طريقنا إلى الله | حـ 15 | النفوس السبعة واللطائف الخمس جـ2 | أ.د علي جمعة
- •النفوس السبع تتكامل مع اللطائف الخمس في طريق السالك إلى الله تعالى.
- •النفس الأمارة بالسوء تأمر صاحبها بالمعصية، وتُعالج بكثرة ذكر "لا إله إلا الله".
- •كان السالك يذكر سبعين ألف مرة للانتقال من النفس الأمارة إلى اللوامة، ثم زاد المشايخ العدد إلى مائة ألف لتغير الزمان.
- •التطور التقني والمعلوماتي جعل الإنسان أكثر انشغالاً وأقل تفرغاً للذكر مما أثر على بركة الوقت.
- •النفس اللوامة تلوم صاحبها وتقع بين القلب والروح، وتليها النفس الملهمة.
- •النفس المطمئنة تتنزل عليها السكينة والرحمات، ثم تأتي الراضية والمرضية فالكاملة.
- •اللطائف الخمس (القلب والروح والسر والخفي والأخفى) تتخلل النفوس السبع.
- •اختلاف الطرق الصوفية اختلاف تنوع لا تضاد، وطريق الله واحد.
- •تنتقل النفس بالذكر والفكر والتخلية من مرتبة إلى أخرى أعلى.
مقدمة الدرس ومراجعة ما سبق من معرفة النفوس السبع واللطائف الخمس
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
في طريقنا إلى الله وصلنا إلى معرفة النفوس السبع وإلى معرفة اللطائف الخمس التي في عالم المُلك، وعرفنا مما ذكرنا أن هذا [النظام الروحي] يمثل منظومة متكاملة؛ هذه النفوس السبع وتعلقاتها باللطائف الخمس كالآتي:
النفس الأمارة بالسوء وصفاتها وعلاقتها بالفطرة الإنسانية
النفس الأمارة بالسوء نفسٌ تأمر صاحبها بالمعصية، بالمخالفة، بالمعاندة، فهي أمارة بالسوء.
﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]
وهذه التي يُسمُّونها النفس الناطقة، يعني النفس الخَلْقية التي خلقها الله سبحانه وتعالى وأنزلها في الإنسان. لكن هذه النفس بعد ذلك علّمها الله الخير والشر، ليست صفحة بيضاء، ولكن أقام فيها فطرة تدعو إلى الخير وتميل إليه وتبعد عن عدم الخير الذي يُسمى بالشر.
ذكر لا إله إلا الله كعلاج للنفس الأمارة بالسوء ومعناها
هذه [النفس] الأمارة حتى نذكر من أجل أن تزول وأن تهدأ، أوجدوا لها لا إله إلا الله.
لا إله إلا الله كلمة فيها نفي وإثبات، وكأنها تُخرج الناس من مكان إلى مكان، من الظلمات إلى النور. لا إله إلا الله تنفي وجود الإلهية [لغير الله]، ثم يُثبتها لله وحده لا شريك له.
بكثرة ذكر لا إله إلا الله تلين هذه النفس الأمارة وتخرج من أمرها [بالسوء].
الانتقال من النفس الأمارة إلى اللوامة بذكر سبعين ألف مرة بالتجربة
في الزمن الماضي بالتجربة وليس هذا في حديث أو في قرآن، إنما بالتجربة من الوجود الذي هو مصدر من مصادر المعرفة، كان إذا الإنسان ذكر سبعين ألف مرة لا إله إلا الله يشعر بأن نفسه قد خرجت من نطاق النفس الأمارة ودخلت في نطاق النفس اللوامة، وهذه خطوة جيدة وترقٍّ للنفس.
زيادة عدد الأذكار من سبعين ألف إلى مائة ألف في أوائل القرن العشرين
بعد ذلك وفي أوائل القرن العشرين شعر المشايخ أنه بذكر السبعين ألف لا يصل الإنسان إلى مراده، ولا إلى انتقاله من النفس الأمارة التي لها ملامحها والتي أهم ملامحها الدعوة إلى المعصية، إلى النفس اللوامة التي يتردد فيها الإنسان بين الخير والشر، بين الطاعة والمخالفة.
وجدوا أن يزيدوا في هذا [العدد]، وكله ذكر لله، فزادوها من سبعين [ألفًا] التي أتت من التجربة إلى مائة [ألف] التي أتت أيضًا من التجربة. وأصبح السائر في طريق الله، السالك المريد، يذكر مائة ألف بدلًا من سبعين ألف في الماضي.
أثر التقنيات الحديثة على بركة الوقت وانشغال الإنسان المعاصر
بعض أهل العلم وبعض المشايخ يقولون أن الزمن الماضي كان فيه بركة في الوقت، وفيه قلة في عالم الأشياء والأشخاص والأحوال التي حولنا. اختلف الزمان والمكان، واختلفوا بالاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة؛ الكهرباء والهاتف والإنترنت والراديو والتلفاز.
جعلت البرنامج اليومي للإنسان مختلفًا، كما أنها جعلت حتى الهواء مختلفًا؛ لأن في هذا الهواء توجد موجات وتوجد أشعة وتوجد ترددات وتوجد أنواع من الوميض مختلفة، تتمثل في هذا التيار الذي لو فتحنا راديو الآن لاستمعنا إلى مجموعة كبيرة من المحطات ومن الموجات، أو فتحنا تلفزيونًا فإننا نرى فيه أكثر من ألفين من المحطات.
تأثير الاختراعات الحديثة على تفرغ الإنسان وانشغاله بالدنيا
كل هذا موجود في السماء التي حولنا، فكأنها ولا نعرف كيف بالضبط؛ لأنها لم تُجرَ عليها تجارب عملية تتعلق بالوجود، كيف يؤثر هذا في شغل بال الإنسان. ولكن الإنسان أصبح أكثر ثقلًا في معرفة الأخبار والأحوال والناس والأشخاص.
aختلف عليه الزمان والمكان ولم يعد متفرغًا هذا التفرغ الذي تتخيله لو أنك في معزل عن الناس؛ ليس هناك هاتف ولا تلفاز ولا مذياع ولا أي شيء من هذا الذي اخترعه الإنسان من ألف وثمانمائة وثلاثين إلى ألف وتسعمائة وثلاثين.
ثم من ذلك الحين وإلى الآن اخترع الإنسان كيف يوفق بينها، فأصبح الهاتف مسجلًا وكاميرا وفيديو وغير ذلك الكثير، وطريقة اتصال بالإنترنت ويأتي لك بالأخبار التي لم تكن تعرفها من قبل ولم يكن أجدادك يعرفونها.
إمكانية تغيير عدد الأذكار وتكرارها لتحقيق الانتقال بين مراتب النفس
فكان هناك ما يُسمى بالبركة في الوقت، ما يُسمى بأن هناك شيئًا مختلفًا في انشغال الإنسان بأشياء كثيرة.
إذن فحتى المائة ألف قد يكون هناك حاجة لتغييرها كما غيّرها المشايخ الأوائل من سبعين إلى مائة. وهذا التغيير يأتي في التكرار؛ فبعدما تنتهي من الأسماء الأصول والأسماء الفروع وأسماء الله الحسنى ولفظ الجلالة، يمكن أن تعيد مرةً ثانيةً من أجل تحقيق الانتقال من النفس الأمارة بالسوء إلى ما بعدها.
محل النفس الأمارة في القلب وذكرها وعلاقة اللطائف بالنفوس السبع
إذن، فالنفس الأمارة بالسوء محلها القلب وهي اللطيفة الأولى، وذكرها لا إله إلا الله وهو الاسم الأول في مجال الأصول.
بعد ذلك تأتي النفس اللوامة وهي لها ارتباط بالقلب ولكنها على مشارف الروح. فبين النفس الأمارة والنفس اللوامة يقع القلب، وبين النفس اللوامة والملهمة تقع الروح، وبين النفس الملهمة والمطمئنة يقع السر، وما بين المطمئنة والراضية والمرضية يقع الخفي، وما بينها وبين الكاملة يقع الأخفى.
فكأن هذه الخمسة [اللطائف] قد تخللت هذه السبعة [النفوس] فيما بينها في المسافات البينية، مع أن الراضية المرضية وهي كمرحلة واحدة لها قسمان تُعدّ واحدة، فتخللت هذه اللطائف الخمس في نفوس السبعة.
الأسماء الأصول والفروع واختلاف الطرق الصوفية اختلاف تنوع لا تضاد
وعرفنا أنه لا إله إلا الله، الله، هو، حي، قيوم، حق، قهار، وأن الطرق تختلف في هذا الترتيب وفي ترتيب الفروع أيضًا طبقًا لرؤى معينة ومداخل معينة وتجارب معينة كثيرة.
ومن هنا يأتي اختلاف الطرق؛ فاختلاف الطرق هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد وتناحر فيما بينها، بل إن طريق الله واحد كما ذكرنا.
مراتب النفس السبع والانتقال بينها من الأمارة إلى المطمئنة
مراتب النفس سبعة، واللطائف خمسة، والأسماء الأصول سبعة. ونريد دائمًا أن ننتقل من نفس إلى نفس؛ تلك النفس الأمارة بالسوء يعلوها نفس لوّامة تلوم صاحبها، ويعلو هذه النفس اللوامة نفس ملهمة تريد أن تعلو بروحها.
هناك أيضًا النفس المطمئنة، وهذه تتنزل عليها السكينة ويتنزل عليها الرحمات، ويتعلق فؤاد الإنسان حينئذ بقضية الاطمئنان والرضا عن الله سبحانه وتعالى.
خاتمة الدرس وبيان أن مؤدى المنظومة هو الذكر والفكر والتخلية
ثم بعد ذلك تتوالى هذه المنظومة في العمل، ومؤداها الذكر والفكر والتخلية.
وللتحليق إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
