طريقنا إلى الله | حـ 8 | سند الذكر | أ.د علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ 8 | سند الذكر | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • طريق الله سبحانه وتعالى واحد، استفاد فيه المسلمون من فهوم السلف الصالح والصحابة الكرام.
  • اعتبر أهل الله الذكر والفكرة أساساً للطريق، آخذين ذلك من القرآن الكريم تحقيقاً لمرتبة الإحسان.
  • انتقل هذا الطريق من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة كعلي وأبي بكر، ثم للتابعين كالحسن البصري الذي تربى في بيت أم سلمة.
  • اختار أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ) أساساً للذكر يتضمن الاستغفار والصلاة على النبي والتهليل مائة مرة صباحاً ومساءً.
  • أضاف الشاذلية للبرنامج اليومي "الوظيفة الزروقية" و"المسبعات الخضرية" التي تتضمن قراءة أوراد محددة سبع مرات قبل الشروق والغروب.
  • يشمل برنامج الذكر أيضاً ذكر الأسماء الأصول كـ"لا إله إلا الله" والأسماء الفروع بمعدل مائة ألف مرة لكل اسم.
  • بعد إتمام الأسماء الأصول والفروع، يتم ذكر الأسماء الحسنى الواردة في حديث الترمذي، كل اسم خمسة آلاف مرة يومياً.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة في طريق الله واستفادة المسلمين من فهوم السلف الصالح

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى، استفدنا من فهوم السلف الصالح والصحابة الكرام ومن بعدهم عبر القرون؛ لأن طريق الله واحد. رأينا هذه المعاني من الحفاظ على الذكر واعتباره أساسًا من أسس الطريق، رأيناه موجودًا عند سيدنا علي [بن أبي طالب] إمام العارفين.

نشأة الحسن البصري في بيت أم سلمة زوج رسول الله ﷺ

فسيدنا علي [بن أبي طالب] علّمه [الطريق] لأبي الحسن البصري. أبو الحسن البصري رجل تربّى صغيرًا في بيت أم سلمة عليها السلام، زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت أمه تخدم أم سلمة وتعينها على شؤون الحياة.

تربّى أبو الحسن البصري في بيت الأكابر، بيت أم سلمة. وأم سلمة من نساء النبي ﷺ، كانت قد وصلت إلى مرحلة الاجتهاد كالصديقة عائشة عليهم السلام. أم سلمة وعائشة لهما في الفقه باع ولهما اجتهاد.

تربية الحسن البصري على الصفاء والنقاء وتعليم سيدنا علي له الطريق

تربى أبو الحسن البصري صغيرًا في هذا البيت، بيتٍ رأى فيه الخير، رأى فيه الطاعة، رأى فيه النقاء، رأى فيه الصفاء، رأى فيه التربية، فكان مستعدًا لذلك.

ورأى سيدنا علي [بن أبي طالب] في أبي الحسن البصري كذلك صفاءً ونقاءً، فعلّمه هذا الطريق.

سند الطريق الصوفي من الحسن البصري إلى رسول الله ﷺ وتحقيق مرتبة الإحسان

ولذلك هذا الطريق ممتد عن الحسن البصري عن علي بن أبي طالب عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم؛ لأنه طريق مقيد بالكتاب والسنة.

أيضًا هذا الطريق ورد عن الصديق أبي بكر [رضي الله عنه]، وله طريق أيضًا وَرَدَ عن سيدنا الحسن بن علي وليس الحسن البصري، فعليٌّ عِلْمِ الحسن بن علي وعِلْمِ الحسن البصري.

فإذا كانت الطرق هذه واردة بأسانيدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل ذلك تحقيقًا لمرتبة الإحسان:

قال النبي ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

مرتبة الإحسان قام لها أهل الله من أجل الحفاظ عليها.

أساس الطريق في الذكر والفكر مستندًا إلى آية آل عمران

وجعلوا أولًا الذكر والفكر أساسًا للطريق، آخذين ذلك من قوله تعالى:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

ونحن نتكلم عن الذكر بكل أقسامه وأنواعه.

أساس الذكر عند الإمام أبي الحسن الشاذلي من استغفار وصلاة وتهليل

أبو الحسن الشاذلي من أئمة الطريق، مات سنة ستمائة وستة وخمسين هجرية. اختار الأساس [في برنامج الذكر اليومي] وهو:

  1. استغفار الله مائة مرة.
  2. الصلاة والسلام على رسول الله مائة مرة.
  3. لا إله إلا الله مائة مرة.

في الصباح وفي المساء.

الوظيفة الزروقية وسفينة النجاة من أذكار الطريق الشاذلي

واختار أيضًا بعده من رجال طريقته مجموعة من الأدعية والأذكار، وسُمِّيت بـالوظيفة الزروقية أو بـسفينة النجاة إلى من إلى الله التجأ.

هذه السفينة تسمى بالوظيفة أو الوظيفة الزروقية، وهي كلها مجموعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أضاف لها أحد مشايخ الطريق عبارات أخرى أيضًا مأخوذة مما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الميراث النبوي.

المسبعات الخضرية التي أضافها الإمام الغزالي إلى أذكار الطريق الشاذلي

إذن أضاف [أهل الطريقة] الشاذلية ما ذكره الإمام الغزالي — مات سنة خمسمائة وخمسة هجرية — مما أسموه بـالمسبعات الخضرية نسبة إلى الخضر عليه السلام.

والمسبعات الخضرية هي عبارة عن قراءة متتالية لآيات وسور قد وردت في السنة فضائل كثيرة لها، فيقرأ المرء:

  1. الفاتحة سبع مرات.
  2. سورة الناس سبع مرات.
  3. سورة الفلق سبع مرات.
  4. سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) سبعًا.
  5. قل يا أيها الكافرون سبع مرات.
  6. آية الكرسي سبع مرات.

تتمة المسبعات الخضرية من الباقيات الصالحات والصلاة على النبي والدعاء

ثم إنه يذكر الباقيات الصالحات سبع مرات: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم إنه يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبع مرات. ثم إنه يدعو لنفسه سبعًا بدعاء محفوظ مخصوص. ثم إنه يدعو لعموم المسلمين ولنفسه سبعًا بدعاء معروف.

وهذه عشرة بنود أو عشر نقاط، ولكن كل مرة نكررها سبع مرات، وذلك قبل الشروق وهذا شرطها، وقبل الغروب.

برنامج الذكر اليومي في الطريق الشاذلي بين الصباح والمساء

بهذه الثلاثة — بـالأساس، والمسبعات، والوظيفة — يرتسم الطريق الشاذلي في برنامج الذكر اليومي: مرة تكون في الصباح ومرة تكون في المساء.

على هذا:

قال النبي ﷺ: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدومُها وإنْ قلَّ»

بعد ذلك أضافوا لهذا البرنامج برنامجًا آخر من المغرب إلى الفجر، وهو أن يذكر الإنسان في هذا الوقت، في أيِّ وقتٍ شاء حسب ظروفه وأحواله، خمسة آلاف مرة الأسماء الأصول، ثم الأسماء الفروع.

اختلاف الطرق الشاذلية في ترتيب الأسماء الأصول والفروع مع وحدة المقصد

واختلفت الطرق في ترتيب هذه الأسماء الأصول والأسماء الفروع، ولكن طريق الله واحد، فهذه مشارب لا بأس بها في الاختلاف عليها، ولكن المقصد في النهاية هو ذكر الله.

هذه السبعة [الأسماء الأصول] ذُكر أنها:

  1. لا إله إلا الله — السبع الأصول.
  2. ثم بعد أن ننتهي منها مائة ألف مرة نقول: الله الله أو يا الله.

وهنا في لفظ الجلالة لا يجوز فيه التنوين؛ لأنه معرف بالألف واللام عند من يرى أنه مشتق.

ترتيب الأسماء الأصول السبعة والفروع الستة في الطريق الشاذلي

ثم بعد ما ننتهي من مائة ألف [من لفظ الجلالة ننتقل إلى]: هو، وهو ضمير وهو أعرف المعارف، لا إله إلا هو.

ثم رقم أربعة: حي، ثم قيوم، ثم حق، ثم قهار. هذا ترتيب معين ولكنه ليس متفقًا عليه بين كل الطرق الشاذلية، بل يقدم الشيخ ويؤخر حسب معلوماته وحسب ما فتح الله له في هذه المعاني وهذه العلاقات.

أما الأسماء الفروع فهي: واحد، عزيز، مهيمن، وهاب، باسط، ودود. سبعة من الأصول ثم ستة من الفروع.

كيفية ذكر الأسماء مائة ألف مرة والتيسير على المسلم في ذلك

كل واحدة [من هذه الأسماء] نذكرها مائة ألف مرة في نحو عشرين يومًا. فإذا لم يستطع الإنسان في يوم من الأيام أن يأتي بذلك [أي بخمسة آلاف مرة]، أتى بالأقل: ثلاثة آلاف أو ألفين أو نحو ذلك.

فإنه يحسب هذا العدد، والعشرون يومًا تصير واحدًا وعشرين أو اثنين وعشرين أو ثلاثين حسب العدد الذي فعله. ولكن غايتنا ومرادنا وهدفنا هو مائة ألف من كل واحدة، ويجوز للإنسان بعد أن ينتهي أن يكررها مرات وليس مرة واحدة.

ذكر الأسماء الحسنى يوميًا ثم الاشتغال بلفظ الجلالة والختام

بعدها نذكر الأسماء الحسنى الواردة في حديث أبي هريرة [رضي الله عنه] عند الترمذي: الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن إلى آخره. كل يوم نتناول اسمًا خمسة آلاف مرة: اليوم الله، وغدًا الرحمن، وبعد غدٍ الرحيم إلى آخره.

ثم بعد ذلك نشتغل بـلفظ الجلالة (الله)، أو بما يفيض الله علينا ويوجهنا إليه، أو نجد قلبنا عنده.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.