طريقنا إلى الله | حـ 21 | الخلوة في الجلوة | أ.د علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ 21 | الخلوة في الجلوة | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يوضح أهل الله من خلال الكتاب والسنة مصطلحات مهمة في طريق السير إلى الله، ومنها "الخلوة في الجلوة".
  • الخلوة تعني ابتعاد الإنسان عن الناس لشحن قلبه بالعبادة والطاعة، ثم العودة للحياة بنشاط وهمة عالية وعزيمة صادقة.
  • يمكن للإنسان أن يكون مع الناس جسداً لكن قلبه مع الله يذكره، كما في حديث "خير الأعمال سبحة الحديث".
  • قسّم الإمام الهروي في كتابه "منازل السائرين" الطريق إلى الله إلى عشر مراحل، أولها اليقظة ثم التوبة.
  • اليقظة هي معرفة حقيقة الإنسان أنه مخلوق لخالق، وهي تجيب على سؤال "من أين أتينا؟".
  • خلقنا الله لثلاثة أمور: عبادته بالشعائر كالصلاة والصوم، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
  • الناس ليسوا على درجة واحدة في عبادة الله، فمنهم من يعبد الله كأنه يراه، ومنهم من يعبده لعلمه أن الله يراه.
  • بمعرفة هذه الحقائق نجيب عن الأسئلة الوجودية: من أين أتينا، وماذا نفعل هنا، وماذا سيكون غداً.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة في مصطلح الخلوة في الجلوة على طريق السالكين إلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى، وضع أهل الله من خلال الكتاب والسنة، ومن خلال التجربة مع الله بالكتاب والسنة، مصطلحات كثيرة في هذا المقام. فمن مصطلحاتهم: الخلوة في الجلوة.

فالخلوة هي أن يبتعد الإنسان بجسده عن الناس وعن مشاغل الدنيا وشواغلها، يملأ بطارية قلبه بما يمكنه من استمرار العبادة، ويروّح قلبه بين ساعة وساعة، ويجعل ساعة العبادة طاعة، ثم يتوصل بها إلى الاستمرار في الحياة والعمل بنشاط وهمة وعزيمة، فيها همة عالية وعزيمة صادقة.

معنى الخلوة والجلوة وأثرهما في حياة المسلم مع الله

حتى قالوا: خلوتهم في جلوتهم. والخلوة أن تبتعد عن الناس وتتيح لنفسك فرصة للتفكر ولملء القلب بالهمة والعزيمة. والجلوة أن تخدم الناس.

وأنت في هذه الخلوة سترى أنك في أنس مع الله سبحانه وتعالى، وسترى الذكر والفكر يرد على قلبك عندما تذهب إلى الناس.

قال رسول الله ﷺ: «خير الأعمال سُبحة الحديث»، قالوا: يا رسول الله؟ قال: «القوم يتكلمون والرجل يسبّح»

فالناس تتكلم ولكن الرجل مع ربه يسبّح، يذكر، يعيش تلك الأجواء، يعيش في هذه السعادة مع الله سبحانه وتعالى.

كتاب منازل السائرين للإمام الهروي ومراحل الطريق إلى الله العشر

الخلوة والجلوة مصطلحات وُجدت حتى يسير الإنسان وينتقل من مرحلة إلى مرحلة. وهنا تجدر الإشارة إلى مراحل الطريق.

وهذا ما ألَّف فيه الإمام الهروي كتابه الممتع [منازل السائرين إلى رب العالمين] بين إياك نعبد وإياك نستعين، وجعل الطريق إلى الله على عشر مراحل.

في كل مرحلة لها بدايتها ولها وسطها ولها نهايتها، في كل مرحلة لها صفاتها ولها مقتضياتها ولها تربيتها. في كل مرحلة يخاطب درجات معينة مختلفة من الناس؛ يخاطب العوام ويخاطب الخواص ويخاطب خواص الخواص.

درجات الناس في العبادة بين العوام والخواص وخواص الخواص

وسنرى فيما بعد ما معنى العوام، وما معنى الخواص، وما معنى خواص الخواص؛ لأن الناس ليسوا في عبادة الله حتى يروه على درجة واحدة.

قال النبي ﷺ: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

فأصبح هناك أنواع من الخلق: نوع يعبد الله كأنه يراه، وهذه المرتبة العليا. ونوع لا يستطيع أن يصل إلى هذا [المقام]، لكنه يعرف أن الله يراه، وهذا أقوى من هذا [المقام الأول]؛ فإن لم تكن تراه فهو يراك.

هناك نوع من المقربين من السابقين أولئك المقربون، وهناك نوع من أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، فهناك درجات؛ هم درجاتٌ عند ربهم.

المرحلة الأولى في الطريق إلى الله هي اليقظة من الغفلة

لما قسّم [الإمام الهروي] الطريق إلى الله إلى عشر مراحل، جعل المرحلة الأولى هي اليقظة.

إذن، فأنا في بداية الطريق لا بد عليّ أن أتيقظ. كلمة "يقظ" تُستعمل فيمن قام من النوم؛ إذن فالناس كأنها نيام. فإذا عرفتُ معنى لا حول ولا قوة إلا بالله تيقظتُ، وانكشفت لي الحقيقة، فهذه مرحلة اليقظة وهي المرحلة الأولى.

المرحلة الثانية جعلها التوبة، وهكذا في مراحل متتالية من الإخلاص، من التوكل سنرى، ولكن جعلنا الآن في المرحلة الأولى التي هي اليقظة.

معنى اليقظة ومعرفة حقيقة الإنسان والإجابة عن سؤال من أين أتينا

ما معنى اليقظة؟ أن أعرف الحقيقة. وما حقيقة الإنسان؟ الإنسان حقيقته أنه مخلوق لخالق.

إذن هذا [الإدراك] أجاب على سؤال كبير في الفلسفة عند البشر جميعًا: من أين أتينا؟ عندنا الإجابة: الله خلقنا.

إذن، فماذا نفعل في هذه الحياة؟ هل فقط نعيش بكدرها ونكدها ونُفاجأ بالموت؟ إذن فهي لا تساوي شيئًا ولا معنى لها. لا، الله أراد منك ثلاثة أشياء:

تفاصيل ما أراده الله من الإنسان في العبادة والطاعات والمعاصي

أراد منك عبادة الله، وأنزل لك تفاصيل هذه العبادة: فقال لك تشهد، وقال لك تصلي، وقال لك تصوم، وقال لك تزكي، وقال لك تحج، وقال لك تذكر وتدعو، وقال لك تبتعد عن المعاصي وحدد لك هذه المعاصي، وتفعل الطاعات.

قال النبي ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق الناس، وأن الحياء شعبة من شعب الإيمان»

وأن الله يحب كذا وكذا، وأن الله يكره كذا وكذا.

قال النبي ﷺ: «كره الله لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»

فهذه كلها عبادة [أمر الله بها].

عمارة الأرض وتزكية النفس ومعرفة الغاية من الوجود الإنساني

وأيضًا أمرك [الله] بعمارة الأرض:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

يعني طلب منكم عمارها. نهانا عن الفساد، نهانا عن الظلم، نهانا عن العدوان.

وأيضًا تزكية النفس:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

إذا عرفتَ هذا، عرفتَ لِمَ أنتَ هنا؛ من أجل أن تكون مُكلَّفًا فتُجيب عن الإجابة الثانية: ماذا نفعل هنا الآن؟

أمّا الإجابة الثالثة: ماذا سيكون غدًا؟ فأخبرنا [الله] بيوم القيامة، وأخبرنا بالجنة، وأخبرنا بالنار، وبالحساب، بالثواب، بالعقاب. فالكلام له معنى.

فكيف يكون ذلك؟ إلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.