طريقنا إلى الله | حـ 13 | الإشراقات جـ2 | أ.د علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ 13 | الإشراقات جـ2 | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الطريق إلى الله مقيد بالكتاب والسنة، وأساسه الذكر والفكر، ويعتمد على التخلية من القبائح والتحلية بالفضائل للوصول إلى التجلي.
  • الإشراقات نعمة تستوجب الشكر لكن لا ينبغي الوقوف عندها، وتتنوع بين كرامات ورؤى وإشارات وأنوار.
  • قسم أهل الله الوجود إلى: الله تعالى والكون، والكون ينقسم إلى عالم الملك (ما يدركه الإنسان بحواسه) وعالم الملكوت (ما لا تدركه الحواس كالجن والملائكة).
  • الأنوار متعددة في عالمي الملك والملكوت، وتتفق الفيزياء الحديثة مع ذلك في مفهوم الثقوب السوداء.
  • القلب مصدر المعرفة ويضم اللطائف الخمس: القلب، الروح، الخفي، السر، والأخفى.
  • ينبغي أن يعلو القلب على العقل، والعقل على السلوك، لكن الواقع المعاصر عكس ذلك.
  • مصادر المعرفة ثلاثة: كتاب الله المنظور، والمسطور، والمقدور.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس ومراجعة أساسيات الطريق إلى الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى رأينا كيف أنه مقيد بالكتاب والسنة، وأن أساسه الذكر والفكر، وأن من أساسياته التخلية والتحلية. فالتخلي والتحلي من كل قبيح لكل صحيح يؤدي بنا إلى التجلي من الإشراقات.

الإشراقات نعمة من الله لا ينبغي الوقوف عندها أو الافتتان بها

والإشراقات لا نقف عندها ولا نلتفت إليها، وإن كانت نعمة من نعم الله علينا تستوجب الشكر الجليل لرب العالمين.

والإشراقات كثير من الناس يضل بها. فالإشراقات منها ما هو كرامات، ومنها ما هو رؤى ومنامات، ومنها ما هو إشارات، ومنها ما هو أنوار تتلألأ في القلب.

وهذه الأنوار التي تتلألأ في القلب في بعض الأحيان تفتن صاحبها، ونحن نريد أن نعبد الله مخلصين له الدين، لا نستلذ بهذه المعاني ولا نُفتن بها.

تعريف عالم الملك وما يدركه الإنسان بحواسه المعتادة

هذه الأنوار جعلت أهل الله يتأملون في الأكوان. هذه الأنوار وجدوا فيها أمورًا عدة؛ وجدوا أن هناك حياة نحياها، هذه الحياة التي نحياها تسمى بـالملك.

والملك معناه كل ما أدركه حس الإنسان المعتاد. الإنسان المعتاد يرى، وأن هناك كفيفًا فقد حبيبتيه وله الجنة، ولكن ليس هذا هو المعتاد في بني البشر أن يُخلق من غير بصر.

حس الإنسان المعتاد السمع، حس الإنسان المعتاد اللمس، حس الإنسان المعتاد الشم، حس الإنسان المعتاد الذوق، حس الإنسان المعتاد. وهكذا فإذا كان الإنسان له حس معتاد، فإنه كل ما أدركه به وتوصل إليه فهو من عالم الملك.

الكهرباء والأنوار المختلفة كأمثلة على عالم الملك المدرك بالحواس

ولذلك فـالكهرباء من عالم الملك وإن لم نرها، لكننا نشعر بها ونرى آثارها؛ فنراها وهي تضيء المصباح، ونراها وهي تحرك المولد أو المطور، ونراها وهي تُستعمل في الاستعمالات المختلفة، وإذا أصاب أحدنا شيء منها فإنه يُصعق. نشعر بها ونعرف وجودها ونعيش أيضًا بها، فهي من عالم الملك.

ضوء الشمس والقمر من عالم الملك، ضوء الكهرباء من عالم الملك، النور الذي نراه في وجوه أولياء الله الصالحين من عالم الملك. وهي أنوار كما نرى مختلفة، لكنها من عالم الملك.

عالم الملكوت وما أخبر الله عنه من الغيبيات والعوالم الأخرى

وهناك ما أخبرنا الله عنه من عالم الجن والملائكة والروح، وعوالم كثيرة كـالجنة والنار والعرش. كل ذلك ليس في حس الإنسان المعتاد، فيسمى بـعالم الملكوت.

وأخبرنا الله سبحانه وتعالى عن نفسه وأنه موجود بـوجود الحق والوجود الدائم، وكل شيء فانٍ في هذه الحياة الدنيا إلا وجه الله.

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]

فإذن هذا الملك والملكوت في حالة الاحتياج لإمداد الله سبحانه وتعالى.

تقسيم أهل الله للموجود إلى الله والكون بقسميه الملك والملكوت

فهذا الملك والملكوت شيء، ووجود الله سبحانه وتعالى في جلاله وجماله وكماله، في عظمته ورهبته ولاهوته شيء آخر. وكما قلنا: الرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

قسّم أهل الله الموجود إلى: الله وإلى الكون [العالم]. وهذا العالم على قسمين:

  1. ملك يدركه الإنسان بحسه المعتاد.
  2. ملكوت يؤمن به الإنسان وإن لم يره.

وهناك أنوار في عالم الملكوت كما أن هناك أنوار في عالم الملك، فالأنوار تتعدد.

الفيزياء الحديثة والثقوب السوداء وعلاقتها بسدرة المنتهى وعالم الملكوت

هذا أيضًا حتى وإن قاله أهل الله، إلا أن الفيزيقيا الحديثة تدور حول هذا؛ أن الضوء ينكسر عند الثقوب السوداء. واختلفوا: هل هذه الثقوب السوداء منتهى أم مبتدأ؟ هل هي تنقل الإنسان من قوانين عالم إلى قوانين عالم آخر لم نره؟

وعندنا في القرآن كلام عن سدرة المنتهى، فسماها الله المنتهى؛ منتهى عالم هذه القوانين التي يسعى فيها الضوء كأسرع ما يسعى موجود فيها. إنما ما وراء المنتهى هناك عالم آخر، هذا العالم الآخر لا نعرف قوانينه.

الثقوب السوداء أدركناها فهي من المُلك، وما وراءها قد يكون من الملكوت. وكل ذلك في خلق الله سبحانه وتعالى.

كتب الله الثلاثة والإشراقات والأنوار التي ينبغي ألا تكون معياراً للتفاخر

لأننا نتكلم عن كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور وكتاب الله المقدور. فقد تكلم أهل الله في هذا المجال في الإشراقات التي منها الأنوار التي ينبغي أن نتمتع بها ولا نقف عندها.

نعدها نعمة، ولكن في نفس الوقت لا نعدها معيارًا وتفاخرًا لنا على الآخرين، وإلا وقعنا في الكبر والعياذ بالله تعالى.

اللطائف الخمس في الإنسان ومصادر المعرفة من كتب الله الثلاثة

هذه الأنوار جعلتنا ندرك الملك والملكوت. لكن هذا القلب في الإنسان الذي هو كتاب الله المقدور له لطائف سميت بـاللطائف الخمسة.

وجدوها وأدركوها من قبل الوجود [أي من خلال التجربة والملاحظة]، لا من قبل الوحي؛ لأنه [الوحي] مصدر للمعرفة: كتاب الله المنظور، وكتاب الله المسطور، وكتاب الله المقدور.

جرِّبوا، لاحظوا، ارصدوا، سجِّلوا، فكِّروا، استنبطوا. فوصل بنا الحال إلى اللطائف الخمس التي تكون في الإنسان، وهي: القلب.

القلب مسكن الرب وتنزيه التوحيد عن الحلول والاتحاد

والقلب مسكن الرب سبحانه وتعالى، ليس بـالحلول والاتحاد - والعياذ بالله تعالى - فهذا من الأشياء المنهي عنها في التوحيد: الصورة والحلول والاتحاد.

التي عبر عنها سيدي ابن بشيش [في صلاته المشهورة]: "وأنشلني من أوحال التوحيد"؛ لأنني أريد توحيدًا خالصًا: خاليًا من الاتحاد، خاليًا من الوحدة، خاليًا من التصور والصورة، خاليًا من الأشكال. وهكذا.

القلب أساس التخلية والتحلية والتجلي وعلاقته بالعقل والسلوك

قلب القلب هذا الذي اشتغلنا عليه في التخلية وفي التحلية. القلب هذا الذي كان سببًا من أسباب التجلي.

القلب هذا يجب أن يعلو العقل، والعقل يعلو السلوك. سلوكي يجب أن يتحكم فيه العقل، وعقلي يجب أن يوجهه قلبي الذي هو ضارع لربي.

انعكس الحال في العصر الحاضر؛ فالسلوك تحكم في العقل وأسكته، فغلبت على الناس الشهوات والرغبات. وأيضًا العقل تحكم في القلب فأسكته، وأراد أن يفصله عن ربه.

اللطائف الخمس وأنوارها في عالم الملك والملكوت والختام

إذن اللطائف الخمس [هي]:

  1. القلب
  2. الروح
  3. الخفي
  4. السر
  5. الأخفى

هذه الخمسة سنعالجها بالتفصيل حتى نرى أنوارها في عالم المُلك وأنوارها في عالم الملكوت، وما بعد ذلك من فوق العرش وخارج العالم.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.