طريقنا إلى الله | حـ 9 | الورد القرآني | أ.د علي جمعة - تصوف, طريقنا إلى الله

طريقنا إلى الله | حـ 9 | الورد القرآني | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الذكر في طريق العبد إلى الله يجلب الطمأنينة للقلوب ويؤثر في النفس بهدوء.
  • الشيخ ضروري في التصوف لنقل تجربته وتوجيه المريد، فهو يضيف سنوات من الخبرة للسالك.
  • التصوف لا يصلح بالقراءة أو الانفراد، بل بتحويل القلب إلى قلب ضارع بالذكر.
  • يجب عدم هجر القرآن وتخصيص ورد يومي منه مع التدبر والفهم، فالكيفية أهم من الكمية.
  • المصحف قُسم بطريقة ميسرة إلى ثلاثين جزءًا متساوية في عدد الحروف، وكل صفحة خمسة عشر سطرًا.
  • يمكن ختم القرآن شهريًا بقراءة صفحتين يوميًا: واحدة في الفريضة وأخرى في النافلة.
  • الصلاة ذكر يتطلب حضور القلب واستشعار المعاني آية بآية.
  • الذكر يشمل الأوراد والقرآن والصلاة، ويؤثر إيجابًا في أخلاق المسلم.
  • الإخلاص أساس العبادة، فمن يعبد لغرض دنيوي أو للشعور بلذة العبادة يفقد ثوابها.
  • العبادة الحقيقية تكون شوقًا لله ولأنه يستحقها ويريدها.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة عن الذكر وأهميته في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى رأينا كيف يكون الذكر، وكيف نعيش في الذكر، وكيف نجعل أوقاتنا جميعًا مليئة بذكر الله سبحانه وتعالى.

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

ذكر الله سيؤثر فيك في هدوء النفس، ولكن لا بدَّ من توجيهات الشيخ؛ لأننا لا نريد الإفراط ولا نريد التفريط، وهناك في الطريق كثير من الأسئلة وكثير من الاستفهامات.

دور الشيخ في التصوف وأهمية التجربة والصحبة لا الانفراد

الشيخ له تجربة وليس هو متسلطًا عليك كما يحب النابتة أن يصوروه، الشيخ له تجربة يعطيها لك فيضيف إلى علمك سنين عديدة.

التصوف لا يصلح بالقراءة ولا يصلح بالانفراد، ولكن يصلح بأن تجد قلبك مع ربك، وتحوّل قلبك إلى قلب ضارع بالذكر.

ورد القرآن الكريم اليومي ومنهج الصحابة في حفظه وتدبره

قضية أخرى في هذا الذكر وهي ورد القرآن الكريم، لا بدَّ عليك ألا تهجر القرآن وأن تجعل لنفسك كل يوم وردًا ولو كان قليلًا.

وفي البيهقي: «من حفظ القرآن خمسة خمسة لم ينسه»، وكان كثير من الصحابة لا يتجاوزون خمس آيات حتى يتقنوها تلاوةً ويحفظونها ويفهمونها ويتحققون بها، ثم ينتقلون إلى ما بعدها.

ليست المسألة بالكثرة بل المسألة بالكيفية.

جهود المسلمين في تقسيم المصحف إلى صفحات وأجزاء متساوية

القرآن ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية، بذل المسلمون مجهودًا كبيرًا بتوفيق الله في إخراج المصحف حتى يكون القرآن المصحف معينًا لهم على عبادة الله سبحانه وتعالى.

كتبوه بأشكال مختلفة، ومما استطاع المسلمون أن يصلوا إليه أن يكتبوا كل صفحة بدايتها آية ونهايتها آية، ولا تنقسم الآية بين صفحتين، وأن هذه الصفحة فيها خمسة عشر سطرًا.

فيستطيع الإنسان أن يقرأ مثلًا بعد كل صلاة خمسة أسطر، وهذه الصفحة من الغريب فيها أنهم حاولوا أن تقف عند معنى يحسن الوقوف عليه، واستطاعوا أن يفعلوا هذا بحيث إنك إذا قرأت الصفحة فقد قرأت معنى متكاملًا له تعلق بما بعده، ولكن يجوز أن نقف عنده.

تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءًا متساويًا في عدد الحروف

وجعلوا الجزء أولًا، هم عدّوا عدًّا عبر القرون، هكذا عدّوا أحرف القرآن وقسموه إلى ثلاثين جزءًا، كل جزء يساوي الجزء الآخر في عدد حروفه.

فعندنا القرآن بهذا الشكل ثلاثون جزءًا، كل جزء يساوي الجزء الآخر في عدد الحروف. نعم، قد تزيد حروف بسيطة في آخر آية، وقد تقل حروف بسيطة لأن الآية قد انتهت وهناك سورة جديدة قد تبدأ، ولكن بشكل عام هناك ما يشبه التساوي في عدد الحروف وليس في عدد الكلمات.

تقسيم المصحف إلى صفحات وسبب زيادة أربع صفحات على الست مائة

أمامي الآن [المصحف] مقسم إلى سور، مائة وأربعة عشر سورة، ومقسم أيضًا إلى أجزاء، ولكن أيضًا هو مقسم إلى صفحات. كل جزء جعلوه في عشرين صفحة، وكل صفحة فيها خمسة عشر سطرًا.

عشرون صفحة في ثلاثين تساوي ست مائة، ولذلك عندما تفتح المصحف تجد ست مائة وأربع صفحات.

لماذا ست مائة وأربع؟ لأن الفاتحة وبداية البقرة أخذت ورقتين، وكذلك المفصّل في السور الصغيرة زاد ورقتين؛ لأن علامات السور زادت في هذا.

كيفية ختم القرآن كل شهر من خلال قراءة صفحتين يوميًا في الصلاة

ولكن كم يصلي الإنسان في اليوم؟ سبع عشرة ركعة فريضة وسبع عشرة ركعة سنة، سبع عشرة ركعة فيها عشر ركعات يقرأ الإنسان بعد الفاتحة ما تيسر له من القرآن، إما حفظًا وهذا أحسن، وإما أن يقرأه في مصحف مفتوح أمامه وهذا جائز خاصة عند الإمام الشافعي في الفريضة وفي النافلة.

لو أن الإنسان في العشر ركعات [الفريضة] قرأ صفحة، وفي العشر النافلة قرأ صفحة، لقرأ جزءًا كل يوم ولختم القرآن كل شهر، بقراءة صفحتين: صفحة في الفريضة وصفحة في النافلة في الصلاة.

الحث على اتخاذ ورد يومي من القرآن والتدبر في معانيه

فاجعل لنفسك وردًا من القرآن، لا تحرم نفسك من القرآن، دائمًا انظر إلى القرآن لأن النظر إليه عبادة، وإن تلاوته لك بكل حرف منها عشر حسنات.

ولذلك ينبغي عليك أن تجعل لنفسك نصيبًا من القرآن كنوع من أنواع الذكر؛ لأن القرآن ذكر.

وعندما نقرأ القرآن، ليست العبرة بالكثرة ولكن العبرة بالتدبر:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [محمد: 24]

إذن لا بدَّ علينا من التدبر والقراءة بإمعان، يعني متعمقين في المعاني.

الخشوع في الصلاة وأثره في تهذيب السلوك خارجها

هذا الحال أيضًا يكون في الصلاة، والصلاة كلها ذكر، فعلينا أن نقرأ الفاتحة آيةً آية، وأن نستحضر معانيها، وأن نتخيل أنفسنا بين يدي الله سبحانه وتعالى، فتسكن جوارحنا وأيدينا وأرجلنا، وتخشع قلوبنا.

لأن مقصود الصلاة هو التذكير حتى تنهانا عن الفحشاء والمنكر، حتى تؤثر في سلوكياتنا خارج الصلاة.

شمولية الذكر للبرنامج اليومي والقرآن والصلاة وأثره في الأخلاق

الذكر كما أنه يشمل البرنامج اليومي الذي شرحناه، فهو يشمل أيضًا القرآن الكريم، ويشمل أيضًا ما في الصلاة من ذكر يجب علينا أن نتحقق بها.

هذا [الذكر والتدبر] يؤثر في أخلاقنا تأثيرًا إيجابيًا، تأثيرًا خيرًا وحسنًا، يجعلنا نستحي أن نكذب، ونستحي أن نقصّر في أعمالنا، ونستحي أن نرتكب المعصية أو أن نعتدي على أموال الناس، نستحي أن نعتدي على خلق الله.

ويظهر الحب وتظهر الرحمة وتظهر السكينة والأمن والأمان في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى من جراء هذا الذكر وهذا التدبر وهذا التمعن وهذه العبادة والطاعة التي هي خالصة لوجه الله، لا نريد شيئًا من حطام الدنيا.

التحذير من الذكر لأجل الفائدة الدنيوية وضياع الثواب بذلك

بعض الناس يذكر من أجل أن يصل إلى فائدة [دنيوية]، هكذا ذهب ثواب نفسه. بعض الناس يذكر حتى يحصل أثر الذكر [في الدنيا فقط]، هكذا ليس له ثواب في الآخرة.

قالوا لأبي يزيد البسطامي: ما لنا نعبد ولا نحسّ بحلاوة العبادة ولذة العبادة؟ قال: عبدتم العبادة فلم تشعروا بلذتها، اعبدوا الله وأنتم تشعرون بلذة العبادة.

الإخلاص في العبادة شرط لذة الطاعة والشعور بحلاوتها

الإنسان عندما يصلي حتى يكون ذلك إثبات حالة: أنا صليت اليوم قيام الليل، وأنا صليت إحدى عشرة ركعة، وأنا صليت وغيري لم يصلِّ، وأنا كذا وكذا إلى آخره، لا يشعر بلذة العبادة، بل تكون رسومًا من الدنيا.

ولكن الذي يشعر بلذة العبادة من أخلصَ لله: أنا أعبدُ شوقًا لله، أنا أعبدُ لأن الله يستحقُ منا العبادة، أنا أعبدُ لأن الله أرادَ منا العبادة.

إلى لقاءٍ آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.