شرح الأربعين النووية | حلقة 10 | حديث 9 | أ.د علي جمعة | English Subtitle
- •يشرح الحديث النبوي: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" أن الدين بُني على قلة السؤال وفهمه بالإجمال.
- •كثرة السؤال والتنطع في الدين أمر مذموم نهى عنه النبي ﷺ، وقد نهى الله المؤمنين عن السؤال عن أشياء قد تسوؤهم إن تظهر لهم.
- •سميت سورة البقرة بهذا الاسم للفت الانتباه إلى قصة بني إسرائيل الذين شددوا على أنفسهم بكثرة الأسئلة عندما أُمروا بذبح بقرة.
- •كان الصحابة يتدبرون القرآن بتأنٍّ، يقرؤون خمس آيات ويطبقونها قبل الانتقال للآيات التالية.
- •السلف الصالح لا يسألون عن الشيء إلا مرة واحدة، فإن حصلوا على الإجابة اكتفوا بها.
- •مساحة الترك أسهل من الفعل، فعلينا ترك كل المنهيات كاملة، وفعل ما نستطيع من المأمورات.
- •الصلاة هي أهم المأمورات وعماد الدين، فيجب المحافظة عليها.
مقدمة المجلس الحديثي والحديث التاسع من الأربعين النووية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع هذا المجلس الحديثي المبارك ومع الحديث التاسع من الأحاديث الأربعين النووية التي ذكرها الإمام النووي في كتابه الماتع، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عبد الرحمن بن صخر قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» رواه البخاري ومسلم.
الدين مبني على قلة السؤال لا على كثرته والتنطع فيه
في هذا الحديث الذي اعتبره الإمام النووي وعدّه من الأحاديث المكوّنة لعقل العالم المجتهد والمفكر والعامي المسلم وهو يسعى بإسلامه في تلك الحياة، يجب عليك أن تعلم أن الدين بُني على قلة السؤال وليس على كثرة السؤال، وبُني على أن نفهمه بالإجمال ولم يُبنَ على أن نشقق فيه وأن نتنطع في السؤال.
فكثرة السؤال والتنطع في الدين أمر مذموم نهى عنه رسول الله ﷺ وقال:
«إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»
ونهانا [النبي ﷺ] عن كثرة السؤال.
النهي القرآني عن كثرة السؤال وعاقبة من سأل من الأمم السابقة
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 101]
ثم قال [الله سبحانه وتعالى] في الآية التي بعدها:
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَـٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 102]
بسببها كافرين. فربنا يرشدنا إلى قلة السؤال، وامتثل الصحابة لذلك.
لماذا سميت أكبر سورة في القرآن بسورة البقرة دون غيرها من الأسماء
وعندما تتأمل في القرآن الكريم تجد سورة البقرة السورة الأولى في القرآن بعد الفاتحة، والفاتحة من السور القصار سبع آيات، والبقرة أكبر سورة في القرآن. ذكر الله فيها الخلق وآدم والقصص وموسى مع بني إسرائيل، ذكر الله فيها الأحكام من الطلاق والزواج، وذكر الله فيها البيع وحرّم فيها الربا، وذكر الله فيها القتال، وذكر الله فيها الحج، وذكر الله فيها الصيام، وذكر الله فيها أحكامًا كثيرة سواء في العبادات أو في العلاقات الدولية أو كان ذلك في المعاملات أو في الأحوال الشخصية.
[هي] سورة مليئة كبيرة، فلمّا سُمّيت بالبقرة لا بد أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفت نظرنا إلى قصة البقرة، يريد أن يجعل ذلك أساسًا من أسس الدين.
تسمية سورة البقرة بهذا الاسم لتوجيه الأنظار إلى خطورة كثرة السؤال
ويريد [الله سبحانه وتعالى] أن يقول: وكان يمكن أن تُسمّى [سورة] آدم، [سورة] موسى، سورة بني إسرائيل، سورة الأحكام الكبرى، سورة أي شيء من هذا القبيل، ولكنه أسماها سبحانه وتعالى البقرة من أجل أن تذهب إلى قصة البقرة وأن تفهمها وأن تجعلها منهج حياة.
وهو أن بني إسرائيل عندما أُمِروا بشيء فإنهم كرروا السؤال مرة بعد مرة وفتّشوا في الجزئيات وتعمّقوا في هذه الأسئلة حتى ضلّوا أو كادوا أن يضلّوا.
قصة بني إسرائيل مع البقرة وكيف شدد الله عليهم بسبب كثرة أسئلتهم
فربنا [سبحانه وتعالى قال]:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]
فلم يرضوا بهذا الأمر وجلسوا يسألون عمّا هي وعن لونها وعمّا هي مرة ثانية، وفي كل مرة يشدد الله عليهم. ولو كانوا ذبحوا بقرة أيّ بقرة من أول الأمر لكفى، لكنهم تماطلوا في السؤال فشدّد الله عليهم.
ولذلك فنحن مأمورون شرعًا بأن لا نسأل كثيرًا.
ظاهرة كثرة السؤال بين الإيجابية والسلبية ومخالفة مراد الله من يسر الدين
وظاهرة كثرة السؤال وإن كانت قد تشتمل على مسألة إيجابية وهي أن الناس تريد معرفة أحكام دينها، إلا إنها تشتمل أيضًا على مسألة سلبية وهي أن الناس يفتّشون ويتعمّقون ويخالفون مراد الله ومراد رسوله من هذا الدين ومن رحمته ومن سعته ومن جماله.
ولكن أكثر الناس يريدون أن يشدّدوا على أنفسهم أو يريدون أن يتلاعبوا بالدين أو يريدون أن يقفوا عند حد السؤال والمعرفة دون حد التطبيق.
منهج الصحابة في تدبر القرآن خمس آيات والتطبيق قبل الانتقال
كان الصحابة يقرؤون القرآن خمس آيات خمس آيات، ويقفون عند كل مجموعة من الآيات ليتدبّروها:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [محمد: 24]
ويأخذون منها منهج الحياة، ويأخذون منها الأحكام، ويطبّقونها على أنفسهم، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى خمس آيات أخرى. بذلك طبّقوا تدبّر القرآن، وطبّقوا التدرّج في التطبيق، وطبّقوا عدم التشدد والتنطع في الدين.
منهج السلف الصالح في السؤال مرة واحدة والاكتفاء بالإجابة
وكانوا [أي الصحابة] لا يسألون سؤالين؛ يقول لك: من أين أحضرت هذا البلح؟ فلو قلت له مثلًا: من البقّال، خلاص، لا يسأله مرة ثانية. كان السلف الصالح لا يسأل عن الشيء إلا مرة واحدة.
من أين لك هذا؟ تقول: اشتريته. لا يسأله: من أين أتاك المال ومن أين اشتريته؟ وهل هو حلال أو حرام؟ أبدًا! هم يسألون سؤالًا واحدًا، فإن حصلوا على الإجابة فبها ونعمت، وإلا فإنهم لا يسألون مرة أخرى.
الفرق بين مساحة الترك ومساحة الفعل في الأوامر والنواهي الشرعية
إذن، فهذا الحديث يبيّن لنا أن رسول الله ﷺ قال إن مساحة الترك سهلة؛ سهلة أن يترك أحدنا شرب الخمر والزنا والكذب وغير ذلك إلى آخره. «ما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»؛ لأن الترك لا يكلّف شيئًا إلا منع النفس أن تفعل هذه المعصية.
أما في جانب الفعل فأتوا ما استطعتم:
﴿فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]
إذن فالله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، والترك أخف من الفعل. ولذلك اترك كل المنهيّات، ثم أيضًا افعل ما تستطيع من المأمورات.
أهمية الصلاة باعتبارها عماد الدين وأعظم المأمورات التي يجب المحافظة عليها
والمأمورات والحمد لله محصورة قليلة وأهمها الصلاة:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
وأهمها أن تحافظ عليها:
﴿حَـٰفِظُوا عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]
فلا بد عليك، ولأن الصلاة عماد الدين وذروة سنامه، فلا تصح من غيرها أي عبادة ولا تكون هناك بركة إلا فيها. ولذلك يجب علينا أن نتمسك بالصلاة:
﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: 18]
فلا بد أن نحافظ على الصلاة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
