طريقنا إلى الله | حـ 24 | مراحل الطريق ودرجات السالكين | أ.د علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ 24 | مراحل الطريق ودرجات السالكين | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • طريق السير إلى الله يبدأ بمرحلة اليقظة، وهي تنبه الإنسان من غفلته وانغماسه في الدنيا.
  • تليها مرحلة التوبة، وينقسم الناس في علاقتهم مع الله إلى ثلاثة أقسام: العوام، والخواص، وخواص الخواص.
  • مثل العوام كمن يقف أمام البحر ويراه فقط، والخواص كمن ركب البحر وعبره، وخواص الخواص كمن عاد بعد العبور حاملاً لآلئه ومرجانه.
  • اليقين درجات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.
  • توبة العوام هي الإقلاع عن المعاصي والندم عليها مع رد الحقوق لأصحابها.
  • توبة الخواص هي الزهد في المباحات التي تشكل كدراً في علاقتهم مع الله كالإكثار من الطعام والشراب.
  • العامي عند المصيبة يحزن ويتجلد، والخاص يرى فيها منحة وثواباً، أما خواص الخواص فيجمعون بين تعلق القلب بالله وبين المشاعر الإنسانية الفطرية.
  • خواص الخواص هم وارثو الأنبياء الذين يتشبهون بهم في تصرفاتهم.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في مراحل الطريق إلى الله ومرحلة اليقظة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في طريقنا إلى الله رأينا مراحل سلك فيها السالكون وخبرها الأتقياء والأنقياء، وسجّلوا ذلك، ورأوا أن المرحلة الأولى هي أن يتنبّه الإنسان من نومه، من غفلته، من انغماسه في الدنيا، وأسموا هذه المرحلة باليقظة.

تقسيم الناس إلى ثلاث درجات في علاقتهم مع الله تعالى

المرحلة التالية هي مرحلة التوبة، وكما قلنا أنهم قسّموا الناس إلى ثلاثة أقسام طبقًا لعلاقتهم مع الله سبحانه وتعالى:

  1. فمنهم العوام.
  2. ومنهم الخواص.
  3. ومنهم خواص الخواص.

تشبيه أقسام الناس الثلاثة بمثال الرجل والبحر

شبّهوا هذه الأنواع الثلاثة برجلٍ وقف أمام البحر، شاهد البحر، رآه، عاينه بعينه، سمع هدير الأمواج، وقد يكون حاول أن يتذوّق ماءه فوجده مالحًا. له معرفة بهذا البحر وباتّساعه وبمعناه.

لكن هناك شخصًا آخر ركب هذا البحر إلى البرّ الآخر منه. هذا بلا شكّ يعلم البحر في شاطئه، والبحر في لُجّته ووسطه، والبحر في منتهاه في الشاطئ الآخر.

فهذا الذي وقف عند البحر [ولم يركبه] من العوام، والذي ركب البحر وذهب إلى الطرف الآخر من الخواص.

وصف خواص الخواص بمن ركب البحر واستخرج كنوزه وعاد سالمًا

ثم إنه بعد ذلك عاد مرة أخرى، وأثناء ذلك حاول العبد أن يصطاد الأسماك، وحاول أن يستخرج لؤلؤ هذا البحر ومرجانه. فهذا قد وصل مرة أخرى إلى شاطئ الأمان عائدًا بسلامة الله.

وأصبح أمامنا اثنان على الشاطئ: واحد لم يركب البحر، وواحد ذهب وأتى فكان من خواص الخواص. وهناك ثالث لم نره أو هو غائب عنّا وهو الذي في الطرف الآخر، وهذا هو الخواص.

درجات اليقين الثلاث وعلاقتها بأقسام الناس في السلوك

درجاته ثلاثة: عامّة وخاصّة وخاصّة الخاصّة. وهنا نلحظ ملحظًا دقيقًا أن خاصّة الخاصّة وهو حال الصدّيقين والمقرّبين، وهو الوراثة النبوية الشريفة؛ يرثون الأنبياء، فهو تشبُّه بحال الأنبياء.

خواص الخواص يُشبه في تصرّفاته العامّة العوامَ، والذي يفرق بينهما هي درجة اليقين. هذا [العامّي] رأى الحقّ بعين اليقين، وهذا [خاصّ الخاصّ] بحقّ اليقين.

وقد يكون هناك شخص آخر سمع عن البحر وعرف البحر وشاهد صوره، فهذا قد عرفه بعلم اليقين. فهناك علم اليقين وهناك عين اليقين وهناك حقّ اليقين، وكلّها ألفاظ قرآنية.

توبة العوام من المعاصي وشروطها الثلاثة والأربعة

هذا العامّي له طاقة وله طريقة في التوبة، وهي المرحلة الثانية بعد اليقظة. ولا بدّ عليه أن يتوب من المعاصي؛ فهناك شهوات وهناك رغبات وهناك مرادات للإنسان واحتياجات، يريد أن يفطم الجوارح عن المعاصي.

هذا الفطام وهذه التوبة هي توبة العوام [عموم الناس]. يجب عليك إذا ما أردت التوبة:

  1. أن تُقلع عن الذنب.
  2. وأن تنوي ألّا تعود إليه أبدًا.
  3. وأن تندم على أنك قد وقعت فيه.

وإذا كان الذنب متعلّقًا بحقوق العباد رددتها إليهم. فالتوبة شروط قبولها ثلاثة، وإذا تعلّقت بحقّ العباد فأربعة. هذه توبة العوام.

توبة الخواص من المباحات والزهد فيما يُكدّر العلاقة مع الله

لكنه لمّا يكون من الخواص، والخواص تراه أنه قد تنزّه عن الوقوع في المعاصي. والمعاصي منها ما هو من الكبائر ومنها ما هو من الصغائر، وهو نزّه نفسه عن الكبائر وعن الصغائر.

لكن توبته تتأتّى في أنه يزهد ولا يريد المباحات التي تمثّل كدرًا في علاقته مع الله؛ كثرة الأكل وكثرة الشرب وكثرة التصدّر. وهكذا أمور مباحة في أصلها وهو لم يرتكب بها إثمًا، ولكنه يتنزّه عنها.

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها» [رواه البخاري]

فالعامّي يتوب من الذنوب من المعاصي، ولكن خاصّ الخاصّ يتوب من المباحات والمتاحات حتى يتقرّب مكانها بالله، ويستبدل بالمباح المندوب، يستبدل بالمباح الطاعة ومزيدًا من الطاعة.

توبة خواص الخواص من كل ما سوى الله والتعلق بالأسباب

هناك أيضًا خواص الخواص، فأولئك يتوبون إلى الله من السِّوى. وما معنى السِّوى؟ ما سوى الله [أي كلّ ما يشغل القلب عن الله]. ليس بمعصية أن تسأل خدمة من أحدٍ من الناس.

ليس من التقوى ولا من مرتبة الخصوص أن تترك الأسباب، ولكن الخاصّ يفعل الأسباب لأجل الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى فيها.

مثال فقد الابن وكيف يتعامل معه العامي والخاص في التوبة

هيّا بنا نرى أمثلة لذلك:

رجل فقد ابنه وهو من العوام يبكي. لماذا؟ لأنه حزين؛ فراق الابن أنشأ في قلبه حزنًا. نعم، يحاول أن يتجلّد وأن يصبر؛ لأن الصبر إنما هو عند الصدمة الأولى.

أما الخاصّ فمثل الشِّبلي رحمه الله تعالى، حيث أخبروه بوفاة ابنٍ له فضحك. هذا ليس معتادًا، هذا مخالف للطبائع العادية الغالبة، ولكنه رأى في ذلك ثوابًا من عند الله، ورأى في ذلك كرامة ومنحة في تلك المحنة، فضحك. تذكّر أن هذا الولد سوف يأخذ بيده إلى الجنة يوم القيامة، وتلبّسته هذه الحال. إذن فقلبه متعلّق بالله.

حال خواص الخواص عند المصيبة كبكاء النبي على وفاة إبراهيم

وهناك خواص الخواص كسيّد المرسلين [محمد ﷺ]، بل هو أعلى من ذلك، هو أكثر بِرًّا. ولكن حال خواص الخواص كحاله عندما توفّي إبراهيم [ابنه ﷺ] بكى.

لماذا؟ لأن الله بموت إبراهيم كأنه يقول له: ابكِ؛ لأن هذا بإزاء هذا [أي البكاء الطبيعي لا يُنافي الرضا]. قلبه صابر ومستقرّ ومتعلّق بالله سبحانه وتعالى، ولكن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول ما يُغضب الله.

ثلاثة درجات [في التوبة والتعامل مع المصائب]. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.