صفات العبد الرباني والفرق بين الدنيا والحياة | أ.د. علي جمعة - فتاوي

صفات العبد الرباني والفرق بين الدنيا والحياة | أ.د. علي جمعة

14 دقيقة
  • الفرق بين الدنيا والحياة أن الحياة ممدوحة بينما الدنيا مذمومة، فالدنيا جزء صغير من الحياة الأبدية.
  • الحياة الآخرة هي الحقيقية الخالدة، بينما الدنيا فترة اختبار وامتحان للفوز برضا الله وثوابه.
  • سميت الدنيا لقربها من شهواتنا ورغباتنا ولدناءتها، ولا تساوي عند الله جناح بعوضة.
  • الحياة نعمة من الله يجب احترامها والمحافظة عليها، لذا حرم الانتحار.
  • يمكن تحويل كل أعمال الدنيا إلى أعمال للآخرة بالنية، وفقاً لحديث "إنما الأعمال بالنيات".
  • الفرق بين الصحابة وغيرهم أنهم كانوا يحولون أفعالهم بالنية لله، كلبس الثوب الجميل لإظهار نعمة الله.
  • العبادات إناء للأخلاق، وبدونها تصبح الأعمال كالماء بلا إناء.
  • العمل الواحد يختلف ثوابه حسب النية، كما في مثال الهجرة.
  • صفات العبد الرباني الجمع بين مفهوم الدنيا والحياة، والالتزام بحدود الله في الشهوات والرغبات.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس بالبسملة والدعاء لله بالتوفيق والمغفرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

اللهم يا ربنا اشرح صدورنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ونوِّر قلوبنا ويسِّر غيوبنا، وأجمعنا على الحق في الدنيا والآخرة، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وحبِّب لنا الخير، واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.

ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتِّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، سهِّل علينا أمور الدنيا واسترها فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، يا أرحم الراحمين، آمين. وصلاة وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

الصلاة والسلام على النبي المصطفى وطلب شفاعته يوم القيامة

اللهم يا ربنا صلِّ وسلِّم صلاةً تامةً كاملةً على سيدنا النبي المصطفى المجتبى، وجازِهِ عنَّا خير ما جازيتَ نبيًّا عن أمته ورسولًا عن قومه، وشفِّعه فينا يوم القيامة، وانفعنا به في الدنيا والآخرة.

أحيِنا على شريعته وأمِتنا على ملته وابعثنا تحت لوائه، آمين.

سؤال عن صفات العبد الرباني والتوفيق بين حب الدنيا والسعي فيها

يسأل سائلٌ فيقول: ما صفات العبد الرباني؟ وكيف نحاول أن نتحلى دائمًا بالبعد عن حب الدنيا ومتاعها ونحن دائمًا نسعى للنجاح فيها بما يرضي الله ورسوله؟

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلَّ هذا الإشكال: الفرق بين الدنيا والحياة. فنحن قد أُمِرنا بحب الحياة، فهذه الدنيا حياةٌ لكنها جزءٌ صغيرٌ من الحياة؛ ثلاث دقائق كما حسبناها مرارًا، لو عشتَ مائة سنة فكأنما جلستَ ثلاث دقائق.

﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]

الحقيقة والحياة الأبدية المستمرة التي هذه الدنيا جزءٌ بسيطٌ منها هي الحياة الآخرة.

الدنيا معبر واختبار لنيل رضا الله والخلود في الجنة أو النار

فنريد في هذا الامتحان والاختبار الدنيوي أن ننجح حتى ننال رضا الله وثواب الله وجنة الله في هذه الحياة الممتدة، خالدين فيها أبدًا. ويُذبح الموت بين الجنة والنار، ويقول:

«يا أهل الجنة خلودٌ لا موتَ بعده، ويا أهل النار خلودٌ لا موتَ بعده»

ولكن معبر الدنيا هو الذي فيه الثواب، هو الذي فيه الاختبار، هو الذي فيه الامتحان، هو الذي فيه التكليف. فنحن نحب من الدنيا الحياة، ونكره من الدنيا دناءتها وكدرها ونكدها، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وأنها لو ساوت جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء.

سبب تسمية الدنيا بهذا الاسم والفرق بينها وبين الحياة الممدوحة

إذن فهي - أي الدنيا - شيءٌ ليس مرغوبًا فيه، وسُمِّيت الدنيا لأنها قريبةٌ منَّا ومن شهواتنا ورغباتنا، ولأنها دنيئة.

أمَّا الحياة، فأبدًا؛ الحياة افتخر الله علينا بها فقال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]

فالله هو الحي القيوم الذي ظهر وتجلى باسمه الحي على هذه الكائنات، فأصبحت الحياة لها احترام.

احترام الحياة في الفقه الإسلامي وجواز التيمم حفاظًا على حياة الحيوان

وفي الفقه يقول [العلماء]: يجوز لك التيمم إذا كان معك ما يحتاجه ولو حيوانٌ محترم، يعني بقرة أو غنمة، لكن بما أن فيها حياة هكذا فتكون محترمة، ويجب أن نحافظ عليها ونتيمم والماء أمامي؛ لأن هذا الماء يحتاجه خروفٌ أو تحتاجه معزة.

فالحياة ممدوحة ولكن الدنيا مذمومة. ولأن الدنيا تُطلق على هذه الفترة ما بين الميلاد إلى الوفاة، فلها وجهان: وجهٌ يمثل الحياة، ووجهٌ يمثل الكدر والنكد والرغبات والشهوات والدنايا.

تحريم الانتحار دليل على أن الحياة جليلة عند الله وليست مذمومة

والذي أمرنا الله به أن نتمسك بالحياة، فحرَّم علينا الانتحار. ولو كانت الدنيا بمعنى الحياة فقط وأن الدنيا ذميمة فالحياة ذميمة، لأمرنا بأن يقتل أحدنا نفسه وأمرنا بالانتحار.

لكنه لم يفعل، بل رغَّب فينا الحياة لأنها من عنده جليلة. فالنبي [صلى الله عليه وسلم] حلَّ هذه المشكلة.

أنا أريد أن أكون ناجحًا في الدنيا، فما هي الأعمال التي أفعلها هكذا؟

فقال فيما فهمه عنه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والمتحدثين والمحدثين المتصدرين:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

ابن الحاج يوضح كيف كان الصحابة يحولون أفعالهم بالنية لله تعالى

يقول ابن الحاج في [كتاب] المدخل: فالفرق الذي بيننا وبين الجيل الأول من الصحابة أنهم كانوا يحوِّلون كل شيء من أفعالهم بالنية لله.

فإذا لبس [أحدهم] ثوبًا جميلًا غاليًا، نوى إظهار نعمة الله عليه:

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]

فيشعر أنه وهو يلبس الجميل الجليل الغالي أنه يطيع الله، وأنه يفعل هذا من أجل إظهار نعمة الله عليه.

ثم يضيف إليه نيةً أخرى، وهي أن يراه الفقير ويرى سمته، فيذهب إليه ويطلب منه حلًّا لمشكلته؛ محتاج علاج، محتاج مال، محتاج معونة، محتاج شفاعة، فيتحابَّ الناس ويرضى الله.

الفرق بين لبس الثوب شكرًا لله ولبسه كبرًا وأثر النية في ذلك

يرضى الله وأنت تلبس هذا الثوب. أمَّا لو لبسته كبرًا وبطرًا وفخرًا وتعاجبًا، فإنك قد ارتكبت إثمًا؛ لأنه:

قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر»

والملبس واحد، إلا أنه توجَّه بالنية ما بين أن يكون ثوابًا وما بين أن يكون عقابًا. هو هو، لبسُهُ واحدٌ.

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

ينبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يمكن أن نحوِّل كل حركاتنا وسكناتنا في هذا الكون بالنية لله.

تحويل الأكل والشرب إلى عبادة بالنية الصالحة والتقوي على طاعة الله

فإذا أكل [المسلم] نوى التقوِّي على العبادة والتقوِّي على عمارة الأرض والتقوِّي على تزكية النفس، وامتثال أمر الله فيه أنه أحوجنا إلى الأكل والشرب، يعني أمرنا بالأكل والشرب. قال تعالى:

﴿وَكُلُوا﴾ أمرٌ، ﴿وَاشْرَبُوا﴾ أمرٌ، ﴿وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

إذن الأفعال كلها التي تتعلق بالدنيا ستصبح للآخرة، من حركات وسكنات. وليس الذي هو للآخرة محض العبادة، بل إنها هي الإناء الذي تضع فيه مكارم الأخلاق.

قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

أركان الإسلام هي الإناء الذي لا تصح الأعمال بدونه

فلا بد من الصلاة، ولا بد من الصيام لرمضان، ولا بد من الحج لبيت الله الحرام ولو مرة في العمر، ولا بد من إخراج الزكاة، ولا بد من إعلان الشهادتين.

وكل هذا يُعدُّ إناءً لا بد منه، وبدونه تذهب الأعمال:

﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان: 23]

إذا هم عملوا بالفعل، وقد يكونوا عملوا لوجه الله أو الخير:

﴿فَجَعَلْنَـٰهُ هَبَآءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]

مثل الماء بدون إناء؛ الماء بدون إناء هَدَر. إذن لن تستطيع الاستفادة منه. أمَّا الذي في الإناء تشرب فيُحدِث الرِّيَّ ويُذهب العطش وتستفيد منه هكذا. والذي ليس في إناء، ابحث عنه! إذن اذهب وانظر أين هو موجود، لقد انتهى، لا وجود له.

حديث إنما الأعمال بالنيات مفتاح الدين وتصدير البخاري صحيحه به

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

لمَّا عرف العلماء المتصدرون أهميته وأنه مفتاحٌ يكاد يكون لكل الدين، جعلوه أول حديث في كتبهم. فصدَّر الإمام البخاري صحيحه بحديث عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، قال:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»

والفعل واحد: هاجر وهذا هاجر، ولكن هذا جعل الهجرة لله، وهذا جعل الهجرة لمصلحة يبتغيها. فأُثيب هذا وأُعطي هذا على قدر ما نوى؛ فادَّخر هذا ثوابه في الآخرة بقية الحياة الحقيقية، وضيَّع هذا ماله في الدنيا في نعمة البصر ونعمة الصحة ونعمة الغنى وفي أيِّ نعمة من النعم. هذا هو الحال.

الجمع بين مفهوم الدنيا والحياة وحدود الله التي لا يجوز تعديها

فصفات العبد [الرباني]: كيف نجمع بين مفهوم الدنيا ومفهوم الحياة؟

الحياة هي الأساس المستمر المطَّرد المرضيُّ عنه، الذي أمرنا الله بالحفاظ عليها حتى في صورة البهيمة. ولكن الدنيا هي شهواتٌ ورغباتٌ نظَّمها الله، وضع لنا حدودًا ورسم لنا خطوطًا لا نتعداها:

﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1]

﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]