طريقنا إلى الله | حـ 29 | الخواطر | أ.د علي جمعة
- •مراتب القصد خمس في طريق الإنسان إلى الله: الهاجس وهو مرور الصورة سريعاً، ثم الخاطر وهو ثبوت الصورة، ثم حديث النفس وهو الحوار الداخلي، ثم الهمّ وهو الميل القلبي للفعل، وأخيراً العزم وهو القصد المؤكد.
- •كل المراتب مرفوعة إلا الأخيرة التي يُحاسب عليها العبد.
- •من نوى حسنة ولم يفعلها كُتبت له حسنة، ومن فعلها كُتبت له عشر حسنات، ومن نوى سيئة ولم يفعلها كُتبت له حسنة، ومن فعلها كُتبت عليه سيئة واحدة.
- •الخواطر أربعة أنواع: رحماني يحمل بشرى وتعليماً، وملكي يبعث الطمأنينة، ونفساني يتكرر ويُلح، وشيطاني لا يتكرر ويهدف للفتنة.
- •روى الشيخ عبدالقادر الجيلاني كيف حاول الشيطان خداعه بقوله: "أحللنا لك الحرام"، فطرده بعلمه، فقال الشيطان: "علمك نجاك، أخرجت بمثلها سبعين ولياً".
مقدمة في مراتب القصد الخمس وتعريفها في طريق الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى يحدث للإنسان خواطر، ومراتب القصد خمس:
- •هاجس
- •ذكر
- •فخاطر
- •فحديث النفس
- •فاعتبر
يليه همّ، فعزم. كلها رُفعت [أي رُفع عنها المؤاخذة] سوى الأخير [وهو العزم]، ففيه الأخذ قد وقع.
بمعنى أن الإنسان إذا قصد شيئًا مرَّ بهذه المراحل الخمسة في نفسه من الداخل في باطنه.
تعريف الهاجس والخاطر وحديث النفس مع أمثلة توضيحية
الهاجس صورته أن يأتيني الشيء ويمر مرور الكرام. نفترض مثلًا أنه هاجس معصية، فتأتي زجاجة الخمر - والعياذ بالله تعالى - وتمر أمامي هكذا في ذهني، صورة تسمى هاجسًا.
لو ثبتت [تلك الصورة في الذهن] تسمى خاطرًا، إذن الخاطر هو ما ثبت من الصور. لو أنني أنشأت حديثًا بيني وبين نفسي فقلت: لِمَ أتصور؟ أو تأتيني هذه الصورة وتثبت؟ هذه خمرة، والعياذ بالله تعالى، هل تأتيني من أجل أن تنبهني إلى أن أشربها؟ يعني وأرتكب معصية؟ أعوذ بالله، أنا لا أريد أن أرتكب المعصية.
حديث النفس [هو أن] نفسًا أمارة بالسوء فتدعوني إلى فعل المعصية، ونفسًا لوّامة تدعوني إلى عدم الوقوع في هذه المعصية: إياك! هذا يغضب الله. يصبح هذا الحديث يسمى حديث النفس.
مرحلة الهمّ والعزيمة وتعريف القصد المؤكد في مراتب القصد
وهناك أيضًا مرحلة أخرى وهي أن هذا الشخص الذي عُرضت عليه هذه المعصية - والعياذ بالله تعالى - كحديث للنفس، مال قلبه لفعلها، قال لنفسه: حسنًا، ماذا يحدث لو جربت؟ ماذا يعني؟ مال لفعلها فيكون قد همَّ بفعلها، تصور أنه يشربها.
وبعد ذلك هناك مرحلة خامسة وهي أنه ينوي القصد المؤكد، ينوي شربها، خلاص قرر وعزم. فهذه يسمونها العزيمة، والعزيمة معناها القصد المؤكد.
ثواب ترك المعصية وعقابها وفضل نية الطاعة في الإسلام
المراتب خمس منها الخاطر، إذا الإنسان نوى [المعصية] لكنه رجع في نيته، الله يعطيه حسنة. فلو أنه فعل تلك المعصية يعطيه حسابًا وعقابًا: سيئة واحدة.
ولو أنه فكر ووصل إلى النية في أمر حسن ولم يفعله أخذ حسنة، فإذا فعلها أخذ عشر حسنات. فإذا فعل الطاعة أخذ عشرة ثوابات، وإذا لم يفعلها ونواها ولم يفعلها أخذ حسنة واحدة.
وإذا فكر في السيئة ونوى السيئة ولم يفعلها أخذ حسنة، فإذا فعلها أخذ سيئة واحدة وليس عشرًا.
أقسام الخواطر الأربعة: الرحماني والملكي والنفساني والشيطاني
الخاطر إذن هو ثبوت الصورة، وعرفنا ما حوله من مراتب القصد المختلفة: الهاجس فالخاطر فحديث النفس فالهم فالعزم أو النية.
هذا الخاطر قسّمه أهل الله [أي العلماء الربانيون] إلى أربعة أقسام:
- خاطر رحماني: من الرحمن.
- خاطر ملكي: من الملك [أي الملائكة].
- خاطر نفساني: من نفس الإنسان.
- خاطر شيطاني: والعياذ بالله تعالى، على سبيل الوسواس.
﴿ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ * ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ * مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 4-6]
فالخاطر على أربعة أنحاء.
علامات الخاطر الرحماني والملكي وصفاتهما المميزة
عندما يكون الخاطر وهذه الصورة صورة طيبة فيها بشرى، فيها تعليم للأدب مع الله، فيها فتح، تكون من الرحمن.
عندما يكون فيها طمأنينة، فيها سلام، فيها روح وريحان وجنة نعيم، فيها سعادة، فيها انبساط، فهي من الملك [أي من الملائكة].
كيفية التمييز بين الخاطر النفساني والخاطر الشيطاني بالتكرار
عندما تكون [الخواطر] مني من نفس الإنسان، فقد تكون طيبة وقد لا تكون كذلك. والخاطر إذا كان مني يتكرر، أي بعد أن تكون هذه الصورة عندي سواء كانت ملكية أو كانت شيطانية؛ لأن النفس لديها الطريقان: الخير والشر.
فقد يتصور وهم نفساني يكون من عندي، وقد يكون خيرًا وقد تكون شرًا. لكن إذا زالت وذهبت ثم عادت مرة أخرى، ثم زالت وذهبت ثم عادت مرة أخرى، ثم ذهبت وعادت مرة أخرى، أعرف أنها من نفسي؛ لأن الشيطان وسواس خناس، يجري يلقيها ويجري، لا يسأل فيها، فهو ليس متفرغًا.
أما النفس التي بين جنبيّ فهي تكرر وتلحّ، فهي أمارة يعني أن تأمر مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة. فالتكرار يدل على أنها من نفسي وليست من الشيطان، وعدم التكرار يدل على أنها من الشيطان وليست مني.
أثر الخاطر الطيب والخاطر السيئ على الإنسان وكيفية التعامل معهما
الخاطر إذا جاء طيبًا فإنه مفيد، يُسعدني ويوجهني ويعلمني. وإذا كان غير ذلك [أي خاطرًا سيئًا]، آلمني وضايقني، ويجب عليّ ألا أتمادى معه في تلك الخواطر غير الطيبة.
أما الخاطر الشيطاني فهو يريد الفتنة بأي وسيلة.
قصة الشيخ عبد القادر الجيلاني مع تلبيس الشيطان في الخلوة
في هذا المقام يحكي لنا الشيخ عبد القادر الجيلاني شيئًا يفيدنا في طريقنا إلى الله. يقول إنه كان في الخلوة، وعرفنا ما الخلوة: مثل غار حراء، مثل قضية الاعتكاف، خلوة يذكر فيها ربه وتقل فيها الأنام والمنام والكلام والطعام فيما ذكرناه.
كان في الخلوة وإذ بالخلوة - ونحن في الليل - تمتلئ نورًا. قال: ما رأيت أجمل منه، النور جميل جدًا. وإذ بي أسمع بأذني صوتًا ما سمعت أحلى منه، سمعت صوتًا جميلًا ملأ كيان الخلوة يقول: يا عبد القادر!
قال: فذبت كما يذوب الملح في الماء من حلاوة الصوت ومن الرهبة من الهيبة. نور جميل لذيذ وأنا في وسطه، صوت جميل ولذيذ أسمعه في الخلوة.
كشف تلبيس الشيطان بادعاء إحلال الحرام وفطنة الشيخ عبد القادر
ويقول [الصوت]: يا عبد القادر! قال: لبيك، يعني نعم. قال: يا عبد القادر، لقد أحببناك. قال: فازددت ذوبانًا. من هذا؟ ملاك؟ ما هذا الصوت؟ من أين يأتي؟ وقربناك، جميل!
يا عبد القادر، لقد أحللنا لك الحرام! وهذا بعض الناس عندما يرى مثل هذه الترهات يعتقد أنه قد أسقط عنه التكليف.
قال الشيخ عبد القادر: فقلت: اذهب يا لعين! خلاص، فهم أن هذا من تلبيس الشيطان، وأن الشيطان يفعل هذه الأفاعيل للسالك في طريق الله حتى يصده عن ذلك الطريق أو يشوش عليه.
انكشاف الشيطان واعترافه بأن العلم أنجى الشيخ عبد القادر الجيلاني
قال [الشيخ عبد القادر]: فانطفأ النور وسمعت صوتًا ما سمعت أقبح منه قط، وهو يقول: علمك نجاك يا عبد القادر! أخرجت بمثلها سبعين وليًا من ديوان الولاية.
يعني هناك أناس - والعياذ بالله - يطيعون هذه الترهات. الخواطر منها شيطاني، ولذلك يجب ألا نستجيب إليها، وأن نتعلم من أسيادنا الأكابر: اذهب يا لعين!
فهذا [إسقاط التكليف] لو كان مراد الله لأسقطه عن سيد الأولين [النبي ﷺ] الذي قال فيه:
﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]
يعني حتى يأتيك الموت. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
