شاهد حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم التي في عنق كل مسلم | أ.د علي جمعة
- •الرسول صلى الله عليه وسلم بُعث لإتمام مكارم الأخلاق، وهي هدفه الأساس.
- •أيّد الله رسوله بحفظ القرآن وسنته، فلم يُحفظ كتاب أو سيرة كما حُفظت سيرته وأقواله.
- •انتشر الإسلام رغم محاربته من قبل أعدائه، وهذا دليل على تأييد الله لنبيه.
- •من حقوق النبي علينا: الإيمان به، وطاعته، واتباع سنته، ومحبته، وتعظيمه، وإظهار هذا الحب.
- •محبة النبي فوق الطاعة والإيمان، فهي حب وجداني وعقلي وروحي يتحرك في الأرواح.
- •من علامات حب النبي كثرة الصلاة عليه، وقد جعلها العلماء ألف مرة يومياً.
- •من أحبّ النبي كان معه، كما بشّر في حديثه: "أنت مع من أحببت".
- •بشّر النبي بأن أشد أمته حباً له قوم يأتون من بعده يتمنى أحدهم لو رآه بأهله وماله.
- •الأمة مأمورة بتعظيم النبي وتوقيره، وخطابه بالألقاب المناسبة.
- •العلاقة بالنبي تكون بالصلاة عليه والتمسك بسنته.
افتتاح المجلس بالحمد والصلاة على النبي والدعاء لمجلس العلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، مما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهتدي به إلى الله.
نعيش هذه اللحظات عسى أن يحتسب الله هذا المجلس مجلس علم عنده، يجعله في ميزان حسناتنا، ويذكرنا في ملأ عنده، وينزل علينا السكينة، وتغشانا الرحمة، وتحفنا الملائكة، كما وعد ربنا سبحانه وتعالى لمجالس العلم التي تُذكر فيها آياته وأحاديث نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. اللهم آمين.
ونسأل الله سبحانه وتعالى الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة لسيدنا النبي، وأن يجازيه عنا خير ما جازى نبيًا عن أمته ورسولًا عن قومه، آمين.
سؤال عن حق رسول الله في أعناقنا وما شاع من الاستهانة بسنته
يسأل سائل فيقول: ما حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أعناقنا؟
ويبدو أن السائل وجد ما ذاع وشاع من الاستهانة بسنته صلى الله عليه وآله وسلم، ومن خلط الكافة في الفهم عن سيدنا، وفي الفشل عن تحويل ما فهمناه إلى واقع معيش.
حديث إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق وحصر هدف البعثة النبوية
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
و"إنما" في لغة العرب تفيد الحصر والقصر؛ أي أن الهدف الوحيد والأساس من بعثته صلى الله عليه وآله وسلم هدىً للعالمين هو مكارم الأخلاق.
فأين هذا من برنامجنا اليومي؟ كل واحد يسأل نفسه.
رواية الصحابة للقرآن الكريم وحفظ الله له حفظًا لم يُحفظ به شيء قط
لما روى الصحابة الكرام ما سمعوه من سيد الخلق، رووا عنه أمرين: الأول رووا عنه القرآن الكريم، وتكفل الله بحفظه فحُفظ على أبدع ما يكون.
حُفظ بما لم يُحفظ به شيء قط؛ لا حُفظت الكتب السابقة كحفظه، ولا أشعار الشعراء كحفظه، ولا خطب الخطباء كحفظه، ولا كتب المؤلفين كحفظه.
كما أنه لم يُحفظ تاريخ أحد من البشر كما حُفظ تاريخ سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، فحُفظ له كل سكنة وحركة.
التأييد الرباني للنبي في حفظ دينه ونشره ليس بيد أحد من البشر
لا وجود أمامنا وعلى عبر التاريخ مثل هذا التأييد الرباني الذي ليس بيد أحد من البشر، لا بيد محمد ولا بيد غيره، أن يُحفظ هذا الحفظ. ذلك الرسول المؤيد محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يستطيع أن يحافظ على نسله وأبنائه وقد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وحافظ ربنا عليهم.
لا يستطيع محمد أن ينشر دينه، ودينه فيه التزام وقوة وحزم. ليس هناك دين في الأرض يخاطب الجميع سوى الإسلام.
فرض الصلاة على الجميع وانتشار الإسلام بتأييد رب العالمين
فُرضت الصلاة على الرجال والنساء، على الشباب والشيوخ، على الأصحاء والمرضى.
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]
هذه الصلاة خمس مرات في اليوم، سبع عشرة ركعة، فيها من القيام والركوع والسجود والقراءة والدعاء والذكر ما فيها. ليس هناك أمة تسجد لربنا سبحانه وتعالى في الأرض سوى المسلمين.
وفي كل يوم ينتشر الإسلام، أبيد محمد هذا أو بيد المسلمين أو بيد أحد من العالمين؟
محاربة الإسلام عبر التاريخ وازدياد المسلمين رغم كل المحن
هذا الإسلام الذي حُورب من الروم والفرس ومن المشركين ويهود ومن التتار والصليبيين ومن المستعمرين عبر التاريخ، والمسلمون يُضربون، وفي كل مرة يُضربون يزدادون.
ويدخل التتار ليحتلوا بلاد المسلمين فيُسلمون، ويعود الصليبيون إلى بلادهم وكثير منهم قد أسلم ودخل الإسلام.
أهذا بيد المسلمين أم أنه بيد رب العالمين؟
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
سورة الكوثر وتكاثر نسل النبي من الحسن والحسين رغم محاولات القطع
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]
من شانئه [أي مبغضه]؟ هذا الذي عيّره بأنه لم يأتِ إلا ببنات لا يحملن اسمه! والله لا نعرف، ذكر أهل التفسير تسعة أسماء، ولا نعرف من منهم الذي كان شانئهم، ذهب مع الريح وعاد أبتر.
وصدق ربنا:
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]
أي أن أهل البيت تكاثروا وتناسلوا من اثنين فقط، من الحسن والحسين، فملؤوا الأرض وصاروا بالملايين.
كل أبناء الحسين ماتوا وكان يمكن أن يموت علي زين العابدين، كل أبناء الحسن ماتوا وكان يمكن أن يموت زيد الأبلج والحسن المثنى وانتهى الأمر، لكنه لم ينتهِ.
حديث الثقلين وانتشار نسل النبي بتأييد الله لا بيد البشر
قال رسول الله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»
وما الذي أدراك يا محمد وقد مات أبناؤك أمامك، ودفنت بناتك أمامك، وقلت لفاطمة: إنك أسرع أهلي لحوقًا بي عليها السلام؟ من أدراك أن نسلك ينتشر؟ وإذا به قد انتشر.
من عند من هذا؟ من تأليف المسلمين؟ من اختيار المشركين؟ إن الله سبحانه وتعالى أيّد هذا النبي الأمي الرسول الخاتم.
وجوب الإيمان بالنبي لأن دلائل نبوته فاقت الحصر وهو مقياس رضا الله
فحقه علينا أن نؤمن به؛ لأن دلائل نبوته فاقت الحصر، ولأنه في نبوته وأمره بالأخلاق تعدى الزمان والمكان.
ولأنه صلى الله عليه وسلم هو مقياس رضا الله:
﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116]
ولأنه خاتم النبيين فنحن لا نعلم ما الذي يرضي الله وما الذي يغضب الله.
ما تركه النبي للأمة من القرآن المقيم والسنة النبوية هداية وتطبيقًا
فترك لنا [رسول الله ﷺ] أمرين: ترك لنا القرآن نبيًا مقيمًا، وترك لنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هدايةً وتطبيقًا.
ترك لنا المطلق كتاب الله الذي هو ليس بمخلوق، بل هو كلام الله الذي هو صفة من صفاته، وكأنه يتنزل علينا الآن. وترك لنا تطبيقًا معصومًا لهذا الكتاب.
كل من قدح في السنة فهو يقدح في القرآن كما نبّه الإمام الشافعي
ولذلك كل من قدح في السنة أو أراد [الطعن فيها] إنما هو يريد أن يقدح في القرآن؛ لأن كل ما اعترض عليه المعترض من السنة فهو في القرآن.
وهذا ينبهنا إليه الإمام الشافعي فيما رواه عنه البيهقي بسنده المتصل: أن كل ما ورد في السنة فأصله القرآن.
فالذي يشكك في سنة المصطفى، غدًا سترى نفسك أمام القرآن تقرأه، فإذا فيه ما تشككت فيه، فتتشكك في القرآن، وهو المطلوب عند هؤلاء الناس.
تحذير المسلمين من الكلام المزوق وبيان أن من البيان لسحرًا
ونحن ننبه المسلمين: لا تتعجلوا ولا تفرحوا بكلام مزوّق؛ فإن من البيان لسحرًا. وهذا السحر منه حلال ومنه حرام؛ لأن السحر الحرام هو الذي استعان بالجن، لكن لما أدرك السحرة عصا موسى خرّوا سجّدًا.
بكلمات بسيطة ينهدم البنيان على رؤوسهم.
وجوب الإيمان بالنبي وطاعته بنص القرآن الكريم والأحاديث النبوية
فحق رسول الله في أعناقنا أن نؤمن به:
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]
﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]
القرآن هو الذي قال لنا هكذا، فلا بد أن نؤمن به وأن نطيعه صلى الله عليه وسلم.
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
قال ﷺ: «خذوا عني مناسككم»
وقال ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»
وقال ﷺ: «ومن رغب عن سنتي فليس مني»
الأمر أوضح من الواضحات وأجلى من البينات في وجوب الإيمان برسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه مؤيد من الله، وأننا قد أُمرنا بالرجوع إليه.
الأسوة الحسنة في رسول الله وصفات عباد الله الصادقين في حبه
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
فعباد الله الساعين إليه، المنورة بصائرهم، المؤيدون باستجابة الدعاء لهم، الموفقون في إقامة الطاعات والبعد عن القاذورات، يحبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وجوب الإيمان بالنبي وطاعته واتباعه كمثال أتم في كل شؤون الحياة
يجب علينا إذن أن نؤمن به وأن نطيعه وأن نلتمس الهدى منه باتباعه. ليس فقط أن نمتثل الأمر أو ننتهي عن النهي، بل إننا نراه كمثال أتم، هو محل نظر الله.
كيف كان يأكل، كيف كان يمشي، كيف كان يعيش، كيف كان يتعامل، كيف كان إنسانًا: زوجًا أو معلمًا مفتيًا تاجرًا قائدًا.
كيف كان؟ ونرى ما كان عليه سيدنا ونتبع حتى في خلاف الأوامر والنواهي، بل لالتماس البركة منه؛ لأن هذا المثال هو الإنسان الكامل، وهو المثال الأتم الذي أراده الله سبحانه وتعالى مثالًا وأسوة للعالمين.
تحذير الله من مخالفة النبي وعاقبة من يشاقق الرسول
حذرنا الله من مخالفته [صلى الله عليه وسلم]:
﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]
﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾ [النساء: 115]
وجوب حب النبي حبًا وجدانيًا وروحيًا كحق من حقوقه في أعناقنا
ولا بد علينا أيضًا كحق من حقوقه في رقابنا وأعناقنا أن نحبه وأن نتدله بحبه صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن هنا اهتم المسلمون بمثال النعل الشريف لرسول الله، فوضعوه على رؤوسهم وعلى غطاء الرأس، ووضعوه على أعتاب بيوتهم حتى إذا ما دخلوا البيت دخلوا من تحته، وجعلوه في خواتمهم، والنساء في صدورهن في قلائدهن، حبًا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
حب النبي فوق الطاعة والإيمان حبًا وجدانيًا تتحرك فيه الأرواح
رسول الله ينبغي علينا أن نحبه فوق الطاعة وفوق الإيمان وفوق الاتباع وفوق عدم المخالفة. هذا أمر آخر: يجب أن نحبه حبًا وجدانيًا عقليًا روحيًا فعليًا قلبيًا، حبًا تتحرك فيه الأرواح.
تقديم أحمد شوقي على حافظ إبراهيم بسبب تعلق قلبه بمدح النبي
ولذلك ترى المحبين قدّموا أحمد شوقي أمير الشعراء على حافظ إبراهيم. أحمد وحافظ كانا كفرسي رهان، إلا أن أحمد - رحمه الله تعالى - تعلق قلبه برسول الله، فكتب مادحًا فيه القصائد الكثيرة.
هو الذي كتب "ولد الهدى"، سمّاه هدى:
ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزمان تبسم وثناء
هو الذي ألّف وأنشأ نهج البردة.
بردة البوصيري ونهج البردة لأحمد شوقي في مدح النبي الكريم
البردة للبوصيري كانت سببًا في شفائه من شدة تعلقه بحبه لرسول الله، فكتب:
أمِن تذكّر جيران بذي سلم ... مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم أم هبّت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من إضمِ فما لعيناك إن قلت اكففا همتا ... وما لقلبك إن قلت استفق يا هم
هو الذي يقول: أبان مولده عن طيب عنصره ... يا طيب مبتدئ منه ومختتم.
هو الذي يقول: كالزهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم.
فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم
صلى الله عليه وسلم.
قصائد أحمد شوقي في مدح النبي وتفوقه على حافظ بمقياس حب المصطفى
فجاء شوقي يقول:
ريم على القاع بين البان والعلم ... أحلّ سفك دمي في الأشهر الحرم
من شدة تعلقه بحبه بالجناب الأجل [النبي ﷺ]. وهكذا يكتب البائية والهمزية والميمية مدحًا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى درجات على حافظ.
لماذا؟ مقياس هذه الأمة هو سيدنا النبي. يجب علينا أن نحبه وأن نُظهر حبه.
الرد على من يعامل النبي كسائر البشر وبتر آية قل إنما أنا بشر مثلكم
أما هذا الذي يريد أن يتعامل معه ﷺ كما يتعامل مع سائر البشر فهو مخطئ. قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]
ولذلك لما جاء أحد المؤلفين وكتب الآية مبتورة: "قل إنما أنا بشر مثلكم"، ردّ عليه العلماء قالوا: لا يوجد آية في القرآن هكذا!
ما هو كالطالب يقول: "فويل للمصلين"، لا، لا توجد آية هكذا في القرآن. يقول له: ما هي الآية؟ لا:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]
"لا تقربوا الصلاة"؟ لا توجد آية في القرآن اسمها "لا تقربوا الصلاة". أي آية؟ لا:
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]
حذفتها لماذا؟ لأنه يريد أن يجعل نفسه متساويًا معه ﷺ. هكذا هو يكون فيما نسميه عندنا غباءً متشتتًا، والله غباءً متشتتًا!
مكانة النبي كسيد الخلق وحبيب الرحمن المؤيد من رب العالمين
الذي يريد هذا [التسوية بالبشر]، هذا سيد الخلق، هذا سيد الكائنات، هذا حبيب الرحمن، هذا المؤيد من رب العالمين.
كتاب دلائل الخيرات للإمام الجزولي وتعلق الأمة بحب النبي عبر التاريخ
ألّف الإمام الجزولي صلوات على النبي جمعها من أهل الله وسمّاها "دلائل الخيرات في الصلاة على سيد السادات".
عندما رجعنا إلى المخطوطات التي في الأرض من التراث الإسلامي وجدنا عجبًا: وجدنا دلائل الخيرات أكثر عددًا من المصاحف! والمصاحف كثيرة ودلائل الخيرات أكثر!
ما هذا؟ ما هذا لتعلق الأمة بحب الجناب الأجل صلى الله عليه وآله وسلم.
الرد على من يطعن في دلائل الخيرات وبيان أن هذا الفكر ربّى التطرف
فيأتي شخص مسكين لا يعرف كوعه من بوعه ولا مفاصل يده من كرسوعه، ويقول: إنها دلائل الشرك!
إذن هذا الذي ربّى داعش وربّى الإخوان المسلمين وربّى القاعدة وربّى المفسدين في الأرض، أمثال هذا الإنسان العجيب الغريب الذي لا يفقه ما دلائل الخيرات وكيف حبّبت الناس في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. جهالة!
قصة ثويبة وفرح أبي لهب بميلاد النبي وعتقه لها
ثويبة كانت رقيقًا وعبدة عند أبي لهب. فلما وضعت آمنة عليها السلام سيد الخلق، كان حاضر الولادة ثويبة. فلما نزل [المولود] وشرّف الدنيا صلى الله عليه وآله وسلم، ذهبت ثويبة إلى سيدها لدى الكعبة أبي لهب وقالت له بالخبر السعيد بميلاد محمد بن عبد الله.
ففرح أبو لهب وأعتقها. كان أبو لهب يحب سيدنا النبي، انظر إليه هكذا، يحبه كما كان فرعون يحب موسى. هكذا هو فرعون، ليس جيدًا، لكنه كان يحب سيدنا موسى:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
ينظر إليه هكذا، لا يستطيع أن لا يحبه عقله. فعقله يقول له: هذا سبب هلاكك الذي سيميتك، وقلبه يقول له: لست قادرًا.
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
أبو لهب وخطبة بناته للنبي وتمكن الشيطان منه بسبب زوجته
أبو لهب هذا خطب رقية وأم كلثوم لابنيه هذين، وابناه عتبة وعتيبة. كان يحب سيدنا محمدًا، إنما الشيطان تمكّن منه ولم يرضَ أن يؤمن بسبب زوجته التي كان اسمها أروى.
فأبو لهب راح أعتق ثويبة عند سماعه للميلاد فاعتقها.
حكم الله على أبي لهب بالنار وتخفيف العذاب عنه كل يوم اثنين لعتقه ثويبة
فلما حُكم عليه بالنار لأنه:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ﴾ [المسد: 1-4]
فأبو لهب لما حُكم عليه بهذا مات. فرآه العباس أخوه عم النبي [في المنام]، قال له: ماذا صنع الله بك يا أبا لهب؟
هم سمّوه أبا لهب لأنه كان أبيض مشربًا بحمرة. فقال: خُفف عني العذاب كل يوم اثنين. قال: بماذا؟ قال: بعتقي لثويبة.
يعني لما أعتق ثويبة، ربنا يخفف عنه العذاب. هكذا هو في النار، كل يوم اثنين يقولون له: ما هذا التخفيف؟ هذا جزاء أنك فرحت الفرحة هذه، حتى لا يكون له عندنا شيء.
حب النبي فرض وحديث أنت مع من أحببت وقصة الرجل الذي أحب الله ورسوله
حب سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم فرض. ليس حبه هكذا بالعقل، بل حبه بالكل. وهذا الحب أرشدنا إليه رسول الله.
جاءه رجل وقال: يا رسول الله، ادعُ الله لي أن أدخل الجنة، لأنني يعني ما الدنيا هكذا تُلاهي؟ ها، كأنه يعني هكذا الدنيا تُلهي، مليئة بالملاهي، تركوها كما هي. أدعو الله أن أدخل الجنة، خلاص ننتهي.
فقال ﷺ: ما أعددت لها؟ ما هي الجنة هذه يعني؟ هذا التزام. قال له: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام. الحقيقة يعني يعترف أنه لا يصلي كثيرًا - قال الفروض فقط - ولا يصوم كثيرًا أيضًا، رمضان انتهى.
وما أعددت له كثيرًا من الصلاة ولا الصيام، لن أقول لك أنني أقوم طوال الليل وأصوم طوال النهار، وكما أنه ليس لدي ما أعددت له كثيرًا من الصلاة ولا الصيام ولا الصدقة.
ولكنني أحب الله ورسوله، أنا مُدلَه جدًا بحب الله ورسوله.
قال صلى الله عليه وسلم:
قال ﷺ: «أنت مع مَن أحببتَ»
يكون مع سيدنا النبي لأنه يحبه. يعني حبك له ليس مجانًا، بل حبك له في مقابل، والمقابل في الحقيقة ضخم جدًا، وهو حب قلبه، لا يوجد فيه مجهود ولا تعب ولا غرامة.
الصدقة لا تنقص المال وبشارة النبي بأشد أمته حبًا له
فيما يظن الظان أن الصدقة غرامة، لكنه لا يُنقص مالًا من صدقة. بُشّر المنفق خلفًا وللممسكين تلفًا؛ ستُمسك فيتلف ما في يدك وتذهب مصابًا بالأمراض، وستُنفق فيقيك الله الشر ويقيك السوء.
وبشّرنا سيدنا ﷺ وقال:
قال ﷺ: «من أشد أمتي لي حبًا ناس يكونون من بعدي، يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله»
يعني الواحد منا لو قالوا له: هات أهلك ومالك وسنريك رسول الله، يقول: خذوا الأهل والمال وأروني حضرته!
رؤية النبي في اليقظة لمن بذل ماله وأهله في سبيل حبه
ها أنا فقط أرى أناسًا هم أشد الناس حبًا له، قوم لم يروه وإنما جاؤوا من بعده، وهم مثلنا تمامًا. تدفع مالك وأهلك وتنال رؤية لرسول الله في اليقظة، فتلتقي به.
نعم، مات دنيا، فالدنيا كلها ثلاث دقائق، لكن عندما ألقى رسول الله، خلاص، ضمنت الجنة وضمنت رضا الله وضمنت كل شيء.
حتى بعد أن تراه تقول: يا رب، أعِد إليّ المال وأعِد إليّ أهلي، ثم تعود. لو كنت عاقلًا لفعلت هكذا: خذ المال ها هو، وأهلي أيضًا، وتأتي وأنت تراه وتقبّله وكل شيء وما إلى ذلك وما شابه، وتقول له: يا رسول الله، دعهم يعودون إليّ، حاجتي شيء.
شهادة حب النبي وعلامات الحب بكثرة الصلاة عليه والأوراد المجمعة
عليه الصلاة والسلام، أريد أن أقول لك أنه خير كبير. أريد أن أقول لك: نشهد الله أننا من هؤلاء الذين أحبوه بمالنا وولدنا.
ومن ضمن علامات الحب كثرة الصلاة عليه. ولذلك قالوا: هداية ربي عند فقد المربي؛ فإذا فقد أحدنا المربي المرشد الذي يرشد إلى طريق الله، فعليه بكثرة الصلاة على الحبيب المصطفى فيكون له مرشدًا.
وحدّوا هذه الكثرة بألف مرة على الأقل كل يوم. ولذلك أمثال هذه المجمعات ككنوز الأسرار ومثل سعادة الدارين ومثل دلائل الخيرات، كلها معمولة من أجل أن تكون لك علاقة بكثرة ذكر رسول الله والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. أمة حضارة عرفت كيف تسير في الحياة.
أمر الله بتعظيم النبي وتوقيره وعدم مخاطبته باسمه المجرد
أمرنا الله بأن نعظم شأنه صلى الله عليه وسلم:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الفتح: 8-9]
أي فأُمرنا بأن نوقّره وأن نُعلي من أمره. وأُمرنا ألا نخاطبه هكذا باسمه "يا محمد"، لا، تقول: سيدنا محمد، تقول: يا رسول الله، يا نبي الله.
ونحن نقولها في التشهد: "السلام عليك أيها النبي"، وهو في التشهد هكذا. فالأجيال الثانية الناشئة غير قادرة على الاستيعاب، فنقول: أيها النبي، أو عندما نقول: السلام عليك يا رسول الله. ولا حتى "يا رسول الله" لن تنفع، وهكذا الخيبة ليس لها نهاية.
الدعاء بأن يوفق الله حب النبي في صدورنا ويجعله مؤثرًا في حياتنا
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق حبه ﷺ في صدورنا، وأن يجعل هذا الحب مؤثرًا في حياتنا مع الخلق، حتى يرى منا ما يحب.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
