شرح الأربعين النووية | حلقة 9 | حديث 8 | أ.د علي جمعة | English Subtitle
- •الحديث الثامن من أربعين النووي يروي قول النبي ﷺ: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة".
- •الإسلام دين رحمة لكنه لا يقبل الضيم، فأباح القتال بشروط محددة للدفاع وصد العدوان دون تجاوز.
- •المقصود بـ"الناس" في الحديث هم مشركو العرب الذين هاجموا المدينة مراراً في بدر وأحد والخندق.
- •قتال النبي ﷺ كان دفاعياً ضد من خططوا للقضاء على المسلمين، وليس إكراهاً على الدين.
- •الآيات القرآنية تؤكد عدم الإكراه: "لكم دينكم ولي دين" و"ما على الرسول إلا البلاغ".
- •استخدام صيغة "أُمرت" وليس "أُمرتم" تشير إلى خصوصية زمنية للأمر في عهد النبي ﷺ.
- •الهداية بيد الله وحده، والنبي ﷺ لم يكن مسيطراً على قلوب الناس ولا على هدايتهم.
- •انتشار الإسلام تحقق بالزواج والعائلات، حيث تكاثر المسلمون في البلاد المفتوحة.
مقدمة المجلس الحديثي وقراءة الحديث الثامن من الأربعين النووية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
في هذا المجلس الحديثي المبارك نقرأ الحديث الثامن من الأحاديث النبوية التي ذكرها الإمام النووي في أربعينه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى» رواه البخاري ومسلم.
الإسلام دين رحمة وقوة معاً والجهاد لصد العدوان لا للاعتداء
في هذا الحديث الصحيح بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمورًا كثيرة، بيّن أولًا الجهاد وأن الإسلام مع كل رحمته وبدئه بقوله "بسم الله الرحمن الرحيم" في القرآن الكريم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
بيَّن أيضًا ومع هذا [الرحمة] أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير. الإسلام دين رحمة لكنه لا يقبل الضيم؛ ولذلك أباح القتال في سبيل الله بشرط أن يكون في سبيل الله، ونهانا مع ذلك عن الاستمرار في القتال من غير سبب، ونهانا عن العدوان وعن الطغيان، بل جعل ذلك كله من أجل أن نصد العدو.
آيات القتال في القرآن الكريم ودستور الجهاد لصد العدوان ورفع الطغيان
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]
واضح من الآيات ومن دستور القتال في القرآن أنه من أجل صد العدوان ورفع الطغيان. وأمرنا ربنا سبحانه وتعالى ألا نعتدي، وبيّن لنا في حقائق واضحة أنه سبحانه لا يحب المعتدين.
﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]
تفسير المقصود بالناس في الحديث وسيرة النبي في بناء الأمة بالمدينة
وهنا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس»، وفسر المفسرون الناس على أنهم مشركي العرب.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس في منتهى الرحمة في المدينة يبني أمته ويعلمهم، يعلمهم صلاة الليل ويؤمهم بالصلوات الخمس كل يوم وليلة، وكل الناس تصلي؛ لا يقوم العلماء أو الكهنة بالصلاة عن الأمة، بل إن الأمة كلها يجب عليها أن تصلي، وهي ركن من أركان ذلك الدين.
إذن فالمسلم ليس لديه وقت لأن يعتدي على الناس ولا أن يتتبعهم، ولكن فجأة أتى المشركون لقتال المسلمين في المدينة للقضاء عليهم.
غزوات بدر وأحد والخندق وكيف كان القتال دفاعاً عن النفس
ومرت [غزوة بدر] في بدر وانتصر المسلمون، فأتى المشركون في العام الذي بعده في أُحد ومرت، والنتيجة النهائية بالرغم من الهزيمة الظاهرة أو الظاهرية أن المسلمين قد انتصروا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بتتبع المشركين، فتبعوهم حتى لحقوا بهم في حمراء الأسد وهي قريبة من مكة، فدخلوا مكة في رعب بعد أُحد.
ثم بعد ذلك نرى الخندق في المدينة المنورة. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى أُحد لقتاله ولا للعدوان عليه، وإنما هو يحافظ على الدفاع عن أمته. قتال مرة والثانية والثالثة كله فيه عدوان [من المشركين على المسلمين].
تآمر اليهود والمشركين على المدينة وضرورة الدفاع عن النفس
وبدأ التخطيط في أن اليهود تتفق مع المشركين؛ اليهود في خيبر والمشركين في مكة بالانقضاض شمالًا وجنوبًا على المدينة للقضاء عليها. وهنا كان لا بد من الدفاع عن النفس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس» هؤلاء المشركين «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله». وذلك لا علاقة له بالإكراه في الدين، بل له علاقة بصد العدوان وكف الأذى عن الناس.
الأدلة القرآنية على أن الإسلام لا إكراه فيه والحساب مرجأ إلى الآخرة
لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوح عُلِّم في القرآن:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]
فالأمر مُرحّل إلى الآخرة والحساب عند الله سبحانه وتعالى، حيث ينبئنا بما كنا نعمل وبما كنا فيه نختلف.
آيات قرآنية تؤكد أن النبي ليس له سلطان على قلوب الناس وهدايتهم
واضح في القرآن:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
واضح في القرآن:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
واضح في القرآن:
﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]
واضح في القرآن:
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]
لم يجعل الله سبحانه وتعالى للنبي سلطانًا لا على قلوبهم ولا على رقابهم ولا على هدايتهم.
تحريم النفاق دليل على أن الإسلام لا يُكره أحداً على الدخول فيه
وواضح في القرآن أيضًا أن النفاق ممنوع. فما دامت الهداية بيد الله وما دام النفاق ممنوعًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار لا يُنشئ منافقين بإكراههم للدخول في الإسلام دون أن تؤمن قلوبهم.
إذا «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس» [فهو] من أجل الدفاع، وأنا أصمم على أن أبلغ دين الله وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فمهمة ذلك [القتال] هي رفع الطاغوت حتى يشهد الناس أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى تستقر الأمور دفاعًا عن النفس.
دلالة صيغة أُمِرْتُ بالمفرد على خصوصية القتال بعهد النبي صلى الله عليه وسلم
وفي هذا الحديث «أُمِرْتُ أن أقاتل» ولم يقل «أُمِرْتُم أن تقاتلوا» أو «أُمِرْنا أن نقاتل»، بل أُمِرْتُ أنا. فكأنها مسألة زمنية خاصة بعهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك للدفاع عن النفس ولصد الطغيان والعدوان الذي سببه اليهود وسببته الاتفاقات بينهم وبين المشركين، وسببه المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنجو الأمة.
نجاة الأمة الإسلامية وانتشار الإسلام بالعائلة والمصاهرة لا بالإكراه
وقد نجت [الأمة] وانتشرت، وعندما انتشرت إنما انتشرت بالعائلة؛ تزوج المسلمون من كل مكان فتحوه، وبالعائلة أصبح الأبناء من المسلمين، وأصبح بعد ذلك هؤلاء الأبناء يتزوجون مرة ثانية، وأخذت العائلة في الانتشار.
الحمد لله الذي جعلنا مسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
