شرح الأربعين النووية | حلقة 11 | حديث 10 | أ.د علي جمعة | English Subtitle
- •الحديث العاشر من أربعين النووي يبين أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وأمر المؤمنين بما أمر به المرسلين من أكل الطيبات والعمل الصالح.
- •يشترط لاستجابة الدعاء أكل الحلال ولبس الحلال وفعل الحلال، فالشخص الذي يطيل السفر ويدعو ربه لا يستجاب له إذا كان مطعمه ومشربه وملبسه حراماً.
- •يجب التخلص من المال الحرام بإنفاقه على الفقراء والمساكين إذا تعذر رده لأصحابه، لا بنية الصدقة بل للتخلص منه.
- •الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدنا لاتباع المرسلين واتخاذهم قدوة، وجعله الله مثالاً يُحتذى به.
- •يتحقق طيب المطعم بثلاثة أمور: كسب الرزق الحلال، الابتعاد عن أكل الحرام، والاعتدال في تناول الطعام.
- •كان الإمام النووي مثالاً في تبرئة طعامه، فكان لا يأكل إلا مما يرسله له أبواه، وكان يتحرز من الشبهات.
- •توجيهات الأولياء تشمل: قلة الكلام والطعام والمنام ومخالطة الأنام، فهذه تفجر ينابيع الحكمة.
مقدمة المجلس الحديثي وقراءة الحديث العاشر من أربعين النووي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع هذا المجلس الحديثي المبارك نقرأ الحديث العاشر من أحاديث الإمام النووي في أربعينه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى طيب لا يقبلُ إلا طيبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ به المرسلين»
فقال تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا صَـٰلِحًا﴾ [المؤمنون: 51]
وقال تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾ [البقرة: 172]
«ثم ذكرَ الرجلَ يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديهِ إلى السماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُهُ حرامٌ ومشربُهُ حرامٌ وملبسه حرامٌ وغُذِّيَ بالحرام فأنّى يُستجاب لذلك» رواه مسلم.
أهمية أكل الحلال كشرط أعظم لاستجابة الدعاء
هذا الحديث يبين أهمية الدعاء وأن الدعاء له شروط، وأن من أعظم شروط استجابة الدعاء أكل الحلال ولبس الحلال وفعل الحلال.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]
الاستجابة والإيمان هما الشرطان؛ فلا بد علينا أن نؤمن بالله وأن نستجيب لأمره ونهيه ولوحيه سبحانه وتعالى.
الخلاف بين العلماء في صرف كلمة هريرة وضبطها النحوي
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفي صرف كلمة هريرة خلاف عند العلماء؛ فالجمهور على أنها ممنوعة من الصرف ولذلك تُكسر بالفتحة، فيُقال: عن أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه.
وآخرون يقولون وهم القلة أنها غير مصروفة، وإذا نطقوا بها يقولون: عن أبي هُريرةٍ رضي الله تعالى عنه. وألَّفَ أحد الهنود في ذلك [كتابًا سمّاه] «إزاحة الحَيرة في صَرف أبي هُريرة».
ولكن الذي عليه جماهير مشايخنا: عن أبي هُريرةَ هكذا بفتحة، وهي تدل على الكسر لأنها هنا ممنوعة من الصرف. وكان شيخنا العلامة الأجل الشيخ عبد الله الصديق الغماري كان يرى صرفها وأنه ليس هناك ما يوجب منعها من الصرف، وكان إذا قرأنا عليه نقرأ: عن أبي هريرةٍ رضي الله تعالى عنه.
وجوب إنفاق الحلال الطيب وأن الله لا يقبل إلا طيبًا
إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولذلك فإنه لا يجوز أن ننفق الحرام؛ فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا ابتغاء أن يقبله الله سبحانه وتعالى.
بل ينبغي علينا إذا أنفقنا نفقة في سبيل الله أن نتخيرها من أطيب أموالنا حلالًا طيبًا ننفقه؛ فإن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا.
حكم التخلص من المال الحرام إذا فُقد صاحبه وكيفية ذلك
ومن هنا أخذ العلماء حكمًا وهو أن الإنسان الذي دخل ماله ودخل عليه المال الحرام فإنه يجب عليه أن يتخلص منه؛ فإذا فقد صاحبه أو لم يعرفه أو لم يكن يعرفه أصلًا، فالحيلة في ذلك أن يرفع يده عن ذلك المال وينفقه للفقراء والمساكين والمحتاجين.
لا على أنه صدقة؛ لأن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإنما سبحانه وتعالى أمره حينئذٍ أن يتخلص من هذا المال. وثواب ذلك المال يعود لأصحابه أو لصاحبه لا للمتخلص منه؛ إنما يفعل المتخلص ذلك ابتغاء ألا يُحاسب عليه وإعلانًا لتوبته، وليس على سبيل الصدقة التي هي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
تعليم النبي كيفية فهم القرآن والاقتداء بالرسل في أكل الطيبات
ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نفهم القرآن وكيف نأتي بالنظائر وبالأشباه ونستنبط منها المعاني؛ فلما وجَّه الله سبحانه وتعالى الأمر للرسل بأكل الطيبات ووجَّه ذلك الأمر أيضًا للمؤمنين، لفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظارنا بأن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين.
وحينئذٍ نعلم أن الرسول أتى من أجل التبليغ ومن أجل أن نجعله أسوة حسنة:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وجُعِل النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا يُحتذى، ولذلك فإنه أمرنا بطاعته:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
يُؤخذ من هذا أن الله سبحانه وتعالى أرسل المرسلين من أجل أن يقتدي بهم عباد الله سبحانه وتعالى في الأرض.
حال الرجل الذي فقد شرط استجابة الدعاء بسبب الحرام
ثم ذكر [النبي صلى الله عليه وسلم] الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ولكن يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، وقد فقد وافتقد شرط استجابة الدعاء؛ ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام.
فالحرام تخلل من خلال الغذاء كل جسده، فأنّى يُستجاب لذلك؟ كيف يُستجاب لمن لم يطب مطعمه؟
وفي الحديث: «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعاء»
طيب المطعم يتحقق بالرزق الحلال والابتعاد عن المحرمات المالية
وطيب المطعم يتأتى بأمور، منها الرزق الحلال؛ فالإنسان لا بد عليه أن يتأكد من أن رزقه حلال، يمتنع عن السرقة وعن الرشوة وعن الاغتصاب وعن حلوان الكاهن وعن ثمن الكلب وعن مهر البغي وعن كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى من الأرزاق.
ثم بعد ذلك عندما يُحرِّر ماله من الحرام فإنه لا يأكل الحرام، فيبتعد عن الخمر وعن الخنزير وعن الميتة وعن غير ذلك من أنواع الحرام، لا يُدخل على نفسه الربا ولا الغرر ولا العقود الفاسدة.
اجتناب أكل مال اليتيم وأثر ذلك في استجابة الدعاء
ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ أَيْضًا مَالَ اليَتِيمِ وَلَا يَفْعَلُ كُلَّ مَا نَهَى اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْهُ؛ حِينَئِذٍ فَإِنَّ دُعَاءَهُ يُسْتَجَابُ.
وَالدُّعَاءُ المُسْتَجَابُ مُهِمٌّ لِلْمُسْلِمِ وَلِحَيَاةِ المُسْلِمِ.
الإمام النووي مثالًا في تبرئة طعامه وتحرزه من الشبهات
كَانَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى مِثَالًا يُحْتَذَى فِي تَبْرِئَةِ طَعَامِهِ؛ فَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِمَّا يُرْسِلُهُ أَبَوَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ، وَكَانَ يصوم كل يوم.
وكان رضي الله تعالى عنه يتحرز من أن يأكل شيئًا فيه شبهة ولو كانت بعيدة، كأوقاف دمشق مثلًا في الفواكه ونحو ذلك. وكان مستجاب الدعاء رحمه الله تعالى.
«أطب مطعمك تكن مستجاب الدعاء»
طيب المطعم يشمل حسن المذاق والاعتدال في تناول الطعام
وهناك ناحية ثالثة في طيب المطعم وهو أن يكون مذاقه حسنًا، وأن يكون الإنسان ليس شرهًا في تناول الطعام حتى يتلذذ بطعم الطعام.
وهنا نرى:
قال النبي ﷺ: «بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلًا، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»
فكان النبي صلى الله عليه وسلم إمام المتقين في قلة الطعام.
توجيهات أولياء الله في قلة الكلام والطعام وأثرها في الحكمة
وهناك أيضًا توجيهات السادة أولياء الله:
- •قلة الكلام.
- •وقلة الطعام.
- •وقلة المنام.
- •وقلة مخالطة الأنام.
فهذه تفجر ينابيع الحكمة في قلب المؤمن. وإذا رأيتم الرجل أوتي صمتًا فهو يُلقَّن الحكمة.
قال تعالى: ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
أطب مطعمك تكن مستجاب الدعاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
