صلح الحديبية | المبشرات | حـ 23 | أ.د علي جمعة

صلح الحديبية | المبشرات | حـ 23 | أ.د علي جمعة - السيرة, المبشرات
المذيع (محمد مصطفى كامل العقاد): بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلاً ومرحباً بك يا مولانا. الشيخ: أهلاً وسهلاً بكم. المذيع: لدينا يا مولانا حوالي اثنين وعشرين حلقة مع فضيلتك، استمتعنا بعلم فضيلتك، زادك الله علماً. نريد أن نتحدث في الحلقات المتبقية من "المبشرات" عن الغزوات وعن المبشرات والبشائر في هذه الغزوات، ولنبدأ مثلاً بغزوة الحديبية أو بصلح الحديبية. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. نحن إذا أردنا أن نتكلم في هذه الحلقات عما حدث من مبشرات ومن أيضاً دروس مستفادة من السيرة النبوية
التي تبشرنا بالأسوة الحسنة وتبشرنا بالمنهج المستقيم وتبشرنا بأن هذا الرسول في حياته وسيرته وهديه صالح لكل زمان ومكان. المذيع: عليه الصلاة والسلام. الشيخ: وأنه فعلاً هو الخاتم عليه الصلاة والسلام لأن مشكلات العالم كانت تختلف، فكان النبي يُرسَل إلى قومه خاصة، فلما أصبح العالم في اتجاه القرية الواحدة التي نراها الآن بأعيننا، فبعد الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة أصبحنا نعيش في قرية واحدة، أصبح من المناسب أن يُرسل إلى هذا العالم شخصًا واحدًا. المذيع: عليه الصلاة والسلام. الشيخ: ولذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته ومواقفه وعلاقاته وهديه ومنهجه كان مثالاً صالحاً لكل
زمان ومكان يأتي بعده، وكان فعلاً قد أُرسِل كما قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا" [سبأ: ٢٨]. المذيع: عليه الصلاة والسلام. الشيخ: وفعلاً أُرسل [عليه الصلاة والسلام] رحمة للعالمين، كل هذه من المبشرات أن يُرسَل للكافة، أن يُرسَل رحمة للعالمين. المذيع: وإلى أن تقوم الساعة الشيخ: وإلى أن تقوم الساعة وأيضاً في الساعة نفسها يعني في نفس القيامة ستحدث شفاعة للرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذه بشرى لم تأتِ بعد، بشرى ليست في حياتنا إنما بعد انتقالنا إلى الله سبحانه وتعالى وبعد وفاتنا وبعد بعثتنا عنده سبحانه وتعالى؛ يأتي الخلق لأنبيائهم فكلٌ يعتذر بعذر ويُحال الأمر في النهاية إلى سيدنا محمد فيذهب فيسجد تحت العرش للشفاعة الكبرى التي ينال من أثرها كل أحد من لدن آدم يعني حتى السابقين عنه من المؤمنين وغير
المؤمنين واللاحقين به ممن صدقوه أو كذبوه فهو فعلاً رحمة للعالمين. المذيع: عليه الصلاة والسلام. الشيخ: ورحمة للعالمين تتأتى بالشفاعة حيث إن هذه الشفاعة سوف تنال جميع البشرية من لدن آدم إلى نهاية الكون ونهاية العالم وإلى يوم الدين، وبذلك يذهب فيسجد تحت العرش ويلهمه الله بمحامد كثيرة لم يلهمها لأحد من قبله، ثم يقول له: "يا محمد ارفع واشفع تُشفّع وقل تُسمع"، فيشفع فيهم فينهي الله سبحانه وتعالى نصف اليوم لأن هذا اليوم يعادل ألف سنة، فيمكثون خمسمائة سنة يُحقَّق معهم ويُسألون، فأهوال يوم القيامة وحدها فيها ما يكفي لأن يستقيم الإنسان
على الصراط المستقيم حتى يكون في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، أو في ظل عرش الرحمن سبحانه وتعالى. إذاً فرسول الله كما أُرسل رحمة للعالمين، كانت سيرته رحمة للمؤمنين وهداية للمتقين ومنهاجًا صالحًا للتطبيق إلى يوم الدين.المذيع: عليه الصلاة والسلام. الشيخ: فعندما نذهب إلى موقف مثل الذي حدث في الحديبية، نجد أن الحديبية هذه فيها دروس سياسية، وفيها دروس أدبية، وفيها دروس في المفاوضات، وفيها دروس في التخطيط العسكري والتخطيط السياسي، وفيها دروس عجيبة غريبة، وفيها تعليم للعقل المسلم وللعقل البشري كله ليس المسلم فقط،
كيف تخطط وكيف تنفذ وكيف تتابع وكيف تفاوض. فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب وأسلحته في قرابها ويذهب معتمراً، وكأنه يقول لهم إذن أنا أتيتكم ليس محارباً. ولكن العجيب أنه أتى بصحابته، وصحابته هؤلاء من هم؟ الذين قاتلوا فانتصروا في بدر، وسأقول أنهم انتصروا في أحد كنتيجة نهائية، وأقول أنهم انتصروا في الخندق، وأقول أنهم صدوا الهجمات وثبتوا أمام كل العواصف. وذلك كله جعل العدو يفكر ويقول: إذن أنت تأتيني بمجموعة من المقاتلين، فهل تريد أن تخدعني؟ لا أعرف. المذيع: والسلاح موجود وإن كان في غمده.
الشيخ: [ولا زال العدو يفكر] هل تريد أن تذهب فعلاً إلى البيت الحرام لا أعرف ماذا تقصد بذلك، فأنت بذلك كسرت شوكتي. فهو [صلى الله عليه وسلم] بهذه الزيارة المفاجئة، بهذه الزيارة التي فيها مبادرة، يعلمنا المبادرات. لا ننتظر حتى يُتلاعب بنا، بل لا بد علينا أن نخطط وأن نبادر وأن نعرض. فهذه المبادرة يمكننا القول أنها أربكت العدو، أربكت صفوفه؛ إنهم لا يعرفون كيف يتخذون القرار. المذيع: فهم (رسول الله ومن معه) يرتدون ملابس الإحرام، والسلاح في الغمد، فتساءل الأعداء في أي شيء أتى هؤلاء؟! الشيخ: وهؤلاء الأعداء طوال عمرهم يخدمون البيت ومستقر عندهم أنهم سدنة للبيت، وأنهم لا يردون عنه أحداً، وأنهم مهما كانت هناك عداوة بينهم وبين أحد، فإنهم يحترمون حرمة القتل في
الأشهر الحُرُم، وكذلك يحترمون سمعتهم عند العرب، فهذه السمعة مبني عليها مصالح مادية، ومبني عليها تجارات، ومبني عليها كينونة، فقريش وهي في رحلة الشتاء والصيف تسير بين العرب باعتبارها أنها حامية للبيت وحامية لمن حج إليه وحامية لمن لاذ به. المذيع: وبالتالي يحمون لها تجارتها ولا أحد يتعرض لها. الشيخ: وبذلك فهم عند العرب في حالة من المهابة والقدسية إن صح التعبير، وهذه المهابة والقدسية سيفقدونها إذا ردوا معتمرين محرمين قاصدين للبيت الحرام، فهذا إرباك، ومن أين أتى هذا الإرباك؟ من فكرة المبادرة. إذن رسول الله يعلمنا في بشارتنا وفيما يبشرنا به بأن نبادر،
ولكن المبادرة تأتي عن ذهن وتخطيط وتنظيم ومعلومات. ما الذي حدث في الحديبية؟ الحديبية هي مكان بعيد عن مكة وقبل مكة بمسافة، بحوالي ثلاثين أو أربعين كيلومتراً، ولهذه المسافة ما بين الحديبية وما بين مكة، نجد أن قريشًا ترسل من يتفاوض مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدخول، الدخول الذي سوف يذل نفوسهم، أو على احتمال الخطر والاستيلاء على مكة وهكذا من الاحتمالات التي تهددهم.
إذاً فالسرية في اتخاذ القرارات والإستراتيجيات والسياسات هذا أمر مهم، وقضية الجاسوسية هذه أمر مقوض للنظام العام، ولذلك استحق الجاسوس دائماً الإعدام واستحق الجاسوس دائماً المهانة، ودائماً أهل الجاسوس يتبرؤون منه، وفي كثير من الأحيان هو يتبرأ من نفسه من شدة جرمه، وكل هذا للحفاظ على سرية الدولة. يأتي عروة بن مسعود يخرج ويكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويتفاهم معه ويتحدث وما إلى ذلك، وعروة بن مسعود يرى النبي وأصحابه
أمامه وكأنهم ليسوا فقط جماعة واحدة، أو حكومة واحدة، أو دولة واحدة، بل جسدًا واحدًا، إلى هذه الدرجة يشعر عروة بن مسعود أنهم كالجسد الواحد، فهو يقول عندما رجع إلى المشركين: "والله دخلت على كسرى وعلى قيصر، ما وجدت مثل أصحاب محمد مع محمد". المذيع: عليه الصلاة والسلام. الشيخ: [ونستكمل ما قاله عروة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] "فما التفت التفاتة إلا رأيتهم يبتدرون" ويقولون: "ماذا يريد؟ ما هذا؟" أي أنهم يتبادرون أيهم سيلبي طلبه أولًا صلى الله عليه وآله وسلم. فعندما يقوم الشخص هكذا من على الكرسي، يستجيب له جسمه، لأنه جسد واحد، الإنسان عندما يريد أن يتناول شيئاً يمد يده فتستجيب له مباشرةً ما دام الجسم سليمًا. المذيع: لنخرج
إلى الفاصل يا مولانا، ونستكمل قصة عروة بن مسعود وماذا رأى من المسلمين. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا. المذيع: السلام عليكم ورحمة الله. عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. وصلنا مع مولانا إلى عُروة بن مسعود وهو قادم من عند المشركين ليتفاوض مع المسلمين، وشاهد المسلمين كالجسد الواحد. تفضل يا مولانا. الشيخ: عُروة بن مسعود رأى أن المسلمين كالجسد الواحد، فيجب علينا نحن أيضًا أثناء التفاوض أن نظهر أمام العالم بأننا جسد واحد، بالرغم من أن هناك مداولات بيننا وبين بعضنا، مثلما وجدنا بعد ذلك سيدنا عمر وهو يقول معترضًا لِمَ نقبل الدنية في ديننا، فهناك اعتراضات ومناقشات وأمورًا، ويذهب [سيدنا عمر] إلى أبي بكر، "كل هذا الكلام في المطبخ من الداخل" [أي: يجب أن يحدث هذا فيما بيننا كمسلمين ولا نظهره لغيرنا]. المذيع: كل هذا لا يظهر أمام الأعداء. الشيخ: لكن أمام المشركين لا نفعل ذلك، أمام المشركين نحن كالجسد الواحد حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما بصق بصقة ولا
التفت التفاتة إلا ابتدروها فأخذوها ومسحوا بها وجوههم. المذيع: وإذا توضأ أخذوا فضل وضوئه. الشيخ: وإذا توضأ أخذوا فضل وضوئه وتبركوا به أمامهم، فهذه الحالة أصابت هذا الرجل [عروة بن مسعود] الرعب والذهول. المذيع: لم يرَ كسرى ولا قيصر. الشيخ: لا كسرى ولا قيصر أحد من العظماء الذين يخاف الناس بطشهم يحدث هذا معهم، لماذا؟ لأن هذا حب، فهو [عليه الصلاة والسلام] يعلمنا إذن درساً آخر وهو أن الحب يفعل الأفاعيل، فوالله لو أننا أحببنا بعضنا سنفعل أشياء عجيبة الشكل وخارجة عن نطاق كل ما هو مدروس، ولذلك الحب ولأنه يفعل الأفاعيل، أعداء الإسلام دائماً يحاولون أن يقدحوا في الحب فيما بيننا، فـيضعون الأسافين" [أي: يبثون الفرقة]، لأنهم يسيرون بمبدأ "فرِّق
تَسُد". هذا ملخص الأمر: أنه إذا استطعت أن تدخل فتُفرِّق فسوف تسود. فهذا الدرس هو درس وهو درس قوي جداً. وبعد ذلك يذهب عروة ولم يتم أي اتفاق، ثم يأتي في النهاية بعد ما ذهب عثمان وجاء -"عمرو بن سهيل"، فهذا يعلمنا أننا لا نستسلم في المفاوضات دفعة واحدة، ويعلمنا أن هذه المفاوضات لا بد أن يكون لها غاية، فإذا لم تحقق الغاية فقد فشلت، لكن لا بد أن تتحقق هذه الغاية وعلى ذلك فهذا يعلمنا كيف نتفاوض وهذه نقطة مهمة جداً [أن تتحقق الغاية من المفاوضات]، فإذا كان المفوِّض الخاص بي نسيها أو لم يلتفت إليها فسنجد أن كم التفريط الذي يقع
فيه لا يُعد، فقد يبيع القضايا مجانًا، في حين أنه كان من الممكن أن هذا النوع من أنواع التفاوض والتمسك بمعنى أن يأخذ شيئاً فنأخذ في مقابله شيئاً هو هذا التفاوض السليم الذي لا نُسلِّم فيه بمنتهى البساطة. المذيع: ألا نقبل شروط الطرف الآخر من مجرد أول اتفاقية أو أول مفوضية، فيجب أن يكون هناك عدة مفاوضات ومداولات. الشيخ: ولا نقبل الشروط أيضًا عند وجود ضغط علينا وما إلى ذلك. سهيل بن عمرو بعد عناء مع المسلمين يأتي ويكتب كتاباً، وشرع سيدنا علي في الكتابة فكتب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ"، فقال: ما الرحمن وما الرحيم؟ قل بسمك اللهم، فيقول رسول الله: "احذف يا علي واكتب بسمك اللهم"؛ هذا يعلمنا أن الشكليات يمكن أن نتهاون
فيها على طاولة المفاوضات، فيمكننا أن نترك بعض القضايا القضايا. حسناً، أعطني لقد تركت لك قضية. ثم أكمل عليٌ الكتابة: "هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله". قال لو علِمنا أنكَ رسولُ اللهِ لاتَّبَعناكَ. قالَ لهُ: "امسَحْ يا عليُّ واكتبْ: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبدِ الله سُهَيل بن عَمرو"، للمرَّةِ الثانية. "أنِ امح، امح قالَ رسولُ الله"، فقالَ عليٌّ: "واللهِ لا أمحوها أبداً". فإذن تعلَّمنا مِنها درساً ثانياً وهو تقديمُ الأدبِ على شيءٍ من الاتباع، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاها. المذيع: عليه الصلاة والسلام. الشيخ: واستغلها أيضاً في إيقاع الرعب في قلب سهيل بن عمرو، وأزال هذه الكلمة (محمد رسول الله) وكتب محمد بن
عبد الله، أو جعل علياً يكتب محمد بن عبد الله لأنه لم يكن يكتب. وأحدهم يقول لي: كيف يعرف [عليه الصلاة والسلام] أين كُتبِت كلمة (رسول الله) في الوثيقة [في أي سطر]؟ فنقول أنها كانت مكتوبة على خاتمه فهو يعرف شكلها، وهذا ليس معناه أنه قارئ، بل هو يعرف شكل الكلمة (رسمها)، ثانياً، أنها آخر كلمة فهي آخر كلمة الكتاب. المذيع: آخر كلمة مكتوبة. الشيخ: وكان [عليه الصلاة والسلام] فطناً، والأنبياء لديهم فطنة وذكاء، فهذا لا يدل على ما ذهب إليه بعض الناس من أنه كان يعلم القراءة والكتابة أو أنه تعلم القراءة والكتابة، أبداً، هو لم يتعلم لا القراءة ولا الكتابة لأن الأمية في حقه معجزة. المذيع: عليه الصلاة والسلام. الشيخ: الحاصل أنه بعدما كتبوا الكتاب وتقرر أنه إذا جاءنا (نحن المسلمون) أحد من المشركين مسلماً نرده إليهم، وإذا لحق أحد من المسلمين بالمشركين وارتد عن الإسلام نتركه لهم. المذيع: يحتفظوا به. شر وذهب، وماذا سنفعل به؟ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو مسلماً فقال
له: "يا محمد"، فقال له: "مهلاً، نحن لم نوقّع بعد". إنه يفاوض حتى آخر لحظة، قال له: "والله لن أنساها لك يا محمد أبداً، يجب أن تعطيني الولد طبقاً للاتفاقية". فمضى الأمر، وهنا نتعلم أني قد أضحي بشيء من المصالح الخاصة في سبيل المصلحة العامة، والمصلحة العامة مقدمة على المصالح الشخصية. فقال عليه الصلاة والسلام: "اذهب يا أبا جندل معه". ما هذا يا رسول الله؟ أنت بهذا سلمت مسلماً لكافر؟ نعم، سلمت مسلماً لكافر لأعلمكم كيف تتفاوضون، كيف تقوِّمون المصالح، كيف تقدمونها وترتبونها لكي نحقق في النهاية هدف الأمة. وهذا يغيب عن كثير جداً من الناس حيث
تعيش في جزئية وتقوقع نفسها فيها ولا ترى إطلاقاً ما المآل لهذا الفعل وما الذي يمكن أن نحصّله من منافع، ولا قضية توزيع الأدوار؛ ليس لدينا الآن توزيع أدوار في حين أن توزيع الأدوار من أهم الدروس المستفادة من الحديبية. وبالمناسبة أبو جندل ذهب مع أبيه فهرب منه والتحق بأبي بصير في جُدة، التي نسميها جَدة الآن، جُدة البحر أي شاطئ البحر. وجلس أبو بصير وجماعته ومنهم أبو جندل يغيرون على قوافل قريش ويخيفونهم حتى ذهبوا إلى النبي وقالوا: "الله يحفظك، خذ هؤلاء الأولاد إليك". المذيع: "نحن لا نريدهم". الشيخ: فأصبح كلام
النبي إذن ينظر إلى المستقبل وإلى المآلات وإلى الأهداف والاستراتيجيات ولا ينظر إلى ما تحت قدميه فقط. بشرى لنا أن يكون لنا هذا النبي الذكي الفطن الذي يعلمنا كيف نعيش الحياة وكيف نتعامل مع العدو ومع الصديق، ويتفقوا اتفاقاً هو أساس الحديبية وهدفها، ما هو؟ قصة الحديبية هذه كلها كانت لماذا؟ هل كان فعلاً يريد أن يذهب ليعتمر هكذا؟ ولو كان يريد أن يعتمر كان سيدخل بالقوة أو شيء من هذا القبيل، أم ماذا؟ الحقيقة أن هناك خبر باتفاق المشركين وخيبر فيها اليهود، وخيبر تقع شمال المدينة بمسافة مائة وستون كيلو وهذه {مكة} جنوب
المدينة بمقدار ثلاثمائة وخمسين كيلومترًا، اتفقوا أنهم سيزحفون على المدينة، هذا من الشمال وهذا من الجنوب، ويطبقون عليها ويكسرونها. المذيع: يسمونها كماشة، الشيخ: فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يفك الكماشة، فنزل لكي يؤدي هذه العمرة، فيجعل المشركين يعترضون ولا يسمحون له بدخول العمرة، ويعملون هذه المعاهدة التي تنص على منعِ المشركين من حرب المدينة. وهو بذلك فَكَّها المذيع: لمدة عشر سنوات تقريباً. الكماشة من الأسفل، نعم فكَّها من الأسفل، في سبيل أن قبيلة غطفان وغيرها ممن هم تابعون لنا لا تقتربوا منهم، وأنتم الذين يتبعونكم مثل فلان وفلان لا نقترب منهم، ونعقد هدنة، وما فائدة هذه الهدنة؟ فكُّ الكماشة، وبالفعل حدث هذا وقد حُسِمَ الأمر. المذيع: هم متصورون من جانبهم
أننا قد ربحنا. فالذي يأتي من المسلمين إلينا مرتداً نحتفظ به، والذي يأتي من عندنا إليهم يُرجعونه لنا، ويأتي في السنة القادمة ليؤدي العمرة. الشيخ: فهذه أمور لا تفيد ولا تضر. المذيع: أمور بسيطة، ولكننا خدعناهم بها كما يقولون. الشيخ: لم نخدع أحدًا، هم الذين خدعوا أنفسهم، هم الذين ضحكوا على أنفسهم، لكن الفطنة التي يتمتع بها المفاوض المسلم، والتي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحقيقة أنها بينت أن العقل المنير الذي ينظر إلى الأمور بطريقة استراتيجية وبطريقة أهداف وبطريقة تخطيط وبطريقة تنظيم وبطريقة متابعة لهذا التنظيم غير العقل الضيق الذي يعيش في ذاته ولا يرى أسفل قدميه ولا يرى إلا الكبرياء والتفاخر، فنقول له:اِبقَ كما أنت هكذا في تباهيك وكذبك، وفي كل حين تلف الحبل
البعيد حول رقبتك حتى تخنق نفسك. ولذلك فك رسول الله الكماشة من الأسفل، وبعد ذلك سنتحدث عن كيفية فك. المذيع: الذي فوق (الكماشة). الشيخ: الذي فوق بعد الحديبية، في خيبر وكيف أدت الحديبية فيما بعد إلى فتح مكة. المذيع: هذه سنجعلها في الحلقة القادمة إن شاء الله يا مولانا. الشيخ: فانتهت بذلك الكماشة، وحققت الحديبية دروسها التي لا تتناهى. إننا هنا اختصرنا الكلام اختصاراً، والحقيقة أن الحديبية هذه نقطة يؤلف فيها مجلدات على الدروس المستفادة من الحديبية. من الحديث نستكمل الحوار مع فضيلتكم إن شاء الله في الحلقة القادمة. إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.