارة علمه، تحس في هذا الأمر بروحانية خاصة، كأنك في حضرة علمٍ أو في مهبط للملائكة والصالحين.
نقطة التحول في حياة ابن عطاء الله بلقاء المرسي أبي العباس
وقد حدثت له نقطة التحول عندما التقى المرسي أبا العباس، فدخل في طريق التصوف فأتقنه مع بقائه على فقهه، إلا أنه ملأه بروح التصوف التي هي درجة الإحسان. رضي الله تعالى عنك يا ابن عطاء.
الترحيب بالدكتور علي جمعة والحديث عن الجيل الثالث من المدرسة الشاذلية
[المذيع]: ما الإسكندرية، بعد أن تابعنا في لقاء سابق سيدنا المرسي أبا العباس وقبله سيدنا أبا الحسن الشاذلي وارتباطهم بمصر بالإسكندرية، اليوم ننتقل إلى الجيل الثالث، ويمكنني أن أصف هذا بأنه بحر آخر من بحور العلم، وهو سيدنا ابن عطاء الله السكندري. أولًا أرحب بفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، السلام عليكم مولانا.
[الشيخ]: وعليكم السلام، أهلًا وسهلًا بحضرتك، مرحبًا.
[المذيع]: الإسكندرية واضح أنها مؤثرة وتشربت بالعلم بشكل كبير جدًّا، من أبي الحسن الشاذلي إلى المرسي أبي العباس إلى ابن عطاء الله السكندري، ولا يزال واضحًا أن الإسكندرية مليئة بالعلماء.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السيد أحمد الشهير بابن عطاء الله السكندري هو فقيه بن فقيه بن فقيه بن فقيه، وكان من عائلة علم.
نشأة ابن عطاء الله السكندري وتكوينه العلمي المالكي
وفي بداية نشأته، وُلد بعد وفاة سيدنا أبي الحسن الشاذلي بسنتين؛ فابن عطاء الله وُلد في سنة ثمانية وخمسين [وستمائة]، وأبو الحسن توفي سنة ستة وخمسين [وستمائة]، أي بعد سنتين من وفاته وُلد ابن عطاء الله السكندري.
من عائلة علم، وأصبح مالكي المذهب، وأصبح متمكنًا من العلوم: التفسير والحديث والأصول واللغة وغيرها إلى آخره.
تشبيه العلوم الظاهرة بالإناء والعلوم الباطنة بالماء
[المذيع]: هذه العلوم الظاهرة يا مولانا؟
[الشيخ]: العلوم المنضبطة الظاهرة المنقولة عبر العصور، التي تمثل في الحقيقة الإناء. المشكلة أن هذا الإناء لابد أن يأتي من أننا نملؤه بالماء، لكن هم ما يُسمى بأهل الظاهر يكتفون بالإناء.
الحمد لله أحضرنا الكوب، فيقول له الآخر: لا، يجب أن تملأ الكوب ماءً. أما العلوم الباطنة فالمهم عندها هو الماء، فيرد عليه: أأنت ضد الكوب أم ماذا؟ فيجيب: لا بالطبع، فالكوب ضروري جدًّا؛ لأنه بدون كوب لن يكون هناك ماء.
أما التصوف فيقول: ماذا بعد أن أحضرنا الكوب، الذي هو الصلاة والصوم والحج والفروض والشريعة كلها، بماذا أملأها؟ لقد أصبح هدف الصلاة هو الخشوع، وما هدف الحج؟ التوبة والرجوع والإنابة.
الشريعة والتصوف متلازمان ولا فائدة من العبادة بلا خشوع
إذن، تصبح هذه الأمور هي الأساسية، وليس أن أقوم وأنا شارد الذهن، أُكبّر وأقرأ وأركع وأسجد وأنا شارد الذهن، فهذا لا فائدة منه.
[المذيع]: حسنًا، ماذا تقصد بعبارة لا فائدة؟
[الشيخ]: نحن لا نتركها، بل نحن بحاجة إليها حاجة شديدة جدًّا حتى نضع فيها هذا الخشوع.
جد ابن عطاء الله كان شديد الإنكار على التصوف وقصة لقائه بالمرسي
فكان ابن عطاء الله السكندري - جده عطاء هذا، جده هذا ربما الرابع أو الخامس - شديد الإنكار على التصوف، فتربى في هذه البيئة. وهو قال عن نفسه في لطائف المنن أنه كان لا يحب المرسي أبا العباس في بداية الأمر.
حتى تواصل مع رجل قال له: يا أخي، تعال قابله وانظر. قال له: هذا إنصاف. فلما قابله قال له المرسي: يا فقيه.
أي أنه إذا كان في هذا العمر، أي حوالي ثمانية عشر عامًا أو نحو ذلك، كان عمره ثمانية عشر عامًا. يا فقيه، كلمة يا فقيه، هذا يدل على أن ابن عطاء الله السكندري حينئذ كان قد بدأ نبوغه يظهر، وأنه بدأ يتصدر للدرس، بدأ يُعلِّم شيئًا مثل هذا.
قصة النبي مع ملك الأخشبين وتشبيهها بترك أهل الله لجد ابن عطاء
يا فقيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه جبريل بملك الأخشبين حتى يطبق الجبال على الطائف على المشركين، قال له:
قال النبي ﷺ: «إني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله»
وأننا تركنا جدك الذي هو عطاء، حتى تخرج منه. تركوه، معناها أي أنهم لم يدعوا عليه ولم يؤذوه، أتفهم؟ تركوه يهرف ما يريد، جالسًا يشتم ويفعل ما لا أعرف، لماذا تركوه يعني؟
أهل الله المتصوفة إذا جاء أحدٌ وأنكر وقال كذا أو قد يكون بينه وبين أحدهم صلة مع الله سبحانه وتعالى، يدعو عليه.
لحوم العلماء مسمومة ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب
نعم، وقد قالوا ذلك من قبل: لحوم العلماء مسمومة، صحيح. والعادة أن المنتقِص منهم معلوم، وأحيانًا الله تعالى يفعل هذا من غير تدخل ومن غير دعوة.
إذا كان شخص مظلومًا فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. فإذا كان هذا الرجل مظلومًا، لكن هذا المظلوم غير راضٍ أن يدعو، المظلوم هو مظلوم لكنه غير راضٍ أن يدعو، لماذا؟
قال: لأنه سيأتي شخص أفضل منه. نعم، ما هو الشخص الأفضل منه؟ سيأتي شخص ابن حلال منه، الذي هو أحمد هذا الذي هو شهير بابن عطاء الله السكندري.
المحطات الثلاث في حياة ابن عطاء الله السكندري
كان ابن عطاء الله السكندري له ثلاث محطات أو له ثلاثة أجزاء:
- الجزء الأول: الذي تعلم فيه وكان ظاهريًّا وضد التصوف.
- الجزء الثاني: الذي التقى فيه بالمرسي أبي العباس.
- الجزء الثالث: [انتقاله إلى القاهرة حتى وفاته].
هو عندما سمع كلام الرجل [المرسي أبي العباس] انبهر به، ووجد أن هذا يخرج من القلب وأنه يريد شيئًا آخر غير الذي هو شائع.
تشبيه الكأس والماء في العلاقة بين الشريعة والتصوف
فهم حكاية الكأس والماء هذه، فأنا لا أقول لك وأنا أقول لك: الماء مهم، الماء مهم، الماء مهم، إن الكأس ليست مهمة. أليس هذا الكأس هو الذي سيوضع فيه الماء؟ هذا هو الأهم، هذا هو الأهم.
هذا عندما أنا يكون معي كوبٌ الذي هو الفروض والشريعة، فأعرف أن أضع فيه أغراض الشريعة. ولكن لو لم تكن معي الشريعة، فلا أستطيع أن أضع فيها شيئًا.
فصاحب أبا العباس المرسي إلى أن انتقل [المرسي]، وكان انتقاله سنة ستمائة وستة وثمانين. بعد ذلك بدأ ينتقل إلى القاهرة في المرحلة الثالثة حتى وفاته سنة سبعمائة وتسعة.
هل كان تصوف ابن عطاء الله مختلفًا بسبب جمعه بين العلوم الظاهرة والباطنة
[المذيع]: هل كان تصوفه مختلفًا بما أنه كان متمكنًا من العلوم الظاهرة كالفقه والحديث واللغة، بالإضافة إلى العلوم الباطنة التي تلقاها من سيدنا المرسي أبي العباس؟ هل نتيجة لذلك، عندما مزج بين المدرستين، أصبح متصوفًا بشكل مختلف؟
[الشيخ]: أريد أن أقول أخبرك أنه ما انجذب إلى المرسي أبي العباس إلا لأن هذه مدرسة المرسي، وأريد أن أقول لك أن المرسي ما انجذب إلى أبي الحسن إلا لأن هذه هي مدرسة أبي الحسن، وهي المزج بين الاثنين.
وهذا هو الذي انبهر به العز بن عبد السلام. العز بن عبد السلام كان منحرفًا عن محيي الدين بن العربي، وعندما قابل أبا الحسن الشاذلي فهمه لغة محيي الدين بن العربي، فقال: إذن فهو من كبار علماء الإسلام.
المناظرة بين ابن عطاء الله السكندري وابن تيمية حول التصوف والاستغاثة
القصة هي هكذا، وكذلك المجادلة أو المناظرة التي حدثت بين ابن عطاء الله السكندري وابن تيمية، مجادلة طويلة عريضة ذُكِرت في الكتب أشياء كثيرة.
[المذيع]: حسنًا، هذه مناظرة مهمة، يعني يجب أستأذن حضرتك أن نفرد لها جزءًا، إنها محطة بالتأكيد مهمة بين قامتين كبيرتين، أعني ابن تيمية وابن عطاء الله السكندري.
وصف مسجد ابن عطاء الله السكندري وبركة المكان عند سفح المقطم
وفي حرم مسجده [مسجد ابن عطاء الله السكندري] نجد ضريح الكمال بن الهمام، فنجد بقيعًا آخر تحت سفح جبل المقطم يسكنه أولياء الله الصالحون، وتفوح بركاتهم في نسيم هوائه العليل الذي يعطر سماء المنطقة.
وعلى بعد خطوات قليلة من المسجد يقع مقام العارف بالله شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين محمد، وتطل عليه خلوة السيدة نفيسة رضي الله عنها، يباركون المقابر والمكان من حولهم.
ففي صمت يعلوه صوت بكاء الخاشعين والسائلين، يقبع المسجد في أحضان جبل المقطم في ساحة عبد الله بن أبي جمرة. فعلى الرغم من وجود المسجد على بعد من المساكن ووسط المقابر، يأتي إليه المريدون يتباركون بأرض الأولياء ويطلبون الكرامات من صاحب المقام الرفيع، فتسري فيهم سكينة وهدوء وتجد الهيبة والإجلال في نفوسهم.
أعشق هذا المكان وذلك لروحانياته وبركاته التي تفيض علينا في هذا المكان.
مناظرة ابن عطاء الله وابن تيمية حول الاستغاثة والتوسل وفهم السنة
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة ثانية، مازلنا مع صاحب الحكم ابن عطاء الله السكندري، وأرحب مرة أخرى بفضيلة الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا بكم، حديث ممتع الحقيقة عن الإمام ابن عطاء الله السكندري، الحقيقة حديث جميل وشيق.
ابن عطاء الله السكندري كانت بينه وبين ابن تيمية واقعة ومجادلات وغير ذلك. كان يدرس في الأزهر ابن عطاء الله السكندري، فكان يعترض على ابن تيمية في القول في الاستغاثة والقول في التوسل.
كان يقول له: أنت لا تفهم معاني كلام الأئمة. والآخر يرد عليه: والله، لدي سنة رسول الله. فيقول له: هذا فهمك لسنة رسول الله، وليست هذه هي سنة رسول الله. فهمك للسنة، فهمك؟ نعم، أنت فهمك هكذا، أنت تفهمها بشكل خاطئ.
الفرق بين فهم السنة والسنة ذاتها في مسألة التصوف والروحانيات
يعني الذي يقول هذا الكلام ويهاجم فكرة التصوف وفكرة الروحانيات هذه، هو هذا على حسب فهمه للسنة، ويقول هذا ليس من السنة في شيء. لا، نعم هذا فهمه هكذا، فهمه للسنة. نعم، ولكن هذه ليست السنة هكذا، وكان يشرح لماذا.
فالمهم، الحاصل أنه عندما جاؤوا لابن عطاء الله السكندري واستشهدوه: هل قال ابن تيمية هذا الكلام؟ قال لهم: نعم. فقبضوا عليه [على ابن تيمية] وسجنوه.
لقاء ابن عطاء الله وابن تيمية بعد السجن والخلاف حول الاستغاثة والتوسل
فلما خرج [ابن تيمية] من السجن التقيا مع بعضهما، فدخل ابن عطاء الله فوجد ابن تيمية فقال له: أهذا شيء مناسب وجيد أن نكون أول من قال... هل أنت غاضب مني؟
قال: ولماذا سأغضب منك؟ إنك قلت الحق، إنك شهدت بالحق. لكن هناك خلاف بيني وبينك: أنا أقول إن الاستغاثة أو التوسل وما شابه ذلك لا يجوز وأنه شرك.
لكن قال له [ابن عطاء الله]: لا، أنت لم تفهم، فالاستغاثة هذه صيغة والتوسل هذا صيغة. هل يوجد أحد من المسلمين يشرك بالله سبحانه وتعالى مع علمنا أن الاستغفار يكون لله؟ فإذا طلبت منك أن تستغفر لي عند الله سبحانه وتعالى أو أن تدعو لي، فهل أكون قد أشركت؟
وقد جرت المناظرة بينه وبين ابن تيمية، وكانت مناظرة ممتعة تحدث فيها عن هذه القضايا الخلافية التي أثارها ابن تيمية من جراء فهمه للسنة المشرفة.
تراجع ابن تيمية الجزئي عن موقفه من محيي الدين بن العربي
[المذيع]: حدث مع من تراجع عن رأيه؟
[الشيخ]: والله هو ابن تيمية. لما جاءت سيرة محيي الدين بن العربي، وقيل له: أنت على فكرة تظلم الرجل، فالرجل له لغته وله رموزه وله مقاصده من هذا الكلام، فأنت عندما تحمل هذا على ظاهر العبارة اللغوية تكون ظلمت.
اقرأ ابن العربي مرة ثانية، فقال له: والله لو أن ابن العربي يكون معناه هكذا، فهذا يكون إمام من أئمة المسلمين. قال له: إن العز بن عبد السلام قال نفس الكلام لما عرف المدخل الصحيح للفهم في هذه المسألة.
فابن تيمية قال له: ما هي الكلمة بعدها؟ يقول له ماذا؟ ولكن رأيي غير ذلك، ولكن رأيي غير ذلك، غير ذلك. كأنه ماذا، لم يعد...
ابن تيمية يكتب في التصوف ويُدفن في مقابر الصوفية بدمشق
العملية الواقعية أصبحت أن ابن تيمية بدأ يكتب في التصوف، ابن تيمية بدأ يكتب في التصوف، فكتب التحفة العراقية وكتب الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن وكتب رسالة التصوف وكتب كذا.
وعلى فكرة ابن تيمية عندما دُفن، دُفن في مقابر الصوفية في دمشق. وهل تنتبه كيف أنه إلى الآن يعني قبره معروف إلى الآن في مقابر الصوفية.
هذا يُعتبر بمثابة مراجعة ذاتية جزئية وليست كلية. وكانت معارضة ابن تيمية للتصوف جزءًا من برنامجه؛ لأن هذا هو برنامجه، كان أساسًا في العقيدة وفي الصفات وفي غير ذلك إلى آخره، ويتلوها بعض الأحكام الفقهية، ويتلوها ثالثًا قضيته من التصوف.
مؤلفات ابن عطاء الله السكندري وشرح الحكم العطائية
لكن ابن عطاء الله السكندري ألَّف لنا كتبًا وترك لنا ما يشبه المكتبة. ترك لنا تاج العروس في تهذيب النفوس وهو كتاب ماتع صغير هكذا، هو ترك لنا لطائف المنن، ترك لنا الحِكَم.
ابن عطاء الله مائتين واثني عشر حكمة تقريبًا، كل حِكَم ابن عطاء الله. وقد منَّ الله عليَّ أن شرحتها في الأزهر الشريف مرتين، وهي مسجلة والناس تستمع إليها وموجودة على يوتيوب.
محور حكم ابن عطاء الله هو لا حول ولا قوة إلا بالله
فحِكَم ابن عطاء الله كلها عندما تعيش فيها كان مؤداها لا حول ولا قوة إلا بالله. يعني إذا فهمت حِكم ابن عطاء بعمق فقد فهمت معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، محورها هو لا حول ولا قوة إلا بالله.
قصة ابن عطاء الله مع المرسي أبي العباس حول ترك الدنيا والاعتزال
هذا ما حدث عندما ذهب [ابن عطاء الله] إلى المرسي أبي العباس في بداياته، إذ كان يريد أن يترك الدنيا والعلوم وما إلى ذلك، ويذهب إلى خلوة كما كان سيدنا [النبي ﷺ] يذهب إلى غار حراء.
فيقول: دخلت على المرسي وأنا أُضمر القرار الذي اتخذته أنني سأُبلغه أنني سأترك الدنيا وما فيها وأذهب، فليبحث لي عن خلوة أختلي فيها مثل سيدي الخلواتي في المقطم.
الذي ذهب جلس يتحدث إليَّ، فقال لي على البداهة من غير أن يتكلموا [أي من غير أن يُخبره أحد بنيته]، يعني نعم كذلك من توفيق ربنا.
نصيحة المرسي أبي العباس: كن حيثما أقامك الله ولا تنقل نفسك
أنه [المرسي أبو العباس] قال له في البداية: كان لديه تلميذ في قوص اسمه ابن ناشئ، نائب الحاكم، يعني نائب المحافظ أو محافظ قوص. جاءني فقال لي: أريد أن أترك الدنيا وأترك هذه الحكاية كلها وأتفرغ للعبادة.
فقلت له: لا، تفعل هذا. كن حيثما أقامك الله، هو الذي يخلو بك وهو الذي يقيمك حيثما تكون. هذا هو التسليم والرضا.
ربنا أقامك في هذا فهو يريدك هنا، فيجب عليك يا أخي أن تعمل وما إلى ذلك، ولكن محورك هو الله ولا إله إلا الله، وأفعالك كلها إلى الله، ولا تنقل نفسك مما أنت فيه، دعِ الله ينقلك.
تطبيق نصيحة المرسي على الواقع والتوكل والرضا والتسليم
نعم، فلا تأتني وتقول لي أنني أريد أن أترك الإذاعة والإعلام، وأريد أن أختلي بعد هاتين الحلقتين أو الثلاث. بالضبط هكذا، فأقول لك: لا، ابقَ هنا في موقعك، ابقَ كما أنت مذيعًا، فينفع الله بمكانك هذا.
لماذا؟ لأنه هو الذي أقامك فيه. وهكذا أبدًا، فهذا هو التوكل والرضا والتسليم، وخلو القلب لله.
فابن عطاء الله السكندري يقول ماذا؟ فذهب، فأذهب الله ما كان في قلبي، خلاص انتهينا. وأصبح يدرس إلى أن مات رحمه الله.
وفاة ابن عطاء الله ودفنه في سفح المقطم بجوار بستان العلماء
ابن عطاء مات سنة سبعمائة وتسعة، ودُفن في سفح المقطم بجوار السادة الوفائية. فيما بعد السادة الوفائية جاؤوا بعد ذلك.
يُقال أن المحبين، أي أن الذي لديه حب كهذا في قلبه، الذي يريد أن يفعّل الحب في قلبه، هناك شيء يصل بينه وبين هذا الحب.
هذا بستان العلماء مدفون، جلبه ابن دقيق العيد ومدفون جنبه كمال بن الهمام ومدفون جنبه ابن سيد الناس ومدفون، جلبه ابن أبي جمرة. وكان معبد السيدة نفيسة هناك، فحتى الآن تذهب وتجد يقول لك هذا معبد السيدة نفيسة، ومدفون قبليه بثلاثمائة متر السادة الوفائية.
فهذا بستان، هذه جنة ربنا يُقيمها.
قصة عبد الحليم محمود مجاهد وبناء مسجد ابن عطاء الله السكندري
وكان أحد المهندسين المقاولين الذي هو المرحوم عبد الحليم محمود مجاهد، فعبد الحليم محمود مجاهد جاء هنا في هذا المكان وبنى عليه وجدَّد القبر وبنى المسجد الذي يُزار إلى الآن وهكذا.
وأحيانًا اعترضوا عليه قائلين له: ما هذا؟ ستذهب لتبني في الصحراء؟ وأنفق فيه نفقة كبيرة، وجعل الحجرة التي بجواره للشيخ عبد الحليم محمود ليُدفن فيها؛ لأن الشيخ عبد الحليم محمود كان متعلقًا جدًّا بالمدرسة الشاذلية وألَّف فيها وكان متعلقًا بسيدي ابن عطاء رحمه الله.
بعد ذلك عبد الحليم محمود شيخ الإسلام دُفِنَ في قريته. فعبد الحليم محمود المقاول الذي هو اسمه على اسمه وهو كاتب الاسم، في الخارج مدفن عبد الحليم محمود دُفِنَ هناك.
سبحان الله، فالحمد لله رب العالمين، يعني ربنا أكرمه بأن دُفِنَ بجانب الشخص [الذي أحبه]. كان السيد ابن عطاء يعني ماذا، استدعاه وأعطاه جزاء ما أنفق أو كذا بهذا البقاء في بستان العلماء هؤلاء الأولياء الأتقياء، رحمة الله عليهم أجمعين.
ختام الحلقة والشكر للدكتور علي جمعة على حديثه عن ابن عطاء الله السكندري
[المذيع]: أعني أنني شاكر جدًّا فضيلتك جزيل الشكر على الإيضاح والكلام الجميل والنور الذي عشنا فيه اليوم مع سيدنا ابن عطاء الله السكندري، شكرًا جزيلًا لحضرتك.
[الشيخ]: شكرًا لكم.
[المذيع]: شكرًا هكذا، شكر موصول لحضراتكم، إلى اللقاء.
دعاء تيسير الولادة بقراءة آية الكرسي وسورة الأعراف والمعوذتين
دعاء تيسير الولادة: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر أم سلمة وزينب بنت جحش عليهما السلام أن يأتيا فاطمة عليها السلام لما اقترب وقت ولادتها، فيقرآن عندها آية الكرسي ويقرآن:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِٓ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
ويعوذاها بالمعوذتين.
