طريقنا إلى الله | حـ 18 | أصول الطريق جـ 1 | أ.د علي جمعة
- •السلوك في الطريق إلى الله يشمل الجوارح والمشاعر، ويبدأ بأربعة أمور أساسية: قلة الكلام، وقلة المنام، وقلة الطعام، وقلة الأنام.
- •قلة الكلام تقي من آفات اللسان كالكذب والغيبة والنميمة وشهادة الزور والسب والقذف والفحش في الكلام والبهتان.
- •الصمت نعمة يتيح فرصة لذكر الله، واسترجاع القرآن، والتفكر والتدبر، ويقي من المصائب التي يقع فيها كثير الكلام.
- •قلة المنام تولد الهمة وتمكن من قيام الليل ولو بركعتين، وتجعل الإنسان أكثر ضراعة بين يدي الله.
- •قيام الليل سهل على من يسره الله عليه، ويكفي فيه ركعتان، ويكفي في الوتر ثلاث ركعات.
- •ثلث الليل الأخير محل لاستجابة الدعاء، حيث ينزل الله فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟
- •مواضع إجابة الدعاء قد تكون في الزمان كليلة القدر، أو المكان كالكعبة، أو الحال كنزول المطر، أو الأشخاص كالوالدين.
مقدمة ومراجعة لما سبق من محطات الطريق إلى الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى عرفنا الذكر والفكر، وعرفنا التخلية والتحلية، وعرفنا التجلي وكيف نتعامل معه، وعرفنا البدعة والسنة الحسنة، وعرفنا أن ملتفتًا لا يصل [أي أن من يلتفت عن الطريق لا يبلغ مقصوده].
السلوك إلى الله ينقسم إلى سلوك الجوارح وسلوك المشاعر
هناك جزء آخر متعلق بالسلوك، والسلوك قد يكون سلوكًا مختصًا بالجوارح، وقد يكون سلوكًا مختصًا بالشعورات والمشاعر.
أربعة أصول لبداية الطريق إلى الله في سلوك الجوارح
السلوك المختص بالجوارح حتى نبدأ الطريق [إلى الله] يجب علينا أن نبدأه بأربعة:
- قلة الكلام.
- قلة المنام.
- قلة الطعام.
- قلة الأنام [أي قلة مخالطة الناس].
أربعة يبدأ الإنسان في التدرب عليها في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. بعض الناس تسمي هذه الأشياء التي نذكرها أصول الطريق، لكنها بهذا التنظيم هيّا حتى تخرج من مألوفك إلى طريق الله سبحانه وتعالى.
تقليل الكلام وفضل الصمت في السنة النبوية وكتب العلماء
أن تُقلِّل الكلام؛ في تقليل الكلام جَمَعَ علماءُ الإسلام ما ورد عن سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وآله وسلم، حتى أن ابن أبي الدنيا -وهو أحد علماء الحديث- جمع ما ورد من استحسان الصمت وقلة الكلام في مجلد كبير -مطبوع- أسماه «الصمت».
وورد فيه: «إنكم إذا رأيتم الرجل قد أُوتيَ صمتًا» -أُوتيَ صمتًا- إذ الصمت كأنها نعمة؛ لأنه إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب؛ لأن الكلمة أنت تملكها، فإذا نطقت بها ملكتك وأصبحت أنت المملوك وهي تتحكم فيك.
حديث النبي لمعاذ في خطورة حصائد الألسنة وآفاتها
هذا [فضل الصمت] نجده في كلام رسول الله صلى الله [عليه وسلم] وهو يقول لمعاذ [بن جبل رضي الله عنه]:
قال رسول الله ﷺ: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم؟»
وهي كلمة كتركيب وتعبير عربي يُستفاد منه الإنكار، مثل «تربت يداك»، مثل «ثكلتك أمك»، مثل «بأبي أنت وأمي» أو «فداك أبي وأمي يا رسول الله»؛ هذه تعبيرات عربية لها معانٍ.
ولذلك يتكلم أهل الله على آفة اللسان.
الكذب من أعظم آفات اللسان وأنواعه وعاقبته
منها [أي من آفات اللسان] الكذب، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «لا يكذب المؤمن»
ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «إن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة»
يعني الكذاب مآله النار. والكذب على أنواع: منها ما هو في حديث الناس، ومنها ما هو على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه كبيرة من الكبائر وعظيمة من العظائم وبلية ومصيبة من المصائب.
قال رسول الله ﷺ: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»
الصمت يقيك الكذب [وسائر آفات اللسان].
آفات اللسان من الغيبة والنميمة وشهادة الزور والسب والبهتان
من آفات اللسان أيضًا الغيبة والنميمة، وهناك غيبة ونميمة بالقلب؛ لا يتكلم لسانك ولكن هذا من قبيل الاحتقار والتعالي وظن السوء في أخيك، ونحن أُمرنا بحسن الظن.
ومنها شهادة الزور وهي نوع من أنواع الكذب، ويسمى في العربية القَتّ؛ يعني الكذب الذي لا أساس له، ليس كذبًا من اشتباه إنما هو كذب من سوء طوية.
آفات اللسان منها السب والقذف والفحش في الكلام. آفات اللسان منها اللغو ومنها البهتان ومنها عدم الاهتمام بما يخرج منك من كلام فيحدث فتنةً بين الناس، والوقيعة بين الناس من آفات اللسان.
يتغلب عليها المريد [السالك إلى الله] في أول حياته بالصمت.
فوائد الصمت في إتاحة الذكر والتفكر والوقاية من آفات اللسان
الصمت يتيح له [أي للمريد] فرصة ووقتًا لذكر الله، والصمت يتيح له مساحة لاسترجاع ما معه من القرآن.
الصمت يتيح له مساحة للتفكر والتدبر فيما حوله، والصمت يقيه هذه المصائب التي يقع فيها الذي يُكثر الكلام.
كثرة الكلام في الحقيقة هي بلية، والصمت وقلة الكلام هي منجاة لصاحبها.
الانتقال إلى الأصل الثاني وهو قلة المنام وأهمية قيام الليل
في طريقنا إلى الله إذن لا بد علينا أن نهتم بهذه الأربعة التي أولها قلة الكلام.
ثانيًا: قلة المنام؛ لا بد أن يكون عند المريد همة، وتتولد الهمة بمحاولة الخروج عن المألوف والعادة ومحاولة قيام الليل.
وقيام الليل وإن كان أمرًا مهمًا إلا أنه سهل على من يسَّره الله عليه، وذلك أنه يكفي فيه ركعتان، ويكفي في الوتر ثلاث ركعات، فتكون بذلك قد قمت الليل.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]
إذن قلة المنام تجعل الإنسان أكثر ضراعة بين يدي الله.
قصة الشيخ محمد راشد وركعتي الليل التي داوم عليها أربعين عامًا
طاشت العبارات وذهبت الإشارات، وبقيت ركعات كنا نصليها في الليل لرب العباد.
ركعتين [فقط من قيام الليل قد تكفي]؛ كان الشيخ محمد راشد عندما قابل السيد محمد أمين البغدادي قال له:
يا سيد محمد راشد، ماذا بينك وبين الله سبحانه وتعالى من العبادات التي تعني ترجو منها القبول؟
قال: أصلي ركعتين بالليل لا يدري بهما أحد من أهلي منذ أربعين عامًا. ركعتين فقط، ركعتين يمكن أن تستغرق خمس دقائق، ولكن لها معنى كبير في العبادة.
قلة المنام تعين على الذكر وإدراك ثلث الليل الأخير واستجابة الدعاء
قلة المنام تجعل الإنسان يشتغل بالذكر، قلة المنام تجعل الإنسان قد يُدرك ثلث الليل الأخير الذي فيه استجابة الدعاء.
ينزل ربنا سبحانه وتعالى في ثلث الليل الآخر فيقول:
قال رسول الله ﷺ: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟»
إذن ثلث الليل الأخير هو محل للإجابة.
مواضع إجابة الدعاء في الزمان والمكان والحال والأشخاص
مواضع الإجابة قد تكون في الزمان كليلة القدر، كالعشر الأوائل من ذي الحجة، عند إفطار الصائم.
وقد يكون المكان كالكعبة المشرفة، وما عندَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم [أي عند قبره الشريف].
وقد يكون الحال كنزولِ المطرِ وزحفِ الجيشِ من أجلِ أن يُدافعَ عن قضيةِ هذا العالم [الإسلامي].
وقد يكون الأشخاص بأن تطلبَ الدعاءَ من والديكَ أو المُحبّين إلى آخره.
منظومةٌ متكاملةٌ نُكملُها معكم إن شاء الله في حلقةٍ قادمةٍ، وإليها أستودعُكم الله، والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته.
