شرح الأربعين النووية | حلقة 8 | حديث 7 | أ.د علي جمعة | English Subtitle - الأربعين النووية, حديث

شرح الأربعين النووية | حلقة 8 | حديث 7 | أ.د علي جمعة | English Subtitle

11 دقيقة
  • الحديث النبوي "الدين النصيحة" الذي رواه تميم الداري يُعد ركناً أساسياً في تكوين العقل المسلم، وهو من الأحاديث المفاتيح التي تفتح أبواب أحكام الشريعة.
  • تركيب "الدين النصيحة" يشير إلى أهمية النصيحة وأنها جوهر الدين، فكما أن "الحج عرفة" يعني أن الحج باطل بدون الوقوف بعرفة، فكذلك لا وجود للدين بغير النصيحة.
  • النصيحة تكون لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وهي تختلف عن الفضيحة لأنها تكون مخلصة وسرية وهادئة ومبنية على العلم وخالية من التكبر والشماتة.
  • نصح المسلمون لكتاب الله بتقسيمه وطباعته وتصحيحه والحفاظ على أسانيده وتأليف علومه وتيسير نشره عبر التقنيات الحديثة.
  • نصحوا لرسول الله بحفظ سنته وتدوين الأحاديث والدفاع عنها وحفظ أهل بيته.
  • النصح لأئمة المسلمين وعامتهم يتجلى في النظم السياسية والاجتماعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة مجلس الحديث النبوي والحديث السابع من الأربعين النووية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في مجلس الحديث النبوي الشريف، ومع الحديث السابع من الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرها الإمام النووي في أربعينه، يقول:

عن أبي رُقَيَّة تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الدينُ النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم.

أهمية حديث الدين النصيحة باعتباره ركنًا من أركان تكوين العقل المسلم

هذا حديث يرى الإمام النووي أنه ركن من أركان تكوين العقل المسلم عند العلماء وعند عامة المسلمين، وهو أساس من أسس الدين.

حديث جامع من أحاديث رسول الله ﷺ، حديث يصلح أن نقول فيه إنه من الأحاديث المفاتيح؛ فهو مفتاح يمكن أن نفتح به كثيرًا جدًّا من أحكام الشريعة، وكثيرًا جدًّا من خطوات الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. وهذه هي ميزة هذه الأربعين التي جمعها الإمام النووي.

دلالة التركيب اللغوي الدين النصيحة على أن النصيحة حقيقة الدين

الدين النصيحة، كلمة تُشعر بأهمية النصيحة، وكأنها هي حقيقة الدين، وكأنه لا يمكن للدين أن يكون إلا بالنصيحة؛ فإذا فُقِدت النصيحة فقد فُقِد الدين، وإذا لم توجد النصيحة فلا وجود للدين.

كأن الأمر كذلك على هذا التركيب اللغوي: «الدين النصيحة». رأيناه [هذا التركيب] عندما يقول ﷺ:

«الحج عرفة»

مثل «الدين النصيحة»، «الحج عرفة»؛ فإذا لم يقف الإنسان منا في حجه في عرفات وفاته هذا الموقف الجليل وفاتته وقفة عرفات فلا حجة [له]، الحجة باطلة بدون عرفات؛ فالوقوف فيها ركن من أركان الحج، فالحج عرفة، ولا يجوز حج بغير عرفة.

لا وجود لدين بغير النصيحة؛ فهذا التركيب معناه الأهمية، ومعناه ركنية هذا الشيء في ذاك، ومعناه أنه عند انتفاء هذا الشيء وهو عرفة أو النصيحة ينتفي الحج [أو] الدين، أو تنتفي عرفة أو ينتفي [الدين].

قاعدة الدين المعاملة ليست حديثًا لكنها حقيقة مستنبطة من النصوص

عندما أراد بعض المسلمين أن يُقلِّد هذا الحديث في قاعدة تُعبِّر عن حقيقة موجودة في آيات كثيرة وفي أحاديث كثيرة، ولكن ليست بهذا التركيب، فقالوا: «الدين المعاملة».

كلمة «الدين المعاملة» ليست آية وليست حديثًا، ولم يَرِد حتى عن السلف أنهم صاغوها هكذا؛ هذا كلام حديث. ولكن الدين فعلًا هو معاملة:

  • الدين معاملة بين العبد وربه.
  • وهو معاملة بين العبد ونفسه.
  • وهو معاملة بين العبد والكون.
  • وهو معاملة بين العبد والخلق.

فصحيح أن الدين معاملة.

الدين مجموعة أخلاق وأحكام تحث على الرحمة والمحبة بين الخلق

والدين أيضًا هو مجموعة الأخلاق والأوامر والنواهي والأحكام التي تجعل الإنسان يعامل الخلق بالصدق، ويعامل الخلق بالوضوح وبالرحمة.

قال رسول الله ﷺ: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»

الدين كله يُبيِّن أن «الدين المعاملة» ليس بحديث طبعًا، ليس بحديث وليس بآية، لكنه قاعدة صِيغت على نحو هذه القاعدة: «الدين النصيحة».

النصيحة لله تكون بالإخلاص والفرق بين النصيحة والفضيحة

قلنا: لمن يا رسول الله النصيحة؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

وهذا معناه أن المسلم ينبغي أن ينصح مخلصًا لوجه الله. وهناك فارق بين النصيحة والفضيحة:

النصيحة تكون مخلصة، والإخلاص من أجل أن تكون النصيحة مخلصة ينبغي أن تكون:

  1. في السر.
  2. وينبغي أن تكون هادئة.
  3. وينبغي أن تكون متمنية لتحقيق النتيجة.
  4. وينبغي أن تكون مبنية على العلم.
  5. وينبغي ألا يكون فيها أي نوع من أنواع التكبر، ولا أي نوع من أنواع الشماتة.

إذا ما أخلص الإنسان قلبه في النصيحة فإنه يجد آذانًا وقلوبًا منفتحة. أما إذا كانت النصيحة تخرج لغرض من الأغراض فإنه يجد أمامه الطريق مغلقًا؛ آذانًا مغلقة وقلوبًا مغلقة، لأن هناك فارقًا بين النصيحة والفضيحة.

صور نصح المسلمين لكتاب الله عبر العصور من التنقيط إلى الرقمنة

والنصيحة لكتاب الله، نَصَح المسلمون لكتاب الله:

  • نصحوا عندما نقَّطوا المصحف.
  • نصحوا عندما قسَّموه إلى أجزاء ثلاثين، وكل جزء إلى حزبين، وكل حزب إلى أربعة أرباع.
  • نصحوا عندما جاءت دور المطابع فطُبِع المصحف وصُحِّح.
  • نصحوا عندما حافظوا على الأسانيد المتعلقة بالكتاب.
  • نصحوا عندما ألَّفوا في علوم القرآن الكريم، في كل علوم القرآن الكريم: في رسمه وفي ضبطه وفي نقله وفي تفسيره وفي تجويده وتلاوته، وفي استنباط أحكامه، وفيما يحيط به حتى فيما كُتب عليه من تاريخ المصاحف وكذلك إلى آخره.

نصحوا ولا زالوا ينصحون لكتاب الله عندما أصبح كتاب الله على الأسطوانات وعلى شرائط الكاسيت وعلى الأقراص وعلى الأقراص المدمجة وعلى الإنترنت وعلى غير ذلك إلى آخره. نصحوا له فصحَّحوه وضبطوه وشكَّلوه وحافظوا عليه حفاظًا كبيرًا.

وعندما فُتحت الكتاتيب، وعندما صنعوا المسابقات الدولية لتلاوته، وكذا إلى آخره، فهم ينصحون لكتاب الله.

نصح المسلمين لسنة رسول الله بالتدوين والتصحيح والدفاع عنها

وينصحون أبدًا كذلك لرسول الله حيًّا، ولرسول الله في سنته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

نعم، هؤلاء حافظوا على السنة؛ فدوَّنوا الدواوين، وحافظوا على الأسانيد، وصحَّحوا وضعَّفوا، ودافعوا عن سنة رسول الله ﷺ؛ لأن الله أيَّده، ولأن الله هو الذي جعله يقول:

قال رسول الله ﷺ: «تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»، وفي رواية أحمد: «كتاب الله وسنتي»

فحافظ [المسلمون] على الكتاب، وحافظ [المسلمون] على أهل البيت، وحافظ [المسلمون] على السنة النبوية المشرفة. هذا نصح، وفَّق الله الأمة لنصح الرسول ﷺ في صورة سنته.

النصح لأئمة المسلمين وعامتهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح

كذلك أئمة المسلمين، والنصح لهم دائم في النظم السياسية والاجتماعية، وفي الحكم، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في التذكرة والموعظة والعبرة التي لا يزال أئمة المسلمين ينصحون بها أئمتهم وحكامهم وأمراءهم.

كذلك العموم، ولذلك أمرنا رسول الله ﷺ أن نتناصح، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نقبل النصيحة؛ ننصح من جهة ونقبل النصيحة من جهة أخرى.

وكان عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] يقول: «رحم الله امرأً أهدني عيوب نفسي».

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.