طريقنا إلى الله | حـ 17 | مفهوم البدعة جـ 2 | أ.د علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ 17 | مفهوم البدعة جـ 2 | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • البدعة هي ما يخالف أصول الشريعة، كما ورد في حديث النبي: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
  • السنة الحسنة هي ما كانت وفق أصول الشريعة وإن لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم.
  • من أمثلة السنن الحسنة: صلاة ركعتين بعد الوضوء التي كان يفعلها بلال، وصلاة ركعتين عند الإعدام كما فعل خبيب.
  • التكبير في العيد لم يرد عن النبي بصيغة محددة، بل كان الصحابة يكبرون في الطرقات بصيغ متنوعة.
  • أهل مصر ابتكروا صيغة للتكبير تجمع بين التكبير والتسبيح والدعاء والصلاة على النبي.
  • أقر الإمام الشافعي هذا التكبير وقال: "وإن كبّر بما يكبّر الناس عليه الآن فحسن".
  • الذكر على السعة وليس مقيداً، ومن جعل لنفسه ورداً من الذكر فله أجره.
  • لا يجوز التضييق على الناس في صيغ الأذكار المشروعة وإلا كان ذلك مخالفاً لمنهج النبي.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

التفريق بين البدعة المذمومة والسنة الحسنة في الشريعة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى عرفنا معنى البدعة ومعنى السنة الحسنة. البدعة يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»

من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليه. لم يقل رسول الله: من أحدث في أمرنا هذا شيئًا فليس منه، بل قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ أي أن هذه البدعة تأتي مخالفة لأصول الشريعة، تأتي من أجل أن تكرّ على الشريعة بالإبطال.

أما إذا أتت السنة الحسنة بناءً على الشريعة ومنها، وكان الرسول لم يفعلها، فهذا جائز لا شيء فيه.

صلاة الضحى نموذج على السنة التي أرشد إليها النبي ولم يداوم عليها

من ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - حتى يعلمنا هذا [الفرق بين البدعة والسنة الحسنة] - لم يصلِّ صلاة الضحى، وهو الذي أرشدنا إليها وأوضح أنها تبني لنا بيتًا في الجنة وأوصى بها، إلا أنه لم يثبت أنه صلاها.

حتى الذي صلاها في بيت أم هانئ في مكة كان ما يُسمى بركعتي الفتح؛ أن الله فتح عليه وأوفى وعده معه.

قصة بلال رضي الله عنه وسنّه ركعتين بعد الوضوء

ولكن هيا بنا نرى بلالًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه. في مرة رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فلما رآه في المنام رآه قبله في الجنة وسمع خشخشة نعليه - صوت نعليه - سمعه في الجنة.

الرؤيا تقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكانته العالية وقدره الرفيع رأى بلالًا - أحد الأتباع المؤذنين - رآه في الجنة قبله ويسمع خشخشة نعليه.

فلما استيقظ أتى ببلال وقال:

«يا بلال، رأيتك الليلة وسمعت خشخشة نعليك قبلي في الجنة»

إلى هذه المرتبة، هذه مرتبة عالية. قال: والله لا أدري يا رسول الله، أنا لا أعرف ما هذا، ولكن كلما توضأت صليت ركعتين.

بلال سنّ سنة حسنة دون إقرار مسبق من النبي صلى الله عليه وسلم

يعني كان بلال سنَّ سنة حسنة في الإسلام وهي ركعتين بعد الوضوء. رسول الله يرى بلالًا في الجنة قبله، قبل أن يعلم ما الذي صنع بلال.

يعني ليس هناك - من أجل رفع الأعمال الصالحة - وجوب ولزوم لمعرفة رسول الله إياها وإقرارها. لماذا؟ لأنها من الشريعة.

هل الوضوء مما علمنا الله أو مما اخترعناه من أنفسنا؟ بل مما علمه الله. هل الصلاة مما علمها الله أم مما اخترعناه من أنفسنا؟ بل مما علمه الله. هل الجمع بينهما، هل يكون في ذلك شيء يُذكر؟ نعم، إن الإكثار من العبادة مطلوب.

«ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» [رواه البخاري]

فالباب مفتوح، ويستطيع الإنسان أن يصلي مائة ركعة؛ لأنه لا يزال يتقرب إليَّ بالنوافل.

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

ولكن الطريق مفتوح لمن منَّ الله عليه بشيء من التوفيق والهمّة العالية.

ركعتا القتل صبرًا سنة حسنة سنّها خبيب بن عدي رضي الله عنه

إذن هذا معنى السنة الحسنة، هذا معنى البدعة [المذمومة]. الوضوء هنا لكل ركعتين [سنة حسنة سنّها بلال].

كذلك لما أرادوا أن يقتلوا خُبيبًا [بن عدي رضي الله عنه] فإنه صلى ركعتين، فسُمّيت ركعتين للقتل. الصبر للقتل الذي هو - يعني - القتل صبرًا معناه أنه يعلم أنه سيُقتل، فقال: اتركوني أصلي ركعتين. لم يأمره رسول الله بهذا، فصارت سنة حسنة.

كل هذه الأشياء تبين لنا معنى أن نكون مع الشريعة [لا مخالفين لها].

تكبيرات العيد الواردة عن الصحابة وعدم ورود صيغة مخصوصة عن النبي

ومن هنا فإنه لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير مخصوص في العيد. ذُكِر أن رسول الله دائمًا يربط بين حركتنا وسكناتنا وبين الذكر؛ نحن في ذكر دائم.

فكان يأتي يوم العيد وأمرنا بالتكبير، وكانت تُسمع تكبيرات الصحابة في الطرقات. وما التكبير؟ الله أكبر.

فإذا قلنا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله - فهذا هو تكبير أيضًا.

وكان من تكبيرات سلمان الفارسي: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. هذا هو الوارد، لكن لم يرد عن رسول الله تكبير معين مخصوص.

أهل مصر وصياغتهم لتكبيرات العيد الجامعة بين الذكر والتسبيح والصلاة على النبي

عندما دخل الإسلام مصر وأهل مصر يحبون تحويل السنن النبوية الشريفة إلى برنامج عمل، جمعوا لذلك التكبير ما يُدخل الفرحة في قلوب الناس: الأطفال والنساء والرجال.

فصنعوا هذا التكبير الكبير: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده - إلى آخر ما هنالك.

ثم بعد ذلك بفترة أضافوا عليها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو قرة العين.

حكم تكبيرات العيد المصرية وموقف الإمام الشافعي من مشروعية الذكر المطلق

هذا التصرف [تكبيرات العيد المصرية] هل هو شرعي؟ نعم هو شرعي. لماذا؟ لأنه من الإسلام؛ التسبيح من الإسلام، والتكبير من الإسلام، والدعاء من الإسلام، والصلاة على النبي من الإسلام. جعلوا هذا في تكبيرات العيد من الإسلام، الاحتفال بالعيد من الإسلام.

وظل المصريون يكبِّرون هذا التكبير الرائق الفائق الحلو، وكبَّر بذلك الحجاز والشام والسودان وسائر البلدان.

جاء الشافعي سنة مائة ستة وتسعين إلى مصر، فسمع الناس يكبِّرون بتكبيرات لم تكن في العراق، فقال في الأم: وإن كبَّر بما يكبِّر الناس عليه الآن - انتبه إلى كلمة "الآن" - فهي حسنة.

فهم الشافعي لسعة الذكر وأن تقييده على صيغة واحدة مخالف لمنهج النبي

حسن، الشافعي يفهم جيدًا أن الذكر ليس مقيدًا؛ لأن الله تعالى أعطانا مائدة كبيرة [من الأذكار]، وإنما أمرنا بالذكر. فمن جعل لنفسه وردًا يوميًا من هذا الذكر، فله أجره وثوابه على الله.

الشافعي يفهم أن هذا [التكبير الجماعي] ليس من قبيل البدعة مطلقًا. الشافعي يفهم أن هذا من قبيل الذكر، وأن رسول الله ترك لنا منهجًا؛ هذا المنهج هو أن الذكر على السعة.

فمن أراد أن يجعل الذكر أو الدعاء على التقييد [بصيغة واحدة فقط] فقد خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى لنا بشيء منكر.

التحذير من تبديع الناس في الذكر مع جواز الالتزام بالوارد تبركًا

فالذي يقول لك هذا [التكبير الجماعي] بدعة قد أتى بالمنكر، ولكنه يستطيع أن يلتزم بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبركًا به وإعلاءً لشأن سيدنا النبي.

لكن لا يحرم على الناس ولا يتكلم معهم بكلام يؤدي به إلى مخالفة منهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.