طريقنا إلى الله | حـ 11 | التخلي والتحلي والتجلي | أ.د. علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ 11 | التخلي والتحلي والتجلي | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • طريق السائر إلى الله سبحانه مبني على الكتاب والسنة، ومن أهم أركانه الذكر والفكر والتخلي والتحلي.
  • التخلي يعني تطهير القلب من المهلكات كالكبر والحقد والحسد والغل والكراهية والظلم والقسوة.
  • التحلي هو تزيين القلب بالمنجيات كالتواضع والحب والرحمة والرفق والمسامحة والعدل والإخاء والمساواة.
  • التخلي والتحلي يؤديان إلى التجلي وهو إشراقات أنوار وكشف أسرار وإلهامات وكرامات تفيض على القلب.
  • حذر النبي من الكبر بقوله: "لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فالكبرياء لله وحده.
  • التواضع ليس إذلالاً للنفس بل وضع الشيء في محله، والإنسان يتواضع لأنه مخلوق فانٍ ضعيف محتاج.
  • الكون كله يسبح ويتفاعل مع الخالق، فنحن في وسط كون متفاعل وليس أصم.
  • التجلي نعمة من نعم الله كنعمة المال والصحة والعلم والحياة، لا تحصى.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس وأركان الطريق إلى الله من الكتاب والسنة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى، رأينا كيف أنه بُنِيَ على الكتاب والسنة، وأن من أركانه الذكر والفكر. في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى نرى ركنًا من أركان هذا الطريق وأساسًا من أسسه، يتمثل فيما يُسمى بـالتخلي والتحلي.

معنى التخلي والتحلي والتجلي وعلاقتها ببعضها البعض

التخلي والتحلي ينتج منه التجلي، وهذه الألفاظ الثلاثة نعيش معها سويًا حتى نعلم معناها.

التخلي مما أسماه أهل الله بـالمهلكات؛ التخلي عن القبيح وعن كل ما يُعدّ خلقًا سلبيًا. التخلي يعني تخلية القلب من كل قبيح.

والتحلي تحلية القلب بكل صحيح، وهو ما يُسمى بـالمنجيات.

أما التجلي ففيه إشراقات أنوار، وكشف أسرار، ورؤى وإلهامات، وواردات وخواطر. وهكذا فيه كرامات وفيه إشارات. إذن فعندي التخلي ثم التحلي فالتجلي.

الكبر من المهلكات وتحذير النبي الشديد من مثقال ذرة منه

ما هذه المهلكات وما ذلك القبيح من المهلكات؟

من المهلكات الكبر؛ يحذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:

قال رسول الله ﷺ: «لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، من خردل مثقال حبة الخردل»

هذا الخردل ستة آلاف حبة منه تساوي جرامًا واحدًا، إذن فوزن حبة الخردل واحد على ستة آلاف من الجرام. ما هذا؟ هذا مثل الذر الذي في شعاع الشمس، هذا شيء يعني كأنه لا قيمة له. إذن هذا تحذير شديد من رسول الله من الكبر.

الكبرياء لله وحده والتواضع يرفع صاحبه عند الله

وفي الحديث القدسي:

قال الله تعالى: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما أخذته ولا أبالي»

إذن فـالكبرياء لله وحده، من تواضع لله رفعه. هذه التحلية [أي التحلي بالأخلاق الحسنة]؛ عندما أنزع الكبر من قلبي فإن التواضع يسكن فيه.

أتعرف أنك مخلوق؟ إذن فتواضع! أتعرف أنك فانٍ؟ إذن فتواضع! أتعرف أنك ضعيف؟

﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]

إذن فتواضع! أتعرف أنك محتاج إلى غيرك؟ فتواضع! أم تُعلّم نفسك أنك قادر ولديك حول وقوة وكذا إلى آخره؟

التواضع ليس ذلًا للنفس بل وضع الشيء في محله

هل هذا التواضع ذلٌّ للنفس؟ أبدًا! هذا التواضع هو وضع الشيء في محله، ومن أجل هذا ستتحسن أخلاقنا.

الكبر هو أن تتعالى على الناس، أن ترى لنفسك قيمة مضافة ليست لخلق الله. هو الذي يقدح في المساواة بين الخلق، وقد خلقنا الله أحرارًا وخلقنا متساوين في الحقوق والواجبات.

وهناك فرق بين المساواة وبين التساوي، ولكن الكبر يُخلّ بمبدأ المساواة.

الكبر يخل بمبدأ الإخاء وتجربة الغرب مع الإقطاع

الكبر يُخلّ بمبدأ الإخاء الذي شعر به الغرب بعد تجربة مريرة مع الإقطاع الذي كان يملك الأرض ومن عليها، ويسمي الفلاح قِنّ الأرض يعني عبد الأرض، فيمتلكه ويمتلك الأرض معه.

والإنسان الحر لا يدخل تحت اليد ولا يتصرف فيه أحد.

التواضع ليس إذلالًا وحقيقة الكبر بطر الحق والتعالي على الناس

التواضع إذن ليس إذلالًا للنفس كما يصوره بعض من أراد أن تكون الدنيا في قلبه. ومن دعاء الصالحين:

«اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»

الكبر ليس هو الغنى، والكبر ليس هو الصحة والقوة والسلطان. الكبر هو بَطَر الحق، هو إنكار الحق، هو التعالي بدون حق على الناس، هو التفاخر وطلب المجد لغير وجه الله سبحانه وتعالى.

التخلص من الكراهية يقود إلى حب الأكوان والإنسان والرحمن

فـالكبر من المهلكات، الحقد والحسد والغل والكراهية من المهلكات.

وفي مقابلها، وعندما أتخلص من الكراهية تراني أحب الأكوان وأحب الإنسان، فأحب الرحمن.

الكون كله يسبح الله ويسجد له طوعًا أو كرهًا

ولذلك علّمنا الله سبحانه وتعالى، حتى نصل إلى هذا الحب، أن الكون من حولنا يسبح. تخيّل أن الحجر والمدر وأن الشجرة والنهر كلها تسبح:

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

تخيّل أنك تسير في وسط كون يسبح، بل ويسجد، بل وينشئ علاقة العبد لربه مع ربه طوعًا أو كرهًا:

﴿قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29]

السماء تبكي والأرض تبكي.

عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال وإشفاقها منها

﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]

الجبال أشفقت [من حمل الأمانة]، إذن أنا في وسط كون متفاعل وليس في وسط كون أصم، في وسط كون أعبد فيه الله سبحانه وتعالى وأسير في هذا التسبيح والسجود والتلبية.

معنى استواء الرحمن على العرش واستيلائه وقهره سبحانه

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

أي استولى وقهر. عُرض عليه [العرش] الأمر: ائتِ طوعًا أو كرهًا، فقال له: هل ستأتي طوعًا أو كرهًا وأنت أعظم مخلوق وأكبر حجمًا من السماوات ومن الأرض ومن الجنة ومن النار؟ فاستوى عليه أي استولى عليه قهرًا؛ لأنه:

﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18]

سبحانه وتعالى، فتفرّد بالجلال وحده.

ملخص الطريق إلى الله بالتخلي عن إحدى وعشرين صفة قبيحة والتحلي بالمنجيات

إذن فهذا طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى يتم بـالتخلية عن كل قبيح؛ واحد وعشرين صفة قبيحة، منها:

  • الكبر
  • الكراهية
  • الحقد
  • الحسد
  • الظلم
  • القسوة
  • العنف إلى آخره

والتحلي بكل صحيح، هذا من:

  • الحب
  • الرحمة
  • الرفق
  • المسامحة
  • العدل
  • الإخاء
  • المساواة

التجلي بالإشراقات والنعم الإلهية المتنوعة على القلب

فـالتجلي بعد ما نتخلى ونتحلى يحدث ما يُسمى بالتجلي. التجلي هذا هو تجلي الإشراقات، تجلي الإشراقات بأنواعها المختلفة على القلب.

نعمة من نعم الله علينا؛ كنعمة المال، كنعمة الصحة، كنعمة العلم، كنعمة الحياة، كنعمة السلطة، كنعمة الجاه، كنعمة السلطان. نعم، نِعَمٌ كنعمة البصر، كنعمة السمع، نِعَمٌ.

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: 18]

خاتمة الحلقة والوعد بالحديث عن موقفنا من النعم

هذه النعم، ما موقفنا منها؟ في حلقة قادمة إن شاء الله نذكر ذلك معًا.

نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.