شرح الأربعين النووية | حلقة 16 | حديث 18 | د. علي جمعة | English Subtitle
- •الحديث الثامن عشر من الأربعين النووية يرويه أبو ذر وأبو عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".
- •التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
- •شبه أُبيّ بن كعب التقوى بالسير في وادٍ ذي شوك، حيث يشمر الإنسان ثيابه ويحذر ما يرى.
- •قال ابن المعتز: "اترك الذنوب كبيرها وصغيرها، ذلك هو التقوى، واسلك طريقك كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى".
- •الحسنات تمحو السيئات، فعلى الإنسان المبادرة بالتوبة والأعمال الصالحة عند وقوعه في الخطأ.
- •الصلوات الخمس كفارة لما بينها، وكذلك رمضان والجمعة والعمرة.
- •من تقوى الله أنه يعلم عبده، فالأتقياء علمهم الله الأدب والسلوك وقواعد الطريق إليه سبحانه.
مقدمة الحديث الثامن عشر من الأربعين النووية عن تقوى الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع هذا المجلس الحديثي النبوي الشريف، ومع الحديث الثامن عشر من الأربعين النووية، عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي وقال: حديث حسن
وفي بعض النسخ من سنن الترمذي: حديث حسن صحيح.
الحديث من الأحاديث الأمات وتقوى الله في صدر الكتاب العزيز
وهذا الحديث يُعدّ من الأحاديث الأمات، أي المفاتيح والقواعد والأركان في دين الله. تقوى الله مأمورٌ بها في صدر الكتاب [العزيز]:
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
تقوى الله مأمورٌ بها في هذا الحديث في كل وقت وحين؛ إذا اتقى الإنسان الله فإنه يُعلِّمه، قال تعالى:
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
أثر التقوى في تعليم الأتقياء الأدب والسلوك رغم قلة العلم الأكاديمي
ولقد شاهدنا الأتقياء الأنقياء، وبضاعتهم من علوم الدنيا القليلة، أن الله سبحانه وتعالى علَّمهم الأدب وعلَّمهم السلوك وعلَّمهم قواعد الطريق إليه سبحانه وتعالى، وعلَّمهم كيف يتعاملون مع الناس.
وكثير ممن حصلوا على المعلومات في المدارس ليس عندهم هذا النجاح في الكون. وأدرك ذلك الشاعر أحمد شوقي أمير الشعراء، فقال في قصيدة له تسمى "كتابي":
وكم منجبٍ في تلقي الدروس ... تلقى الحياة فلم ينجب
ونعم، نقول إنه كان متواضعًا في تلقي العلم، وتلقي [العلم] أمرٌ مهم، لكنه اتقى الله سبحانه وتعالى فعلَّمه كيف يكون في وسط الناس كالوردة؛ كل الناس تحبه وهو ناجح في معاملاته مع الناس، بالرغم من قلة بضاعته في العلم الأكاديمي.
معنى حيثما كنت في الحديث وتعريف سيدنا علي للتقوى
اتقِ الله حيثما كنت، حيثما كنت، فدخل الزمان ودخل المكان ودخل مع كل الأشخاص وفي جميع الأحوال.
والتقوى يُعبَّر عنها؛ سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] عبَّر بشكل حسن فيقول:
التقوى هي:
- •الخوف من الجليل سبحانه،
- •والعمل بالتنزيل،
- •والرضا بالقليل،
- •والاستعداد ليوم الرحيل.
هذه هي التقوى، فالتقوى معناها أن يلتفت الإنسان وأن يحذر وأن يكون دائمًا على استعداد لأن يسارع في طاعة الله سبحانه وتعالى.
سؤال عمر بن الخطاب لأبي بن كعب عن حقيقة التقوى وتشبيهها بالمشي في الشوك
سأل عمر بن الخطاب أُبيَّ بن كعب رضي الله عنهما، وكان [أُبيّ] من الذين يحفظون القرآن، سأله فقال له:
ما التقوى؟
قال: يا أمير المؤمنين، أسرتَ في وادٍ فيه شوك؟ قال: نعم. قال: ماذا فعلت؟ قال: شمرتُ عن ثيابي وأخذت أحذر ما أرى. قال: هذه هي التقوى.
فعندما يكون هناك شوك في الطريق، فإن الإنسان يكون حريصًا ألا يُصيب قدمه وألا يُصيب ثيابه؛ لأنه يؤذيه، فيكون حريصًا على أن يبتعد عن كل شيء يؤذي. هذه هي التقوى؛ هكذا أنت تتقي من أجل البعد عن الأذى، وتقوى الله أن تبتعد وأن تتقي المعاصي وأن تبتعد عنها وأن تحذر كل ذلك.
أبيات ابن المعتز في التقوى والتحذير من صغائر الذنوب
قال ابن المعتز وقد أخذ هذا المعنى من كلام عمر رضي الله تعالى عنه مع أُبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنهم:
اترك الذنوب كبيرها وصغيرها، ذلك هو التقوى واسلك طريقك كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرنَّ صغيرة، فإن الجبال تتكون من الحصى
وقد صار هذا البيت مثلًا: لا تستهن بالذنوب الصغيرة، إن الجبال من الحصى.
فالتقوى أن تخاف من الجليل وأن تبتعد بذلك عن كل المعاصي، وأن تعمل بالتنزيل بعد ابتعادك عن المعاصي، تفعل الأوامر، وأن ترضى في حياتك بالقليل، وأن تستعد ليوم الرحيل بفعل الطاعات.
إتباع السيئة بالحسنة والمبادرة بالتوبة والعمل الصالح
وأتبع السيئة الحسنة تمحها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»
﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]
ولذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا إذا ما وقع أحدنا في خطيئة أن يبادر بالتوبة وأن يبادر بالعمل الصالح حتى يمحو أثر هذا العمل السيء.
جاء أحدهم واشتكى ذنبًا فقال [النبي ﷺ]: اذهب فتوضأ وصلِّ ركعتين. وجاء أحدهم يشكو من ذنب فأمره بالصدقة وقال:
قال رسول الله ﷺ: «إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»
وأمر بالصدقة وقال:
قال رسول الله ﷺ: «اتقِ النار ولو بشق تمرة»
وجوب المبادرة بالتوبة وعدم اليأس من رحمة الله عند الوقوع في المعصية
فكلما يقع الإنسان وهو خطّاءٌ كثير الخطأ في المعصية، فعليه أن يبادر بالتوبة ولا ييأس ولا يستحي، حتى لا يؤدي به هذا الخجل إلى عدم التوبة.
وأتبع السيئة الحسنة تمحها؛ ولذلك كانت الصلوات الخمس كفارة لما بينها، وكان من رمضان إلى رمضان ومن الجمعة إلى الجمعة ومن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها.
والنبي صلى الله عليه وسلم يصف الصلوات الخمس [بقوله]:
قال رسول الله ﷺ: «أرأيتم لو أن أحدكم على باب داره نهر يغتسل منه في اليوم خمس مرات، أيبقى ذلك من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى ذلك من درنه شيء يا رسول الله. قال: «كذلك الصلاة»
تجديد الإيمان ومخالقة الناس بالخلق الحسن والحديث المسلسل بالحسن
إذن فلا بد على الإنسان أن يبدأ دائمًا من جديد، جدِّد إيمانك.
وخالِقِ الناس بخُلُقٍ حسن، وهناك حديث مسلسل بالحسن، فعن الحسن، عن أبي الحسن، عن جد الحسن:
«أحسنُ الحَسَنِ الخُلُقُ الحسن»
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
