طريقنا إلى الله | حـ 25 | ملامح الطريق إلى الله | أ.د علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ 25 | ملامح الطريق إلى الله | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الطريق إلى الله سبحانه يبدأ باليقظة، حيث يدرك المريد أن الحياة الدنيا مزرعة للآخرة وأنها فانية.
  • ينتقل السالك بعدها إلى التوبة، وهنا يختلف العوام عن الخواص وخواص الخواص في درجاتها.
  • العلم في هذا الطريق ممتد يزداد به الإنسان أدباً ومعرفة في كل يوم.
  • تتحدد ملامح الطريق وأصوله في أربعة محاور: النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية.
  • النعمة واجبها الشكر كما في الفاتحة التي نقرأها في كل ركعة.
  • البلية واجبها الصبر، فأمر المؤمن كله خير بين شكر وصبر.
  • الشكر الجميل والصبر الجميل هما الأفضل عند الله، سواء صدرا من غني أو فقير.
  • الطاعة واجبها الإخلاص، فالأعمال بالنيات ولا يكتب للإنسان إلا ما عقل من صلاته.
  • المعصية واجبها الاستغفار الذي يستلزم الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مراجعة مراحل الطريق إلى الله من اليقظة إلى التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى رأينا أن أول مرحلة يخوض فيها المريد السالك هي اليقظة؛ فيعرف معنى الحياة الدنيا وأنها إلى فناء، ويعرف أن بقاءه في هذه الحياة الدنيا فرصة ومزرعة للآخرة، وأن بقاءه قليل فيما عند الله سبحانه وتعالى، وأنه ينبغي عليه أن يتوب وينتقل إلى المرحلة الثانية وهي التوبة.

وعرفنا الفرق بين العوام والخواص وخواص الخواص في شأن التوبة؛ كيف أن هذا يتوب عن المعصية، وهذا يتوب عن نافلة القول وفضل هذه الأعمال، زيادة هذه الأعمال يعني ويتحقق بمزيد من النوافل لله رب العالمين. وكيف أن خواص الخواص يعودون مرة أخرى في هيئتهم الخارجية كالعوام، وإنما قلوبهم معلقة بالله بصورة ليست عند العوام.

الطريق إلى الله ممتد من المهد إلى اللحد وطلب العلم لا ينقطع

إذا عرفنا هذا فإن مراحل الطريق تمتد بنا، لكن قبل أن نكمل هذا الطريق وهو كما قالوا: من المهد إلى اللحد، ومع المحبرة إلى المقبرة.

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

وفي كل يوم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا بارك الله لي في يوم لم أزدد فيه علمًا»

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

فالعلم ممتد، والعلم يشمل حياة الإنسان، وكل يوم يزداد الإنسان علمًا فيزداد أدبًا ومعرفة في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى. فاللهم يا ربنا علمنا الأدب معك، وخذ بأيدينا إليك، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت.

ملامح الطريق بعد التوبة تتمثل في أربعة أحوال للإنسان

بعد التوبة هناك ملامح للطريق بمراحله المتبقية، ولكن كيف تكون هذه الملامح أسسًا وأصولًا للطريق الذي نسير فيه ومحدداته ومساحاته؟

وجدوها في أربعة:

  1. في النعمة.
  2. وفي البلية.
  3. وفي الطاعة.
  4. وفي المعصية.

فالإنسان إما أن يكون في نعمة وإما أن يكون في ضدها، والإنسان إما أن يكون في طاعة وإما أن يكون في ضدها.

وجوب شكر النعمة وصبر البلية من أصول الطريق إلى الله

كيف يتعامل الإنسان مع كل حالة من هذه الحالات [الأربع]؟

إذا كانت هناك نعمة فهناك وجوب لشكر المنعم سبحانه وتعالى، وربنا رسم لنا طريقًا موجودًا في الفاتحة:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 1-2]

التي نقرأها كفرض وركن في الصلاة، كل صلاة، كل ركعة لابد فيها من أن نقدم الحمد والشكر والثناء الجميل على الله سبحانه وتعالى.

إذن فعندما تأتيني النعمة فهناك واجب سيكون معها وهو الشكر. وعندما تأتيني البلية — وأحيانًا يقولون النقمة ولكن يتأدبون فيقولون البلية —

﴿وَنَبْلُوكُم بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ فِتْنَةً

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنبياء: 35]

من الابتلاء والامتحان، فواجبها الصبر.

حديث عجبًا لأمر المؤمن وأن أمره كله بين الشكر والصبر

قال رسول الله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته نعماء شكر، وإن أصابته ضراء صبر»

فأمر المؤمن بين الشكر والصبر، وكل منهما يرفع درجاته عند الله سبحانه وتعالى؛ إن أصابته نعماء شكر، وإن أصابته ضراء [أي البلية] صبر.

المفاضلة بين الشكر والصبر وبين الغني الشاكر والفقير الصابر

والشكر والصبر لا نقول لأحدهما أنه أفضل من غيره عند الله، بل ينبغي أن يكون في وقته وفي شخصه وفي زمانه وفي مكانه وفي حاله المناسب؛ هذه هي الحكمة.

فهل الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر، أو أن الفقير الصابر هو الذي أفضل من الغني الشاكر؟

تكلم العلماء عن هذا المعنى وقالوا: الشكر الجميل والصبر الجميل هو الأفضل، سواء صدر من الغني أو من الفقير.

إذن فليس هناك مقارنة بين الغنى والفقر، ولا بين ما يصدر من هذا أو يصدر من ذاك. القضية هي: هل وفّى الشاكر شكره؟ وهل جمّل الصابر صبره؟

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18]

فإذا كان الصبر قد صدر جميلًا، أو كان الشكر قد صدر تامًّا، فهذا معناه القبول عند الله سبحانه وتعالى. هذا الطريق مبني على هذه العقائد والأفكار.

الطاعة تستوجب الإخلاص والنية شرط في جميع العبادات

كذلك الإنسان بين الطاعة والمعصية؛ فإذا أصابته طاعة فإن الواجب عليه الإخلاص. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» رواه البخاري ومسلم

ويقول [صلى الله عليه وسلم]:

«لا يُكتب لأحدكم إلا ما عقل من صلاته»

فلابد أن تعقل صلاتك وتتأملها وتتدبرها حتى تؤتي ثمارها.

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

طاعة واجبها الإخلاص؛ ولذلك نرى كثيرًا من الأئمة يشترط النية في كل العبادات: في الوضوء، في الصلاة، في الزكاة، في الحج، في العمرة، في الصيام. يشترطون النية لأن النية مرتبة من مراتب القصد تساعد الإنسان على تفريد وتوحيد الله سبحانه وتعالى، تساعد الإنسان على هذا الإخلاص الذي نطلبه من الإنسان.

إذن الطاعة في مقابلة الإخلاص، أو هي تستوجب الإخلاص، أو من الواجبات التي لا بد للإنسان أن يتحقق بها هو الإخلاص.

المعصية واجبها الاستغفار وملامح الطريق الأربعة إلى الله

والمعصية واجبها الاستغفار. والاستغفار كما تعلمنا في شأن التوبة: طلب الغفران من الله، يستلزم الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على ألا يعود إليها مرة ثانية.

هذه الأربعة هي من ملامح الطريق [إلى الله سبحانه وتعالى]؛ ملامح الطريق تتمثل في:

  1. الشكر عند النعمة.
  2. الصبر عند البلية.
  3. الإخلاص عند الطاعة.
  4. الاستغفار عند المعصية.

ونرى كل ذلك من شكر أو صبر أو إخلاص أو استغفار يتخلل برنامج الأذكار وبرنامج الأفكار.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.