شرح الأربعين النووية | حلقة 28 | حديث 37 - 38 - 39 | أ.د علي جمعة | English Subtitle
- •يشرح الحديث السابع والثلاثون من الأربعين النووية عظيم فضل الله على عباده، حيث كتب الحسنات والسيئات وبينها.
- •من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة كاملة، وإن عملها كتبت عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف وأكثر.
- •من هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة كاملة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة فقط.
- •يوضح الحديث الثامن والثلاثون أن من عادى ولياً لله فقد آذنه الله بالحرب.
- •أحب ما يتقرب به العبد إلى الله هو الفرائض، ثم النوافل التي تقربه حتى يحبه.
- •إذا أحب الله عبداً كان سمعه وبصره ويده ورجله، ويستجيب دعاءه ويعيذه.
- •الحديث التاسع والثلاثون يبين أن الله تجاوز عن أمة محمد الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
- •لا يؤاخذ المسلم بالخطأ والنسيان والإكراه لفقدان القصد فيها، مما يشبه معنى "إنما الأعمال بالنيات".
مقدمة الحديث السابع والثلاثين من الأربعين النووية وبيان عظمته
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع الحديث السابع والثلاثين من الأربعين النووية، وهو حديث عظيم يُبيّن عظيم لطف الله تعالى بعباده وفضله عليهم، ويؤكد هذه العلاقة بين العبد وبين ربه.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى -فهو حديث قدسي- قال:
«إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بنفس هذه الرواية وبتلك الألفاظ.
تعليق الإمام النووي على ألفاظ الحديث القدسي ودلالاتها
يقول الإمام النووي: فانظر يا أخي -وفقنا الله وإياك- إلى عظم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ:
قوله «عنده» إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله «كاملة» للتوكيد وشدة الاعتناء بتلك الأعمال.
فقال في السيئة التي همَّ بها ثم تركها: «كتبها الله عنده حسنة كاملة»، فأكدها بكلمة «كاملة». وإن عملها كتبها الله سيئة واحدة، فأكد تقليلها بكلمة «واحدة» ولم يؤكدها بـ«كاملة».
فلله الحمد والمنة سبحانه، لا تُحصي ثناءً عليه، وبالله التوفيق. هكذا يقول الإمام النووي في إثر ذلك الحديث العظيم.
شرح مضاعفة الحسنات وتقليل السيئات في ميزان الله تعالى
هذا حديث عظيم؛ لأنه ينظم العلاقة بين العبد وبين ربه ويبين منة الله عليه وفضله.
الحديث يذكر بأنني إذا هممت بحسنة كُتبت حسنة، فإذا عملتها كُتبت عشرة أو سبع مئة أو أضعاف كثيرة بالآلاف أو الملايين، أضعاف كثيرة مفتوحة. وذلك طبقًا للنية وطبقًا لأهمية هذا العمل، وطبقًا لما نفع به الناس والإخلاص، مجموعة من الأشياء فإن الله سبحانه وتعالى يعتبرها كلها.
ثم إذا هممت بسيئة ولم أفعلها فإنها تكتب حسنة، فإذا قمت بها -والعياذ بالله تعالى- فإنها تكتب سيئة واحدة فقط. ففي جانب الخير يكثر، وفي جانب الشر يحصي ويقل عليه.
وجوب تقوية العلاقة بالله وخطر طلب الهداية من غير الكتاب والسنة
إذن فهو الحنان وهو المنان وهو الرحمن جل جلال الله، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه.
وإنما لا بد علينا أن تتقوى علاقتنا بالله حتى تكون الأمور أكثر وضوحًا. فإن من طلب الهداية في غير كتاب الله وفي غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلّ، ومن ضلاله أنه يعتقد أنه يُحسن عملًا، ومن مزيد ضلاله أنه يتكبر بما وصل إليه من خرافات لا علاقة لها بما يُرضي الله ولا يُرضي رسوله ولا يُرضي المؤمنين.
الحديث الثامن والثلاثون حديث الأولياء ومعنى الولاية وأهمية الفرائض والنوافل
مع الحديث الثامن والثلاثين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري.
في هذا الحديث -وهو حديث قدسي- «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، والولي سُمي بذلك لأنه يأتي بعد الوسمي؛ والوسمي هو أول المطر، والولي تالي المطر ويأتي قريبًا جدًا. ولذلك الولي هو القريب إلى الله سبحانه وتعالى.
معنى معاداة أولياء الله وأهمية الفرائض والنوافل في التقرب إليه
إن الله تعالى قال: «من عادى لي وليًا» أي شخصًا هو قريب من الله ومحل نظر الله وفي معية الله، «فقد آذنته بالحرب» والعياذ بالله تعالى؛ فإن الله يدافع عن الذين آمنوا.
«وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»؛ افترض الله علينا أشياء [كالصلاة والزكاة والصيام والحج] فهي أحب شيء عنده، ولكن النوافل تأتي بعد ذلك.
«وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وكنت بصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها.
ثمرات محبة الله للعبد من التوفيق واستجابة الدعاء
إذن، فهذا الشخص عندما يحبه الله ويكون في معية الله بهذه الصفة، فإنه لا يفعل شرًا أبدًا، وكل ما يفعله يكون موفقًا. وهذا التوفيق يكون من عند الله؛ فإن الله يكون بصره وسمعه ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها.
وحينئذٍ فإنه إذا سأل الله أعطاه ويكون مستجاب الدعاء، وهذه علامة القرب.
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]
إذن إجابة الدعاء تدل على القرب.
حكمة الله في تأخير إجابة الدعاء وعلاقة القرب بالاستجابة
وعدم إجابة الدعاء لا تدل على الغضب؛ فإن الله حكيم يدخر لك الدعاء إما في الدنيا وإما في الآخرة، ترفع بها درجاتك، وتُغفر بها ذنوبك، وتُحط عنك سيئاتك.
ولكن هذه القضية هي أنك قريب فاستُجيب الدعاء، فمن استُجيب دعاؤه فهو قريب، ومن لم يُستجب له الدعاء فليس بالبعيد، ولكنه في حكمة الله سبحانه وتعالى.
«وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه»، إذن هذا هو الحال مع ربنا سبحانه وتعالى.
الحديث التاسع والثلاثون رفع المؤاخذة عن الخطأ والنسيان والإكراه
مع الحديث التاسع والثلاثين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه» حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.
وعليه فإن الإنسان لا يؤاخذ عند الله بالخطأ، إنما يؤاخذ في الخطيئة. والفرق بين الخطأ والخطيئة القصد والعمد. ولا يؤاخذ بالنسيان؛ فإنه من عند الله ومن خلق الله ولا يكون أيضًا قاصدًا. ولا يؤاخذ بالإكراه وما استُكرِهوا عليه؛ لأنه أيضًا يكون قد فقد القصد.
إذن هذا حديث يساوي حديث «إنما الأعمال بالنيات»؛ لأنه قد فقد القصد في كل حالة من هذه الأحوال: الخطأ والنسيان والإكراه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
