صفات العبد الرباني | أ.د علي جمعة
- •الفرق بين الدنيا والحياة هو أساس فهم صفات العبد الرباني، فالدنيا جزء صغير من الحياة لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
- •الحياة ممدوحة ومحترمة حرم الله فيها الانتحار، بينما الدنيا مذمومة بدناءتها وقذرها ونكدها.
- •يمكن للمسلم أن يحول كل أعماله الدنيوية إلى عبادات بالنية الصالحة، كمن يلبس ثوباً جميلاً إظهاراً لنعمة الله لا فخراً وكبراً.
- •النبي صلى الله عليه وسلم حل الإشكال بحديث "إنما الأعمال بالنيات"، فالأفعال واحدة والنوايا هي المحددة للثواب والعقاب.
- •العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج تمثل الإناء الذي تحفظ فيه الأعمال وبدونها تصبح هباءً منثوراً.
- •الحياة هي الأساس المستمر المطرد الذي أمرنا الله بالحفاظ عليه، أما الدنيا فهي شهوات ورغبات منظمها الله بحدود لا ينبغي تعديها.
الفرق بين حب الدنيا وحب الحياة في المفهوم الإسلامي
ما صفات العبد الرباني، وكيف نحاول أن نتحلى دائمًا بالبُعد عن حب الدنيا ومتاعها، ونحن دائمًا نسعى للنجاح فيها بما يرضي الله ورسوله؟
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلَّ هذا الإشكال؛ الفرق بين الدنيا والحياة. فنحن قد أُمرنا بحب الحياة، فهذه الدنيا حياة، لكنها جزء صغير من الحياة؛ ثلاث دقائق كما حسبناها مرارًا، لو عشتَ مائة سنة يبقى جلستَ ثلاث دقائق.
﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]
الحقيقة والحياة الأبدية المستمرة التي هذه الدنيا جزء بسيط منها هي الحياة الآخرة.
الهدف من النجاح في الامتحان الدنيوي هو نيل رضا الله والخلود في الجنة
فنريد في هذا الامتحان والاختبار الدنيوي أن ننجح حتى ننال رضا الله وثواب الله وجنة الله في هذه الحياة الممتدة خالدين فيها أبدًا. ويُذبح الموت بين الجنة والنار، ويُقال:
«يا أهل الجنة خلودٌ لا موتَ بعده، ويا أهل النار خلودٌ لا موتَ بعده»
ولكن معبر الدنيا هو الذي فيه الثواب، هو الذي فيه الاختبار، هو الذي فيه الامتحان، هو الذي فيه التكليف. فنحن نحب من الدنيا الحياة، ونكره من الدنيا دناءتها وقذرها ونكدها، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
سبب تسمية الدنيا بهذا الاسم والفرق بينها وبين الحياة الممدوحة
وأنها [الدنيا] لو ساوت جناح بعوضة ما سقى منها الكافرَ شربةَ ماء. إذن فهي - أي الدنيا - شيء ليس مرغوبًا فيه. وسُميت الدنيا لأنها قريبة منا ومن شهواتنا ورغباتنا، ولأنها دنيئة.
أما الحياة، أبدًا، الحياة افتخر الله علينا بها فقال:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: 30]
فالله هو الحي القيوم الذي ظهر وتجلى باسمه الحي على هذه الكائنات، فأصبحت الحياة لها احترام.
احترام الحياة في الفقه الإسلامي حتى في حياة الحيوان المحترم
وفي الفقه يقول [العلماء]: ويجوز لك التيمم إذا كان معك ماءٌ يحتاجه ولو حيوان محترم، يعني بقرة أو شاة. فما دامت فيها حياة تكون محترمة، ويجب أن نحافظ عليها ونتيمَّم، والمياه أمامي؛ لأن هذه المياه يحتاجها خروف أو تحتاجها معزة.
إذن فالحياة ممدوحة ولكن الدنيا مذمومة. ولأن الدنيا تُطلَق على هذه الفترة ما بين الميلاد إلى الوفاة، فلها وجهان: وجه هو يمثل الحياة، ووجه هو يمثل الكدر والنكد والرغبات والشهوات والدنايا.
تحريم الانتحار دليل على أن الحياة جليلة عند الله وليست مذمومة
والذي أمرنا الله به أن نتمسك بالحياة، فحَرَّمَ علينا الانتحار. ولو كانت الدنيا بمعنى الحياة فقط، وأن الدنيا ذميمة فالحياة ذميمة، لأمرنا بأن يقتل أحدنا نفسه وأمرنا بالانتحار.
لكنه [سبحانه وتعالى] لم يفعل، بل رَغَّبَ فينا الحياة لأنها من عنده جليلة. فالنبي [صلى الله عليه وسلم] حلَّ هذه المشكلة.
أنا أريد أن أكون ناجحًا في الدنيا، فما هي الأعمال التي أفعلها [لتحقيق ذلك]؟
فقال فيما فهمه عنه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والمتحدثين والمُحَدِّثين المتصدرين:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
تحويل الأفعال العادية إلى طاعات بالنية كما فعل الصحابة
يقول ابن الحاج في [كتاب] المدخل: فالفرق الذي بيننا وبين الجيل الأول من الصحابة أنهم كانوا يحولون كل شيء من أفعالهم بالنية لله.
فإذا لبس [أحدهم] ثوبًا جميلًا غاليًا، نوى إظهار نعمة الله عليه:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]
فيشعر أنه وهو يلبس الجميل الجليل الغالي أنه يطيع الله، وأنه يفعل هذا من أجل إظهار نعمة الله عليه. ثم يضيف إليه نية أخرى وهي أن يراه الفقير ويرى سَمتَهُ، فيذهب إليه ويطلب منه حلًّا لمشكلته؛ محتاج علاج، محتاج مال، محتاج معونة، محتاج شفاعة، فيتحابّ الناس ويرضى الله.
الفرق بين لبس الثوب بنية الشكر ولبسه بنية الكبر والبطر
يرضى الله وأنت تلبس هذا الثوب. أما لو لبسته كِبرًا وبَطرًا وفخرًا وتعاجبًا، فإنك قد ارتكبت إثمًا؛ لأنه:
قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبْر»
والملبس واحد، إلا أنه توجَّه بالنية ما بين أن يكون ثوابًا وما بين أن يكون عقابًا. هو هو، لِبسه واحد.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
ينبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يمكن أن نُحَوِّل كل حركاتنا وسكناتنا في هذا الكون بالنية لله.
تحويل الأكل والشرب إلى عبادة بنية التقوي على طاعة الله
فإذا أكل [المسلم] نوى التَقَوِّي على العبادة، والتَقَوِّي على عمارة الأرض، والتَقَوِّي على تزكية النفس، وامتثال أمر الله فيه؛ أنه [سبحانه] أحوجنا إلى الأكل والشرب، يعني أمرنا بالأكل والشرب. قال تعالى:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
إذن الأفعال كلها التي تتعلق بالدنيا ستصبح للآخرة من حركات وسكنات، وليس الذي هو للآخرة محض العبادة فقط.
العبادات كالصلاة والصيام إناء لمكارم الأخلاق لا تصح بدونه
بل إنها [العبادات] هي الإناء الذي تضع فيه مكارم الأخلاق:
قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
فلا بد من الصلاة، ولا بد من الصيام لرمضان، ولا بد من الحج لبيت الله الحرام ولو مرة في العمر، ولا بد من إخراج الزكاة، ولا بد من إعلان الشهادتين. وكل هذا يُعَدُّ إناءً لا بد منه، وبدونه تذهب الأعمال:
﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [الفرقان: 23]
إذن هم عملوا بالفعل، وقد يكون عملوا لوجه الله أو [عملوا] الخير:
﴿فَجَعَلْنَـٰهُ هَبَآءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]
مثال الماء والإناء في بيان أهمية النية لقبول الأعمال
مثل الماء بدون إناء، فالماء بدون إناء هَدَرٌ، لن تستطيع الاستفادة منه. أما الذي في الإناء تشرب، فيُحدِثُ الرِّيَّ ويذهب العطش وتستفيد منه. هكذا، والذي ليس في إناء ابحث عنه، اذهب وانظر أين هو موجود، لقد انتهى، لا وجود له.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
لما عرف العلماء المتصدرون أهميته [هذا الحديث]، وأنه مفتاح يكاد يكون لكل الدين، جعلوه أول حديث في كتبهم. فَصَدَّرَ الإمام البخاري صحيحه بحديث عمر [رضي الله عنه].
حديث إنما الأعمال بالنيات والفرق بين من هاجر لله ومن هاجر للدنيا
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»
والفعل واحد؛ هاجر [هذا] وهذا هاجر، ولكن هذا جعل الهجرة لله، وهذا جعل الهجرة لمصلحة يتغيَّاها. فأُثيب هذا وأُعطي هذا على قدر ما نوى.
فادَّخر هذا [المهاجر لله] ثوابه في الآخرة بقية الحياة الحقيقية، وضيَّع هذا [المهاجر للدنيا] ما له في الدنيا؛ نعمة البصر ونعمة الصحة ونعمة الغنى ونعمة تلو نعمة، أيُّ نعمة من النعم. هذا هو الحال.
صفات العبد الرباني في الجمع بين مفهوم الدنيا ومفهوم الحياة وحدود الله
فصفات العبد [الرباني]، كيف نجمع بين مفهوم الدنيا ومفهوم الحياة؟
الحياة هي الأساس المستمر المُطَّرِد المَرضيُّ عنه، الذي أمرنا الله بالحفاظ عليها حتى في صورة البهيمة. ولكن الدنيا هي شهوات ورغبات نظَّمها الله لنا، وحَدَّ لنا حدودًا، ورسم لنا خطوطًا لا نتعداها.
﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]
ومن يتعدَّ حدود الله إذن فقد ظلم نفسه.
