شرح الأربعين النووية | حلقة 3 | حديث 2 | د. علي جمعة | English Subtitle - الأربعين النووية, حديث

شرح الأربعين النووية | حلقة 3 | حديث 2 | د. علي جمعة | English Subtitle

11 دقيقة
  • يشرح الحديث الثاني من الأربعين النووية مراتب الدين كما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  • ظهر رجل غريب المظهر لا يعرفه الصحابة، شديد بياض الثياب وسواد الشعر، بلا أثر للسفر، وجلس متأدباً أمام النبي ﷺ.
  • سأل الرجل عن الإسلام فأجابه النبي ﷺ بأنه الشهادتان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت.
  • سأل عن الإيمان فأجاب النبي ﷺ بأنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
  • سأل عن الإحسان فأجاب النبي ﷺ: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
  • سأل عن الساعة فأخبره النبي ﷺ أنها غيب، وذكر من علاماتها أن تلد الأمة ربتها وأن يتطاول الحفاة العراة في البنيان.
  • أخبر النبي ﷺ الصحابة أن هذا السائل هو جبريل أتاهم ليعلمهم أمر دينهم.
  • يؤكد الحديث أهمية الإحسان والأخلاق في الدين كما قال النبي ﷺ: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الحديث الثاني من الأربعين النووية ومراتب الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

نحن مع الحديث الثاني من الأحاديث النووية التي جمعها الإمام النووي، أربعين حديثًا وأكثر. وهذا الحديث الذي معنا يبيّن مراتب الإسلام، ولقد أخرجه مسلم في صدر صحيحه، وهو أيضًا كما في حديث النية مرويٌّ عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

وصف الرجل الغريب الذي جاء إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم

قال [عمر بن الخطاب رضي الله عنه]: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد.

حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام.

تعجب الصحابة من هيئة الرجل الغريب وعدم ظهور أثر السفر عليه

إذن فالصحابة لا يعرفون هذا الرجل، وما دام أنهم لا يعرفونه فمن المفترض أنه قد أتى من خارج المدينة، ومن المفترض أنه مسافر. والمسافر تكون عليه هيئة السفر في تلك الأيام من الغبار، ومن شعث الشعر، ومن اتساخ [الثياب].

[لكنه كان] شديدُ بياضِ الثيابِ، شديدُ سوادِ الشعرِ، ولا يعرفهُ أحدٌ منا، وليس عليه أثرُ السفرِ. كيف هذا؟ هذا أولُ ما لفتَ نظرَ سيدنا عمرَ بنِ الخطابِ.

جلسة الرجل الغريب المؤدبة بين يدي رسول الله كجلسة الطالب

ثم جاءَ هذا الغريبُ فجلسَ جلسةَ المتأدبِ، فوضعَ ركبتيهِ، جلسَ على ركبتيهِ بإزاءِ وفي مقابلةِ ركبتي سيدنا رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، ووضعَ يديهِ على فخذيه، يعني على فخذي نفسه، هكذا على هيئة الطالب بين يدي أستاذه.

إذن هذا الإنسان يعرف قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإنسان مؤدب، وهذا الإنسان جاء متعلمًا. كل هذا في الظاهر؛ لأننا فيما بعد سنعرف أن هذا هو سيدنا جبريل، وكان يأتيهم في صورة تشبه أحد الصحابة الكرام وهو دحية الكلبي الذي كان يرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وإلى الحكام حتى يبلغهم بالإسلام.

قلة أسئلة الصحابة لرسول الله وحبهم لمن يسأل نيابة عنهم

دخل هذا الرجل وجلس جلسة المتأدب المتعلم الموقر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسئلة قليلة جدًا، حتى أن يقول ابن عباس: ما سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر سؤالًا، كلها في القرآن:

﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]

﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 215]

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]

وهكذا:

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 217]

كانوا يحبون الأعرابي العاقل يأتي فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستفيدوا.

سبب قلة أسئلة الصحابة امتثالاً لأمر النبي والقرآن الكريم

كان ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لهم:

قال رسول الله ﷺ: «اتركوني ما تركتكم، لقد أهلك الذين من قبلكم كثرة تردادهم على أنبيائهم»

كان ذلك امتثالًا لقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 101]

إجابة النبي عن الإسلام وبيان أركانه الخمسة المحددة الواضحة

بقية الحديث: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «الإسلام أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»

إذن فالإسلام أمور محددة واضحة، لم يدعُ النبي صلى الله عليه وسلم إلى شيء ضبابي أو إلى شيء هلامي، بل دعا إلى أمور محددة: شهادتين، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، صيام رمضان، وحج البيت. وهذه تسمى بأركان الإسلام.

تعجب الصحابة من تصديق السائل للنبي وكشف هوية جبريل عليه السلام

فقال [الرجل]: صدقت. هنا يأتي العجب، فعجبنا له؛ يسأله ويصدقه! صدقت يعني أنت تعرف قبل أن تتعلم.

ولذلك في نهاية الحديث قال [رسول الله ﷺ]: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال:

قال رسول الله ﷺ: «هذا جبريل أتاكم ليعلمكم أمر دينكم»

السؤال الثاني عن الإيمان والفرق بينه وبين الإسلام الظاهر

قال [جبريل]: فأخبرني عن الإيمان. السؤال الثاني عن الإيمان، الأول عن الإسلام. والإسلام هو الإناء، والإسلام هو الظاهر، والإسلام هو الشيء المنضبط الذي يمكن قياسه ويمكن المحاكمة إليه، من صلاة وزكاة وشهادة مسموعة ملفوظة يعرفها كل أحد.

قال [رسول الله ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»

أركان الإيمان الستة وبيان أن إنكار أحدها يخرج من الإيمان

الإيمان ستة أركان، والإسلام خمسة أركان. ستة أركان: الله، والملائكة، والكتاب، والرسل، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره. كلام محفوظ وواضح، وهذا هو الإيمان.

فالذي يتشكك أو يلحد بالله ليس بمؤمن، ولا بالرسول ليس بمؤمن. وكذلك إذا أنكر اليوم الآخر أو الملائكة أو الكتب، أو أنكر أحدًا من رسل الله سبحانه وتعالى، أو كفر بالقدر [فليس بمؤمن].

السؤال الثالث عن الإحسان ومرتبة عبادة الله كأنك تراه

قال [جبريل]: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. المرتبة الثالثة من مراتب [الإسلام] الدين: الإحسان.

قال [رسول الله ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»

إذن هناك في هذه المرتبة قسمان: القسم [الأول] هو أن تصل إلى أن تعبد الله كأنك تراه، كُشِفَت عنك الحُجُب. ولذلك من يعبد الله كأنه يراه لا يعصاه، وهو في حالة جلال وجمال، في حالة رجاء وهيبة؛ فهو لا يفعل المعصية ولا يتأخر عن الطاعات ويسارع فيها.

القسم الثاني من الإحسان وهو استشعار مراقبة الله للعبد

كل هذه المعاني تتأتى عندما يعبد الإنسان ربه كأنه يراه. فإذا لم يصل الإنسان إلى هذه الدرجة انتقل إلى القسم الأقل الثاني: فإن لم تكن تراه فهو يراك.

وحينئذٍ فالإنسان هنا ينتقل من روحه إلى عقله، وفي العقل يعلم أن الحكيم خصيم نفسه، وأن العاقل لا بد له أن يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب.

سؤال جبريل عن الساعة وإجابة النبي بأنها من علم الغيب

قال [جبريل]: فأخبرني عن الساعة. قال [رسول الله ﷺ]: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، [فهي] مخفية لا يعلمها أحد.

قال [جبريل]: فأخبرني عن أماراتها، يعني شيئًا يدل على أنها اقتربت، على أنه متى تكون هذه الساعة التي يُدمر فيها الكون ويفنى، ولا يبقى إلا وجه الله سبحانه وتعالى:

﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]

علامات الساعة من ولادة الأمة ربتها والتطاول في البنيان

قال [رسول الله ﷺ]: أن تلد الأمة ربتها، أي الأمة تلد السيدة الخاصة بها. قالوا: هذا معناه أنه ليس هناك بر للأم، يعني شيوع العقوق.

وأن ترى الحفاة العراة العالة رُعاء الشاءِ يتطاولون في البُنيان. قال الإمام النووي: هذه علامةٌ وليست حرامًا، ولكنَّ الحاصلَ أنَّ ترتيب الأولويات اختلَّ؛ ولذلك فهم يتطاولون في البُنيان ولو كان التطاولُ في البُنيانِ جائزًا.

انصراف جبريل وإخبار النبي الصحابة بأنه جاء ليعلمهم دينهم

ثم انطلقَ [الرجل]، فلبثتُ مليًّا [أي مكثت زمنًا طويلًا]، ثم قال [رسول الله ﷺ]: يا عمر، أتدري مَن السائل؟ قلتُ: اللهُ ورسولُهُ أعلم. قال:

قال رسول الله ﷺ: «فإنَّه جبريلُ أتاكم يُعلِّمُكُم دينَكُم»

رواه مسلم.

افتقاد الأمة لمقام الإحسان والأخلاق بسبب الهجوم على التصوف الصحيح

افتقدنا نحن في عصرنا هذا قضية الأخلاق وقضية الإحسان. وبالهجوم على التصوف ذلك الهجوم القاسي المستمر غير المبرر، بدأ الناس يفقدون كثيرًا من المعاني الطيبة التي في هذا التصوف الصحيح الموصل إلى الإحسان الذي هو غاية الدين.

فإن الإسلام والإيمان لا بد فيهما من الإحسان. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

فتنبهوا فإن الأمر خطير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.