طريقنا إلى الله | حـ 20 | قلة الأنام | أ.د علي جمعة
- •التربية في طريق الله تعتمد على قلة الكلام وقلة المنام وقلة الطعام وقلة الأنام.
- •قلة الأنام ترتبط بالاعتكاف الذي مارسه النبي محمد في غار حراء وموسى عليه السلام في ميقاته أربعين ليلة.
- •يجوز الاعتكاف في المساجد للحظات أو ساعات عند الشافعي، بينما اشترط أبو حنيفة الصيام للاعتكاف.
- •قلة النوم تتيح للإنسان التأمل والتدبر ومراجعة النفس وتقويم التصرفات والارتقاء بالذات.
- •ترتبط قلة المنام بخدمة الأنام، فهي ليست هروباً من الناس بل تركيز لخدمتهم بمختلف الأشكال.
- •روى ابن عباس أن خدمة الناس تعدل اعتكاف أربعين سنة أو شهراً كما في حديث النبي.
- •الخدمة وجه آخر للاعتزال الذي يملأ القلب بالهمة، وقضاء حوائج الناس له أجر عظيم.
- •الصمت يجلب الحكمة، وقيام الليل ثمرة قلة المنام، والصيام مرتبط بقلة الطعام.
- •من قلة الناس نشأت قضية الخلوة والجلوة، والخلوة قد تكون عن الناس أو عن المعاصي.
مقدمة الدرس والتربية بقلة الكلام والمنام والطعام والأنام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى، وقفنا عند التربية بقلة الكلام وقلة المنام وقلة الطعام، ثم قلة الأنام. وقلة الأنام يشير إليها ما سنَّه الله لنا من قضية الاعتكاف، ويشير إليها هذا الإرهاص بالنبوة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:
«حُبِّبَ إليَّ الخلاء»
فكان يتزود لليالي ذوات العدد في غار حراء، حتى إذا نفد الزاد من طعام ومن شراب نزل إلى مكة ليتزود لمثلها.
الاعتكاف عن الخلق في تجربة الأنبياء موسى ومحمد عليهما السلام
وهذا [الاعتكاف عن الخلق] هو الميقات الذي جعله الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام ثلاثين ليلة ثم زاده عشرًا. فأصبح عندنا أيضًا اعتكاف عن الخلق وبُعد عن الخلق في تجربة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تهيئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأولى، وكذلك عند سيدنا موسى عليه السلام.
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
وكذلك في سنة الاعتكاف سواء في البيت الحرام أو كان في مساجد الله.
رأي الشافعي وأبي حنيفة في مدة الاعتكاف وشروطه
كما يرى الإمام الشافعي أننا إذا ما دخلنا المسجد ننوي سنة الاعتكاف لدقائق أو لساعات ما بين الصلاتين فليكن ذلك [جائزًا].
وإن كان الإمام أبو حنيفة قد اشترط في الاعتكاف الصيام؛ ولذلك لا يجوز عنده إلا أن نعتكف يومًا بليلة حتى نؤدي فيه الصيام؛ لأن الصوم شرط عنده لصحة الاعتكاف.
قلة الأنام وإتاحة الفرصة للتأمل والتدبر ومراجعة النفس
على كل حال، الفكرة التي نريد أن نؤكد عليها هنا هي قضية قلة الأنام. وقلة الأنام معناها إتاحة فرصة لعقل الإنسان أن يتأمل، أن يتأمل، أن يتدبر، أن يتفكر، أن يعيش مع نفسه، أن يراجع أخطاءه، أن يراجع أفعاله، أن يُقوِّم تصرفاته حتى يتقدم إلى الأمام.
إذن فهي تربية تهيئ الإنسان في نهاية المطاف للذكر وللفكر، للتخلية وللتحلية، للتعامل مع التجلي؛ من أجل أن يصل الإنسان في طريقه بهذا السلوك إلى العبادة الحقة وإلى إخلاص الدين وإلى إنشاء الهمة.
قلة الأنام مرتبطة بخدمة الناس بكل أشكالها لا بالهروب منهم
قلة الأنام، بعض أهل الله يتحدثون أن قلة الأنام لا بد أن يتصل بها خدمة الأنام. ومن هنا كان في طريق الله قضية الخدمة.
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
خدمة الناس بكل أشكالها: بأشكالها البسيطة والمركبة، بأشكالها الآنية والمستقبلية، بأشكالها الخاصة والعامة، بأشكالها الجزئية والكلية، بأشكالها المطلقة والمقيدة، بأشكالها [المتنوعة].
خدمة الناس! قلة الأنام مرتبطة بخدمة الناس. إذن فقلة الأنام ليس معناها الهروب من الناس ابتغاء كراهية هؤلاء الناس، بل قلة الأنام معناها التركيز من أجل خدمة الناس بكل الوسائل.
حديث ابن عباس في ترك الاعتكاف لخدمة أخيه المسلم
ومن هنا، من قلة الأنام وخدمة الأنام، حملوا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حيث كان معتكفًا، فجاءه رجل يدعوه إلى خدمة معينة وهو يعرف أن ابن عباس معتكف هناك، بقي يومًا أو يومين.
فخرج ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من المسجد، أي أنه كسر الاعتكاف، أي ترك الاعتكاف ليذهب لخدمة ذلك الرجل مع الخدمة التي أو شفاعته التي أرادها منه.
فقال له الرجل: لستُ في عجلة، أتمم اعتكافك. فقال له ابن عباس:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من كان في حاجة أخيه فله اعتكاف أربعين»
ولا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين سنة.
المفاضلة بين إكمال الاعتكاف وخدمة الناس وأجرها العظيم
يعني [قال ابن عباس:] أتريدني أن أكمل اعتكاف يومين وأضيّع على نفسي اعتكاف أربعين سنة؟ إنها فرصة! أنت تعتكف أربعين سنة على الأقل، أو أربعين شهرًا كحد أدنى، أو على الأقل سيكون أربعين يومًا وأنا معتكف يومين أو ثلاثة.
فكما أن في الاعتزال [عن الناس] قيمة من أجل ملء القلب بكثير من الهمة، إلا أن وجهها الآخر هو الخدمة. ومن هنا يتحدث أهل الله عن قضية الخدمة، والخدمة هي أن تكون في خدمة الناس، تكون في حاجة الناس، يجب عليك أن تقضي حوائجهم. وورد في أحاديث كثيرة كيف أن هذا [العمل] له الأجر الجليل والتام عند الله سبحانه وتعالى.
اكتمال السلوك بقلة الكلام والمنام والطعام والأنام مع خدمتهم
بقلة الكلام وقلة المنام وقلة الطعام وقلة الأنام مع خدمتهم يتم السلوك [إلى الله تعالى].
حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا رأيتم الرجل قد أُوتي صمتًا وحكمة فإنه يُلقى الحكمة»
يعني يؤتى الحكمة.
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
فإذا رأينا الرجل قد صمت فإنه يُلقى الحكمة، تتنزل على قلبه من عند الله سبحانه وتعالى جزاءً لقلة الكلام.
قلة المنام وقيام الليل والتهجد من أسس السلوك إلى الله
بقلة المنام، قال الله تعالى:
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]
﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]
«ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير»
[فهذا] طريق مقيد بالكتاب والسنة.
قلة الطعام والصيام ونشأة مفهوم الخلوة والجلوة عند أهل الله
قلة الطعام التي فيها:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183]
ومن هنا، مع قلة الناس نشأت عند أهل الله قضية هي قضية الخلوة والجلوة. الخلوة والجلوة نشأت من قلة الناس.
الخلوة لها معانٍ؛ فقد تكون الخلوة عن الناس، لكن قد تكون الخلوة أيضًا عن المعاصي. والجلوة مع الناس، لكن أيضًا قد يكون ثواب الخلوة القلبية مع تلك الجلوة، حتى قالوا إن خلوتهم في جلوتهم.
مع تفصيل ذلك، الخلوة والجلوة سنعيش [معها] مرة أخرى في حلقة أخرى. فإلى لقاء قريب، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
